رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الوقت الذي احتشدت فيه آداب بلد أمّ الثورات في القرن الثامن عشر وملهمة شعوب العالم والمنادية بالحقوق المدنية من أفواه الجياع وسط رائحة الخبز التي زكمت أنوف نبلاء الكرواسون فأردتهم مقصلة التاريخ.. تفجّر لنا إعلامها باختلافات بل هي تناقضات في وصف الحريات المدنية في العالم العربي بوصفها بالمفتعلة أو المؤدلجة.. فمنذ فترة والصحف الفرنسية تشن حملة شعواء على دولة قطر متندرة باسثماراتها في فرنسا وسياستها ودبلوماسيتها الدولية ولمزها باحتضان قناة الجزيرة، وآخرها العنوان الذي تصدر غلاف "ماريان" التي حذت حذو" لبراسيون" في تحقيق مناهض يحمّل استثمارات قطر غرضا مبيتا هو نشر "الوهابية" حتى غدا "الإسلاموفوبيا" بعبعا حسب ما ورد في تقرير مونت كارلو الصحفي في نشرة الأمس.
حقيقةً... لم يسلم لا الاقتصاد ولا السياسة ولا الإعلام في قطر من أبعاد المدّ الإعلامي الفرنسي.. خصوصا في علمٍ وعالمٍ يعتبر الأول محرك الثاني والثاني محرك الثالث.
للحديث عن بُعد الاقتصاد..
تصفحت "الانستغرام" يوم السبت 20 ابريل الجاري فإذا بي أجد أحد الحسابات وقد نشر صورة لغلاف مجلة Courrierinternational بصورة لسمو الأمير لست ازكي ما نشر فيها لأنني شممت من الصورة المستخدمة في الغلاف رائحة التهكم رغم محاولتي الجاهدة وقتها استعادة ذاكرتي البسيطة في الفرنسية لقراءة عناوين الغلاف — التي لا يسمح الانستغرام بتكبيرها — إلا انني لم افلح في تبين إلا النزر اليسير حيث جاء بعنوان: ما الذي تريده قطر؟
عنوان مثير لمجلة ترتجي الشهرة والإثارة، حمل على الاستراتيجية السياسية والمالية لقطر في الاستثمار بكثافة في الترف والرياضة والأراضي الزراعية والقصور والعقارات ودعوى مسميات "دعم الإسلاميين في دول الربيع العربي وفي سوريا من جهة أخرى".
غلاف محبوك الى الدرجة التي غدا فيها بعد يومين فقط تحقيقا نشر يوم 22 ابريل في الصفحة الرئيسة وأين؟ في الموقع الالكتروني للمجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا LE CRIF وهو أعلى مؤسسة يهودية فيها — مثلها مثل نفوذ اللوبي اليهودي الأميركي — الأمر الذي أثار تساؤلات جمّة تثير استغراب المحللين حيث لم يسبق لهذا المجلس أن تعرض لقضايا تتناول علاقات فرنسا الخارجية.
المقابلة أجرتها مجلة Courrierinternational بعنوان "قطر بين التهيؤات... والواقع" مع كريستيان شينو، وهو صحافي مختص في شؤون الشرق الاوسط، سبق وأن نشر مع مالبرونو كتاب "قطر: اسرار الخزنة" وردت فيه كثير من المغالطات بالتعاون مع منتفعين عرب "متفرنكين" رأيتهم عن كثب في "أرض الخير" قطر، استخدمهم الكاتبان كمصادر سبق ان استضافتهم قطر بحفاوة وعملوا بها وتنعموا بطيب الاقامة والتقدير وحسن المعشر، قبل ان يقرروا الانتقال للعمل في فرنسا والنكاية بقطر فيما ورد من استشهادات عن ممارسة قطر "دور الابتزاز في أروقة الجامعة العربية" عند الحديث عن موضوع تمثيل المعارضة السورية.
المقابلة تناولت ما يدور في الصحف الفرنسية من وصف قطر بـ "الانتهاز" وبـ "كائن غريب يدخل إلى عالمنا" وعناوين مثيرة سابقة مثل "قطر تشتري فرنسا"، و"قطر تريد أسلمة الضواحي".
الغريب ان الناطقين باسم فرنسا في ثورة مضادة على استثمارات قطر نسوا او بالأحرى تناسوا عمدا أنهم من دعوا الدول الخليجية ومنها قطر للاستثمار فيها، والتناقض ان صحافتهم — وأورده هنا لمن فاته تحليل خطابها — نشرت خبرا قبل اسبوع واحد فقط من هذا الحوار وذلك يوم 14 ابريل الجاري في صحيفة ليبراسيون Liberation الفرنسية ايضا دعوة اطلقها وزير مالية فرنسا "تعبيرا عن رغبة بلاده في استثمارات سعودية".
فرنسا تتطلع بل تتحرق شوقا للاستثمارات الخليجية في ظروف اقتصادية قاهرة، إذاً ما سر هذا التناقض والفجاجة الإعلامية على دولة بذاتها خصوصا وان ضيف الحوار في مجلة كورير انترانشيونال ذكر في أحد الردود للمجلة ذاتها:
"إن استثمارات إمارتين خليجيتين كبيرة في فرنسا ولكن تعد استثمارات الإمارات في فرنسا أكثر من قطر.. وقطر اكثر منها في انجلترا".
