رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الخبز غذاء هيدركربوني مهم، وسعر بيع الخبز أو الرغيف قد يكون معقولا في قطر اليوم، وهو يساير نفس السعر في أغلب بلدان الخليج المجاورة، فعدد عشرة أرغفة بسعر ريال واحد (من الحجم المتوسط والصغير) ما زال مناسبا للغاية. وكذلك بيع خمسة أرغفة (من الحجم الكبير) بسعر ريال واحد يعد مناسبا أيضا. المشكلة أن بعض المخابز أو الأفران التي تبيع هذا الخبز بدأت تتذمر من تدني هذا السعر ورخص الأسعار للخبز أو الأرغفة، ويبدو أنها انتهجت منهجا جديدا في كيفية التعامل مع هذا الموضوع، والبدء في تطبيق فكرة جديدة لتقليل حجم الخبز وتصغيره عن الحجم السائد اليوم في الأفران والدكاكين ليتم تقليل الطحين أو الدقيق الذي يصنع منه الخبز بطريقة قد لا يشعر بها المواطن والمقيم.
المسألة مهمة للغاية ولا يجب أن تتجاهل الجهات المسؤولة في الدولة قضية كهذه، لانه سيترتب على أية زيادة قادمة على رغيف الخبز ومشتقاته العديد من الصعوبات المالية على كل مواطن ومقيم!!.
** حماية المستهلك والمبالغة في الأسعار:
ومن هنا فاننا نتساءل:
هل يحق لهذه الأفران والمخابز التلاعب بطريقة طرح الخبز بحجمه هذا الذي يقلل من حجمه المعروف بهدف التوفير؟.
وهل "حماية المستهلك" على دراية بما هم قادم في سوق المخابز من خلال العمل على تقليل حجم الرغيف؟
وهل هناك موافقة مبدئية ومسبقة من قبل "حماية المستهلك" بعمل هذا الحجم؟.
وما دور "مجلس الوزراء ومجلس الشورى" الموقرين في النظر الى مسألة تقليل حجم الرغيف اليومي الذي لا يستغني عنه المواطن والمقيم معا؟
دون إيقاف زيادة عدد الارغفة Brown bread ولماذا يرتفع سعر الرغيف البني
من 3 أرغفة بريال واحد إلى زيادته لخمسة أرغفة على الأقل تسهيلا على المستهلك الذي يفضل الرغيف الأسمر بسبب فوائده الصحية؟.
وأسئلة كثيرة أخرى دارت في ذهني وأنا أتناول هذا الموضوع الذي لا يعتبره الكثير مهما، لكنه جزء من حياتنا اليومية، لا يستغني المواطن والمقيم عن رغيف الخبز في الحياة اليومية وبعدد كبير من الأرغفة سواء عند تناوله في الصباح أو المساء دون توقف، وبخاصة من قبل المقيمين الذين يشكلون النسبة الاعلى من استهلاك الخبز أو الرغيف.
** تقنين السلع الغذائية والتموينية:
من المواقف التي تحضرني بخصوص السلع الغذائية والاستهلاكية، موقف حدث في احدى الدول المجاورة قبل سنوات، عندما اقدمت إحدى شركات الألبان على اتباع سياسة جديدة في علب الحليب البلاستيكية من الحجم العادي، حيث قامت الشركة بتقليص حجم علبة الحليب البلاستيكية إلى حجم أصغر بقليل من الحجم المتبع وتم بيع العلبة الجديدة بعد تصغيرها بنفس السعر، فاحدث ذلك التلاعب بعض البلبلة بين الرأي العام في تلك الدولة، فقاطع الاهالي تلك الشركة، حتى أرغمت عن التنازل والعودة الى الحجم الطبيعي والعادي لعلب الحليب وإلغاء الحجم المصغر، وعادت المياه إلى مجاريها.
نتمنى ألا يحدث هذا الشيء عندنا في قطر وإثارة بعض الصخب وعدم الرضا بين الناس، قبل تدارس الموضوع بشكل متان يهدف لخدمة المواطن والمقيم، خاصة من هم من أصحاب الدخل المحدود، ومن لا يستطيع تسديد نفقات الحياة المعيشية اليومية بسهولة ويسر.
** والبعض يتساءل كذلك:
هل السياسة الاقتصادية عندنا تسير في مجال "حماية المستهلك" بطريقتها
الصحيحة؟
وهل تقوم هذه الادارة من خلال وجودها في وزارة الاقتصاد والتجارة بمراقبة الاسعار وتحديد الاسعار المعقولة للسلع وبخاصة الغذائية منها مثل "رغيف الخبز" وغيره؟.
وهل هناك توعية مباشرة للرأي العام بهذا الخصوص؟.
