رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كل الأحداث العربية الفاجعة التي تتعاقب يوميا أمام عيوننا وفي عقر ديارنا هذه الأيام تنادينا على الأقل للاعتبار ووقفة تأمل مع الذات لنفيق من غفلتنا ونتدارك المصيبة قبل استفحال الكارثة. عديد الدول العربية التقليدية بشكلها القديم تنهار بسرعة لتجرف جاراتها إلى نفق مظلم كقطع الدومينو فالعراق تقام في ثاني أكبر مدنه الموصل عاصمة مرتجلة للخلافة وتهدد مدنها الأخرى بالسقوط المبرمج وفي سماء سوريا تحلق طائرات ثلاثين دولة غربية مسيحية تنادت لمحاربة عدو مجهول حول أكبر مدنها الاستراتيجية الواقعة على الحدود مع تركيا كوباني بينما الحلفاء المحاربون منقسمون حول مصير الأسد والنظام السوري الراهن مما يعقد المواجهة بل يجعلها مستحيلة التنفيذ وغير مأمونة النتيجة ثم يحولها إلى حرب صليبية تاسعة تستهدف المسلمين لا الإرهابيين وفي العراق كذلك يربض جيش داعش على بعد مسافات قصيرة من أهم المدن وتتحالف معه قوى تقليدية من الجيش العراقي القديم بسلاحه وصواريخه وطيرانه المقاتل وهو الجيش الذي قام بحله (بريمر) سنة 2003 ومعززا بالعشائر السنية التي ذاقت الأمرين من حكم نوري المالكي الذي لم يستطع الترفع عن الثأر والإقصاء وكان سببا من أسباب انهيار البنيان لأنه لم يؤسس دولة ما بعد صدام على تقوى من الله ورضوان فلاحق المناضل ورجل الدولة نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي وحكم عليه بالإعدام واضطره للمنفى وهو الذي التقيت به في إحدى عواصم الخليج وقرأ لي منذ سنوات مستشرفا المستقبل وكل الذي يحدث اليوم من مأساة التفكك والسقوط في وطنه فك الله غربته ومعضلة العراق كما أن المالكي أذن بشنق صدام حسين فجر يوم عيد الأضحى في مشهد درامي يخزي منفذيه كان له تأثير واسع ومريع في وجدان مليار ونصف المليار مسلما مهما كانت التهم الموجهة لصدام حسين فإن التعاطي مع السياسة هو أخلاق أو لا يكون وهو خطأ في التقدير ارتكبه المالكي في لحظة طائفية كان أحرى أن يكون أرفع منها. أما الوضع اليمني الذي اعتقدنا منذ سنة 2011 أنه سعى نحو الانفراج وأن الوساطة الخليجية الكريمة أطفأت فتيل الفتنة بسيناريو بدا لنا كأنه أرضى جميع الأطراف وهيأ البلاد لمرحلة من الوفاق والسلام ولكن رياح الحسابات القبلية والطائفية جرت بما لا تشتهي سفن اليمن السعيد ولعلع الرصاص بين الإخوة وغابت الدولة ليحل محلها صراع دموي بين الحوثيين والقاعدة. وفي مصر يتفاقم الصراع الذي أصبح مسلحا بين نظام السيسي ومؤيدي الإخوان وفي ليبيا تأسست الفوضى الثورية على أنقاض الفوضى القذافية وتشكلت حكومتان وتكون برلمانان لكن الميليشيات المسلحة بقيت سيدة الموقف وأصبح الوضع الأمني ميؤوسا منه غير خاضع لمنطق عقلاني سليم وكان لا بد للجارة تونس التي نجت برأسها من الفتنة والعنف أن تحتاط من الفوضى الليبية وهي تقترب منها بخطى ثابتة إلى درجة أن صوتا تونسيا من أصوات داعش صرح في فيديو على الفيسبوك بأن داعش على بعد 60 كلم من بن قردان المدينة التونسية الحدودية. وأنا ما أزال على رأيي بأن لا أمن مستقرا في تونس إلا إذا هدأت ليبيا الشقيقة فهي أكثر من جارة لأننا والشعب الليبي لحمة تاريخية قوية منذ العهد الروماني ونشترك وإياه في ذات القبائل وسالت دماء التوانسة والليبيين في حروب مقاومتنا للاستعمار (الاستخراب هو اسمه الحقيقي) منذ حرب ليبيا ضد الطليان إلى حرب التحرير التونسية وصولا إلى الثورتين الشعبيتين ضد الطغيان لكن السبيلين تفرقا لأسباب داخلية وخارجية فنجحت تونس في أن تتقدم على درب الحريات والمؤسسات بأقل التكاليف رغم أن استشهاد عدد من الشباب أثناء الثورة والسياسيين والجنود ورجال الأمن بعدها لم يكن بالهين أو المقبول لكن الثمن الذي