بل واعتبرت مجلة لوباريزيان في ذات الموضوع — الاستثمارات — أن (إمارة — الإمارات — أكثر تكتماً من جارتها، وأكثر ثراءً أيضاً).
إذا... هل الهجوم على قطر هنا هجوم على مبدأ الاستثمار في فرنسا بشكل عام؟ ام هو هجوم منظم على قطر وحدها؟ خصوصا وأن مخاوف الفرنسيين من الاستثمار تنبع — على حد تعبير المحاور — من انه (يدخل في رأسمال أهم الشركات التي يعتبرها الفرنسيون ذات قيمة رمزية كبيرة وكأنها جواهر أسرية) إذن هل يخاف الفرنسيون على جواهرهم التي توسلوا لتدفق الاستثمار لإنقاذها أم هي فوبيا من قطر؟
أذكِر هنا الصحف الفرنسية بمقولة ليست لنا بل لخبير مالي بريطاني جاءت في مقال حمل عنوان "التنافس على أموال قطر"لموقع "BBC News" آخر مارس الماضي، من انّ "الجميع يريد حصة من قطر" و"أن الشركات الأجنبية جميعها تتلهف على عقود في قطر".
ونسأل نحن هنا: كم حصة مالية استثمارية طلبتها فرنسا منا لترجمنا بها حجارةً؟ وما الذي غير مجرى المياه؟
إن هذا وذاك يطرح أهمية مقولة عند العرب قد تعيد اولويات سياسة الشفافية الإعلامية في شؤون الاقتصاد المنتهجة في قطر دون غيرها من الدول الشقيقة مفادها "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان" وكما يقول اخواننا المصريون "داري على شمعتك تقيد".
السؤال الوحيد الذي بدا واقعيا ومنطقيا من المجلة هو: عما إذا كانت عمليات الشراء هذه تخضع لاستراتيجية مالية ذكية؟ واعتقد ان هذا السؤال يهمنا في قطر اكثر مما يهم أي صحفي في فرنسا حتى لو كان صندوقا سياديا للدولة خصوصا وان رد ضيف حوار المجلة وفق عدد من الردود السلبية والإيجابية أورد أمرين أثار فيهما انتباه الفرنسيين:
أولا: "ضرورة تجنب التهيؤات حول قطر وعدم شيطنتها، بل يجب أن توضع قطر في موضعها، لأنها تمثل مستثمراً هاماً بالنسبة لفرنسا".
ثانيا: "رؤية قطر الوطنية 2030" لتنويع الاقتصاد، معتبراً انها استراتيجية حددها الأمير، موجهة للأهالي المحليين في قطر، وكأن الأمير يريد أن يقول لهم "لسنا نشتري مظاهر طنانة فقط، ولكننا نهتم أيضاً بأبنائهم وبالأجيال القادمة، ولا نريد أن يكونوا رهينة لعائدات الغاز والنفط، ولكننا نقوم بتنويع مصادر الثروة".
كنت أتمنى مهنيا أن يصبغ الحوار داخل المجلة صورة الغلاف والعناوين خارجها ما دام يحوى مثل هذا الرد السابق، لتكون على الأقل أقرب إلى الإعلام وأدق تعبيرا عن فحوى الطرح الذي بدا فيه التندر بمدى مناسبة ما اسمته في العنوان "تهيؤات قطر" لحجم واقعها في غمز كالعادة بالحجم والمساحة الجغرافية.
وأخيرا الصحف الفرنسية المدجّجة تتهم قطر بالأسلمة أيديولوجيا وبالجزيرة ذراعا أي تهمة تسييس الإعلام، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما الذي حرك كل هذه الهجمة الإعلامية الفرنسية على قطر وفي ذات الوقت؟ بل وحتى مجالس اللوبيات "اليهودية" فيها؟ أحياد سياسي ام حياد إعلامي أم إعلام مسيّس؟
وحتى يكتمل الطرح في المقال القادم نراهن على قول المتنبي في المقاسات أيضا:
وكَذا تَطْلُعُ البُدورُ عَلَيْنَا... وكَذا تَقْلَقُ البُحورُ العِظامُ
وإذا كانت النفوس كبارا... تعبت في مرادها الأجسامُ
يتبع الأسبوع القادم..
التعليم في قطر والذكاء الاصطناعي في زمن ChatGPT
لا.. ChatGPT لا !! لا مرفوض … ممنوع! هذه ليست ردود أفعال مجتمع بين متعلم وغير متعلم أو... اقرأ المزيد
3156
| 11 سبتمبر 2024
درس الحروب.. احفظوا وثائقكم رقميا
تعطينا الحروب دروسا كل يوم، مع غمرة الألم نرى كيف يخرج الإنسان صامدا وغنيا في نفسه وإرادته ولكنه... اقرأ المزيد
1008
| 04 سبتمبر 2024
المقعد الأخير
ماذا يعني أن تكون في المقعد الأخير في المقهى أو المطعم؟ وماذا يعني أن تكون في المقعد الأول... اقرأ المزيد
1209
| 28 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3345
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
2523
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1215
| 01 أكتوبر 2026