وهل الجميع يتفق على نجاح دور "حماية المستهلك" أم أنها إدارة ضعيفة الاداء والمستوى فيما تقدمه من نجاحات للمجتمع في مجال تحديد الاسعار ومكافحة الغلاء والارتفاع في اسعار الرغيف وأنواع المعجنات الاخرى؟.
وأين وجود القانون الذي يحدد عدد الأرغفة للخبز العادي أو الخبز الاسمر وحجم كل رغيف بالسعر المحدد له وبخاصة الخبز العربي (اللبناني) أو المصري أو الهندي أو الإيراني؟.
** ارتفاع أسعار الخبز في الخليج:
في سنة 2013 ارتفع سعر الرغيف "الخبز" بالمملكة العربية السعودية بنسبة عالية وهون ما أثار استهجان واستغراب الكثير من السعوديين والمقيمين، بنسب تراوحت ما بين 20 إلى 50 بالمائة، حيث كان عدد من المخابز في المملكة قد قام بتقليص حجم ووزن الرغيف بمختلف أنواعه بنسب تتراوح بين 10 إلى 25 بالمائة دون أن يشهد انخفاضاً في السعر، إذ بلغ سعر "ربطة الخبز" ريالين بعدما كانت بريال واحد، وذلك بهدف تغطية تكاليف العمالة التي تعمل في الأفران والمخابز حيث ارتفع سعر العامل سنة 2012 م من 100 إلى 2400 ريال سنويا.
** الهيئة العامة لحماية المستهلك:
نقترح في هذا المقام أن تكون لدينا في قطر "هيئة لحماية المستهلك" وليست إدارة ملحقة بإحدى وزارات الدولة، نظرا لارتفاع عدد السكان بشكل سنوي والذي يقترب اليوم من ثلاثة ملايين نسمة. لان وجود مثل هذه الهيئة المستقلة سيمنحها الحرية في الرقابة واتخاذ القرارات المناسبة، وفي متابعة كل ما يتعلق بالاستهلاك بشكل افضل مما هو عليه الآن، لكون الوزارة الحالية عاجزة عن السيطرة على كل التجاوزات، ولديها الكثير من الاخفاقات، على ان يكون من أدوار الهيئة القادمة العمل على تحقيق عاملين مهمين هما:
أولا: العمل على استقرار الأسعار داخل الأسواق والمجمعات والمولات مع اتخاذ الإجراءات المناسبة والرادعة لتحقيق ذلك.
وثانيا: توعية المستهلك بمخاطر الإعلانات المضللة ودور هذه الهيئة في محاربتها والحد منها بكافة الطرق والوسائل المتاحة.
وفي الختام: **
نتمنى في النهاية أن تسعى "حماية المستهلك" الى فرض بعض القيود على الافران والمخابز بعد التمادي في رفع الاسعار على الخبز او تقليل أحجامه دون مبرر، خاصة ان بعضها يبحث عن الربح وبأكبر عائد دون مبرر، مثل رفع أسعار الاصناف الاخرى من "الروتي والصمون والكعكات وأقراص الأرغفة الاخرى، بأسعار غالية جدا!!. وفي نفس الوقت نطالب بالغاء بعض الرسوم الجمركية المفروضة على الأفران وتجار المخابر لتقليل تكاليف المصروفات عند شراء المعدات واستيرادها من الخارج، مع تسهيل الدولة لاصحاب المخابز فيما يتعلق برسوم الصيانة والتسويق والتوصيل والرسوم الحكومية الأخرى والتأمين ورواتب العمال وغيرها.
: كلمة أخيرة **
بعضهم علق على الموضوع قائلا: لا تحمّلوا المواطن والمقيم المزيد من السياسات الاقتصادية الفاشلة وغير المتأنية!!.
في الصراحة راحة
كم يُصاب الإنسان بخيبة الأمل ويحزن كثيراً عندما يرى أشياء قد تَعب من أجلها وصرف عليها الكثير وبنى... اقرأ المزيد
36
| 21 يونيو 2026
جيل ربّته الكتب وآخر ربّته الخوارزميات
يستحق الفرق بين جيلٍ ربّته الكتب وجيلٍ ربّته الخوارزميات أن يُقرأ بهدوء، بعيدًا عن الحنين الذي يُجمّل الماضي... اقرأ المزيد
48
| 21 يونيو 2026
العرب في 80 سنة
المقالة بعنوانها تتعلق بكتاب صدر حديثا يحمل نفس العنوان للكاتب القطري محمد بن محمد الجفيري، والصادر عن دار... اقرأ المزيد
60
| 21 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
30897
| 20 يونيو 2026
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17658
| 16 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4437
| 15 يونيو 2026