رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. حمد بن عبدالرحمن بن حمد آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

21

د. حمد بن عبدالرحمن بن حمد آل ثاني

حين يصبح الصوت أعلى من الفعل

07 مايو 2026 , 12:41ص

في الحياة الإنسانية مشاهد كثيرة تمر بنا دون أن تترك أثرًا يُذكر، كأنها لم تكن. وفي المقابل، هناك مواقف عابرة في ظاهرها، لكنها تظل مستقرة في الذاكرة، نستعيدها كلما مررنا بموقف مشابه أو التقينا بشخصية تذكرنا بها. وليس بالضرورة أن تكون هذه المواقف عظيمة في حجمها، بل قد تكون بسيطة جدًا، إلا أن ما تحمله من دلالات ومعانٍ يجعلها أكبر من لحظتها العابرة.

ومن المواقف التي لا تزال عالقة في ذهني، موقف حدث في أحد الاجتماعات الرسمية قبل سنوات طويلة، حين كنت أشارك في اجتماع يضم عددًا من المسؤولين ورؤساء الوفود. كان الاجتماع برئاسة مسؤول رفيع المستوى، يتولى إدارة الحوار وتوزيع فرص الحديث بين المشاركين.

وكما يحدث في كثير من الاجتماعات، برز أحد الحضور بشكل لافت؛ كان متحدثًا لبقًا، سريع البديهة، حاضر الذهن، يمتلك قدرة واضحة على صياغة الأفكار وإدارة النقاش. وكلما طرح موضوع، وجد رئيس الاجتماع نفسه يعود إليه ويمنحه الكلمة مرة أخرى، لما يراه فيه من قدرة على إثراء الحوار.

في البداية بدا الأمر طبيعيًا، فالمجالس تميل غالبًا إلى من يجيد التعبير ويملك أدوات الإقناع. لكن مع تكرار المشهد، بدأت علامات الضيق تظهر على بعض الحاضرين، خصوصًا أولئك الذين كانت لديهم آراء مخالفة أو مداخلات يرغبون في طرحها.

وفجأة، لم يتمالك أحد رؤساء الوفود نفسه، فقال بنبرة جمعت بين المزاح والاعتراض:

"لماذا تعطى الكلمة دائمًا لأسامة؟ ليت اسمي أسامة حتى أحظى بفرصة مماثلة!"

ضحك الحضور، ومضى الاجتماع، لكن تلك العبارة بقيت عالقة في ذهني أكثر من كثير من تفاصيل الاجتماع نفسه.

كانت جملة عفوية، لكنها تختصر جانبًا مهمًا من طبيعة العلاقات الإنسانية والاجتماعية. ففي كثير من الأحيان، لا يحصل الناس على الفرص بالتساوي، ليس بالضرورة بسبب الظلم المتعمد، بل لأن بعض الشخصيات تفرض حضورها بقوة الحديث، وجاذبية الأسلوب، والقدرة على لفت الانتباه.

إن الإنسان بطبيعته يميل إلى من يملأ الفراغ، ويقدم الأفكار بثقة، ويتحدث بوضوح، حتى وإن لم يكن دائمًا الأكثر عمقًا أو خبرة. وعلى النقيض، قد يوجد في المكان نفسه أشخاص يملكون علمًا أوسع، أو رؤية أكثر نضجًا، أو نية أكثر إخلاصًا، لكنهم لا يجيدون تسويق أنفسهم، ولا يملكون مهارة اقتناص اللحظة. وهنا تكمن المفارقة.

فالمجتمعات كثيرًا ما تمنح الثقة لمن يُحسن القول قبل أن تختبر الفعل. بل إن بعض الناس يمتلكون قدرة استثنائية على تشكيل الانطباعات، حتى يصبح حضورهم طاغيًا على غيرهم، وكأنهم الخيار الطبيعي في كل موقف.

وفي الموروث الشعبي يقال: "خذوهم بالصوت"، وهي عبارة تختصر واقعًا اجتماعيًا معروفًا؛ فليس كل مرتفع الصوت قوي الحجة، وليس كل كثير الكلام عميق الفكرة. غير أن حسن العرض قد يمنح صاحبه أحيانًا ما لا تمنحه الكفاءة وحدها.

ولا يعني هذا التقليل من شأن البلاغة أو مهارة الحديث، فالكلمة قوة حقيقية، والقدرة على التعبير نعمة عظيمة.

كم من شخص يتحدث كثيرًا لكنه قليل الإنجاز، وكم من آخر قليل الكلام لكنه عظيم الأثر. وهناك من يفضلون العمل بصمت، لا يجيدون الترويج لأنفسهم، ولا يزاحمون على المنصات، لكن نتائجهم تتحدث عنهم ببلاغة تفوق الكلمات.

وفي بيئات العمل والإدارة والحياة العامة، يقع كثيرون في فخ الاعتماد المفرط على شخص واحد؛ فيصبح هو المستشار الدائم، والمتحدث المعتمد، وصاحب الرأي المقدم على غيره. ومع الوقت، يتحول إلى عدسة وحيدة يرى القائد من خلالها المشهد، رغم أن الحقيقة غالبًا أكثر اتساعًا وتعقيدًا من أن تختزل في منظور واحد.

العدالة في المجالس، كما في الحياة، لا تعني فقط إتاحة الفرصة للأكثر حضورًا، بل تعني أيضًا الالتفات إلى الأصوات الهادئة، ومنح المساحة لمن لا يطلبها بإلحاح.

فليست الحكمة حكرًا على أصحاب الأصوات المرتفعة، وليست الكفاءة مرهونة بمهارة الحديث.

وربما كانت تلك العبارة الساخرة: "ليت اسمي أسامة" أكثر من مجرد دعابة؛ لقد كانت تعبيرًا صادقًا عن شعور إنساني يتكرر في أماكن كثيرة: شعور من يرى الفرص تمر أمامه، لا لأنه أقل كفاءة، بل لأنه أقل ضجيجًا.

وهكذا تعلمنا الحياة درسًا مهمًا:

لا تنخدع دائمًا بمن يجيد الحديث، ولا تهمل من يجيد الفعل.

فالقول يلفت الانتباه، أما الفعل فهو الذي يصنع الأثر ويبقى

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما.

اقرأ المزيد

alsharq وقف سرديات الفرقة

تُعد وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات رقمية ذات حدين إن صح التعبير، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى منصات... اقرأ المزيد

27

| 07 مايو 2026

alsharq لنجعلها أسلوب حياة

عادة ما أخرج لعملي الساعة السادسة صباحا، وتكون الشوارع هادئة وأشعة الشمس لطيفة، وأجد الطريق إلى مقر عملي... اقرأ المزيد

21

| 07 مايو 2026

alsharq حديث غزة!!

شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق عكاشة عن غزة بعنوان "غزة في القلب". فيه قابلت بالصدفة... اقرأ المزيد

33

| 07 مايو 2026

مساحة إعلانية