دفعه التوانسة من أجل استعادة كرامتهم كان أرحم من ضحايا البلدان الأخرى. وحين أتأمل هذه الحال العربية تحضرني الآية الكريمة: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أم مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. (التوبة أية 109) من هذه الحكمة القرآنية المجيدة ننطلق لنتبين أن الله عز وعلا قسم البنيان إلى قسمين (و البنيان هنا حسب أغلب المفسرين هو كل ما بناه الإنسان من البيت إلى المدينة إلى الحضارة) نوعان من البنيان الأول أسسه أصحابه على تقوى من الله ورضوان والثاني أسسه أصحابه على شفا جرف هار فانهار به (و بهم) في نار جهنم وتأتي الحكمة الربانية بعد ذلك لتؤكد العبرة من الصنفين وهي: والله لا يهدي القوم الظالمين، لأن الحق تعالى يقول لنا بأن الذين أسسوا بنيانهم على شفا جرف هار هم القوم الظالمون أي المسؤولون عن نتائج ظلمهم. وهذه الحكمة الخالدة ترسم صورة لعرب اليوم أصدق تصوير وتعبر عن واقعهم المأساوي أبلغ تعبير ولكن أغلب الناس لا يدركون. وكنت منذ أيام رأيت وسمعت النائب في مجلس العموم البريطاني المستعرب الأمين والمناضل الجريء (جورح غالواي) يفسر لمجموعة من الطلاب العرب في جامعة لبنانية كيف أن العرب كانوا متحدين أقوياء في عهد الخلافة وتفرقوا شيعا ومللا ونحلا ودولا كرتونية بينما كان الأوروبيون في عهود تقاتلهم وتحاربهم متفرقين ضعفاء فأدركوا منذ الحرب العالمية الأولى ثم الثانية (وهي حروب أوروبية ومسيحية لا عالمية) بأن الوحدة قدر لا بد منه وبأن القوة في اتحادهم فأسسوا الاتحاد الأوروبي نوعا نموذجيا من الخلافة المسيحية مع اختيار خليفة واحد هو السيد (هرمان فإن تروب) اللكسمبوري بايعه الأوروبيون وببيت مال المسلمين (أي المسيحيين هنا) الذي هو البنك المركزي الأوروبي وبديوان المظالم الذي هو المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في سترازبورغ وبأهل الحل والعقد الذي هو البرلمان الأوروبي في بروكسل وبعملة نقدية واحدة هي اليورو وهو الأقوى اليوم في أسواق المال. ويضيف النائب البريطاني قائلا: أنتم 350 مليون من العرب تتكلمون لغة واحدة وتعبدون إلها واحدا بينما نحن 350 مليون من الأوروبيين نتكلم 23 لغة وتفرقنا الأديان والمذاهب والأعراق والمصالح لكننا نشكل اليوم قوة عظمى هي الإتحاد الأوروبي ولا نقبل بعضوية تركيا لأنها فقط مسلمة لأننا نادي مسيحي مغلق! هذه هي اليوم حال العرب ونرجو أن تقوم القمة العربية القادمة بتقييم صحيح لأوضاع العرب في عالم متقلب عادت فيه الحرب الباردة بين العمالقة في بؤرة أوكرانيا تنذر بانقلاب الأولويات لدى واشنطن وموسكو وبيكين ليتأخر ملف فلسطين وملف الطاقة وملف النووي الإيراني إلى درجات سفلى من اهتمام القوى العظمى والمتعاظمة فيكون العرب.... كل العرب الحطب القادم لا قدر الله في لهيب التحولات الحضارية والاستراتيجية الكبرى للقرن الحادي والعشرين.
ثوابت الدبلوماسية القطرية.. جهود متواصلة من أجل السلام
تصدرت رؤية حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، الموقف القطري خلال أعمال... اقرأ المزيد
168
| 02 أكتوبر 2026
أمير البلاد المفدى يرسم رؤية قطر للمستقبل
في خطاب حمل رؤية قطر لأمن المنطقة ومستقبل النظام الدولي، أكد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد... اقرأ المزيد
189
| 25 سبتمبر 2026
الأمم المتحدة تكرم قائداً بنى وطناً وترك أثراً في أمته
لم يكن تكريم الأمم المتحدة لروح المغفور له بإذن الله، الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني،... اقرأ المزيد
276
| 18 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9744
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3459
| 22 أكتوبر 2026