رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد غد ستكون المحروسة - وأقصد بها مصر -على موعد مع كتابة جديدة لتاريخها السياسي المعاصر مع انطلاق أول انتخابات رئاسية حقيقية تنهض على أكثر من مرشح من شرائح وتوجهات مختلفة وتلك واحدة من الإفرازات الإيجابية لثورة الخامس والعشرين من يناير التي يحاول البعض إجهاض أهدافها وتقليص تأثيرها في الواقع المصري
في عيون المصريين ترصد هذه الأيام ألقا وتوهجا ونورا وعشقا لزمن جديد يحكمهم فيه رئيس طالع من رحم الوطن مسكون بما يقض مضاجعهم وحالم بالخروج من سلسلة من الأزمات التي تحاصرهم بعد أن وهبوا الثورة كل شيء لكن من امتطوا صهوتها كادوا يدفعوها إلى دائرة الخذلان والفشل لولا بقية من إيمان بقيمها هي من تحافظ عليها وتمضي بها إلى الأمام وفق نظرية التسيير الذاتي
تتحرك في الشارع في الحارات في أطراف المدن في النجوع والقرى البعيدة في مختلف أنحاء المحروسة لا حديث يعلو على حديث انتخابات الرئاسة والمرشحين والنقاش حول أيهم أجدر بالحصول على المنصب الرفيع المقام وهو ما ينبئ عن حيوية كانت مفتقدة وأحلام كانت مجهضة
في شاشات الفضائيات المحلية والعربية تتصدر الانتخابات البرامج والنشرات الإخبارية وبعضها يقيم المناظرات والحوارات التي تكشف عن المستور في توجهات وفكر المرشحين وكثيرا ما يفاجأ المشاهدون بجوانب أخرى في شخصية المرشحين لم تكن واضحة القسمات من قبل لكن الغضب كشف عنها. فبان من يمتلك القدرة على كظم غيظه وظهر من يمتلك الروية والهدوء أو القابلية للاستفزاز. بينما كان مبارك يمتلك دوما القدرة على خداع شعبه سواء من حيث الشكل أو المحتوى والذي لم تنطل عليه حيله في صباغة شعره فكان يدرك أن الشيب لا يسكن مظهره الخارجي وإنما مكوناته الداخلية بكل أبعادها
في الانتخابات سيخرج شعب مصر حاملا حلمه في التغيير متطلعا لأن يمتلك ناصية أمور البلاد وقراره الوطني المستقل والبعيد عن تأثيرات القوى الإقليمية أو الدولية بل وبعيد عن هيمنة رأس المال الذي كان في حالة عناق مع السلطة بكل مكوناتها خلال ثلاثين عاما أو قل خلال أربعة عقود فالبداية كانت مع الراحل أنور السادات المؤسس الحقيقي لنظام حسني مبارك
لا يمكنك أن تعرف اتجاه الريح رغم الاستطلاعات التي تنظمها صحف قومية خاصة وكل منها يكيف نتائجها مع مصالحه والقوى التي يعبر عنها لكنها جميعا لا تحدد من سيختاره الشعب على وجه اليقين رغم حجم الدعاية الذي لم تشهده المحروسة طوال تاريخها ويتحدث الناس عن ضخ أموال شديدة الضخامة في المعركة الانتخابية ويدللون على ذلك بحجم الإعلانات التي تحملها جدران القاهرة والمحافظات الأخرى وعلى شاشات التليفزيون والتي تعكس قدرا لا بأس به من أموال دفعت لشركات العلاقات العامة والدعاية وثمة من يتخوف من أموال مدفوعة من الخارج لتمويل حملة هذا المرشح أو ذاك وفي المقابل فإن الجميع ينفي حصوله على تمويل من أي دولة بالخارج ويعلن اعتماده على أمواله الخاصة وتبرعات مناصرين وأظن أن التلويح بورقة التمويل الخارجي ينطوي على حرب نفسية ضد مرشحين بأنفسهم بهدف إزاحتهم من المواقع المتقدمة التي باتوا يحتلونها
وقد شهدت المعركة الانتخابية في أيامها الأخيرة نوعا من الحروب الثقيلة أو ما يسمى بحرب تكسير العظام وفي مقدمة من طالتهم قذائف هذه الحرب أحمد شفيق والذي تحاصره اتهامات شديدة الوطء في ذمته المالية وقيامه ببيع أراض لنجلي مبارك علاء وجمال بأرخص الأسعار والتي تمت إحالتها إلى النيابة العامة وهو تطور يوشك أن يقضي على البقية الباقية لشفيق الذي يقاتل من أجل البقاء في المشهد الانتخابي.
المعركة حامية الوطيس خاصة في ساعاتها الأخيرة والتي تعكس صراعا على السلطة ليس بين أشخاص بعينهم وإنما بين اتجاهات سياسية تتنازعها تباينات وتناقضات عدة يحاول التيار الإسلامي بشقيه: الإخوان والسلفيين أن يتصدر نتائجها مستخدما كل الوسائل بينما يسعى التيار الليبرالي إلى فرض حضوره باعتباره المنقذ في حين يطرح مرشحو التيار الثوري الذين ينتمون إلى ثوار يناير أنفسهم بحسبانهم البديل الحقيقي الذي يحتاجه الوطن الآن. وثمة تهديدات بتفجير ثورة ثانية إن ربح واحد من بقايا النظام في انتخابات الرئاسة
ليشتبك الجميع في عراك سياسي قبيل "تشغيل" صناديق الاقتراع أما بعد أن تعطي أكلها فعلى الجميع أن يلتزم بما أٍسفرت عنه وأخشى ما أخشاه أن تحاول قوى وتيارات معينة في حال خسارة مرشحها إلى إثارة الاضطرابات بحجة وقوع تزوير فتقود البلاد إلى حالة من عدم الاستقرار قد تفضي إلى نتائج محفوفة بالمخاطر على أمن الوطن والمعضلة تكمن في أن كل مرشح يزعم أنه المعبر عن الأغلبية وبالتالي فإنه يرجع خسارته من دون تفكير إلى ما يظنه تزويرا بل إن بعض القوى بدأت تتحسب لذلك وثمة مناقشات جرت في مجلس الشعب لكني أجزم بأن التزوير لم يعد له موقع في الأداء الانتخابي في المحروسة بفعل حالة اليقظة التي باتت تسكن الوجدان والعقل المصري والتي لن تسمح على الإطلاق بوقوعه مهما كان الثمن فقد ارتوى المصريون من التزوير على مدى العقود الثلاثة المنصرمة من حكم مبارك ولم يعد بمقدورهم تحمل المزيد من مكابداته ومعاناته ومخاطره هذا أولا
أما ثانيا فإن عملية الاقتراع ستخضع لمراقبة محلية ودولية صارمة فضلا عن وجود مندوبي المرشحين أنفسهم ومع ذلك فإن ثمة تكهنات بوقوع تجاوزات من قبل بعض المرشحين أنفسهم في سعيهم المحموم للحصول على الموقع الأول وهو لن يكون على نحو واسع وسيتم احتواؤه فورا في ظل العيون الشاخصة من قبل المناوئين
وقد يسألني البعض لمن ستدلي بصوتك في الانتخابات؟
وحتى أكون صادقا وأمينا أقول: إن قلبي مع مرشح أحبه وهو حمدين صباحي لاعتبارات تتعلق بالمنظور المشترك والمتمثل في انتمائنا إلى فكر ثورة يوليو ومفجرها جمال عبدالناصر فضلا عن فترة زمالة أثناء الدراسة بكلية الإعلام بجامعة القاهرة في النصف الثاني من سبعينيات القرن الفائت والأهم عملي معه بجريدة الطلاب التي كانت تصدر عن الاتحاد العام لطلاب جامعات مصر في النصف الثاني من سبعينيات القرن الفائت والتي كانت واحدة من أهم الحصون المقاومة لنظام الرئيس الراحل أنور السادات كما أن حمدين يمثل الجيل الثوري المتفاعل مع أوجاع الفقراء ولديه مشروع محدد للعدل الاجتماعي واستقلالية القرار الوطني واستعادة الروح القومية للمحروسة
ويشهد بيتي كغيره من بيوت المحروسة نقاشات حادة فطالبة كلية الآداب تريد أن تمنح صوتها لمحمد مرسي راغبة في حكم إسلامي وأم البنات تريد عمرو موسى تراه مرشحا ملائما للعبور بالوطن من زمن مبارك إلى الزمان الجديد بحكم خبراته السابقة ودرايته الواسعة بمفردات الدولة المصرية بيد أن تيارا ثالثا تقوده ابنتي الكبرى الفنانة التشكيلية يميل إلى عبدالمنعم أبو الفتوح وقلت لهن: كل واحدة تختار من تريد فقد ولى زمن القهر ولم يعد بمقدور أحد أن يفرض شخصا بعينه
وفي تقديري الفائز الأكبر في انتخابات الرئاسة ليس الشخص الذي سيربحها. وإنما الوطن والذي سيستعيد عافيته وحريته وقدرته على فرض ملامحه الخاصة والشعب الذي سيكون قادرا على الاختيار بمنأى عن سيف السلطان أو ذهبه.
السطر الأخير:
انتبهي
وجهك راحل في مدى عشقي
مسافر بحدائق القلب
يرويها شعرا
يمنحها سكنا
يضفرها وجدا
فكوني سنبلة لتوهجي
حقلا لقصائدي
هدأة لوجعي
صيرورة لبهجتي القديمة
لاتستعصي على الألق
تزودي بعطر الكتابة
تمددي أبنوسة في غاباتي الولهى
زخما في فضاء الروح
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
371
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
431
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
307
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10467
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3495
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2517
| 08 سبتمبر 2026