رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مها الغيث

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

111

مها الغيث

الهوية الفلسطينية في السرد الذاتي

19 فبراير 2026 , 12:42ص

ليست السيرة الذاتية مجرد رواية شفهية يُحدّث بها فرد ما ويضمّنها تجاربه في الحياة، إنما هي تعبير عن هوية المجتمع الذي شهد تفاعلات تلك الحياة المروية، بمكوناته الثقافية والحضارية. 

هكذا يبدأ المؤلف مقدمته في كتاب (مكونات الهوية الوطنية الفلسطينية في السيرة الذاتية) التي جادل فيها ابتداءً عن أصل أدب السيرة المتضارب شرقاً وغرباً! فبينما يعدّ كتاب (الأيام) لعميد الأدب العربي طه حسين بمثابة «النص التأسيسي لأدب السيرة الذاتية في العالم العربي»، يشير إلى بعض الأعمال الغربية التي يميل معها بعض الباحثين إلى اعتبار «أدب السيرة الذاتية أدب غربي». بيد أن الأدب العربي سبق بقرون نظيره الغربي الذي برز متأخراً في القرن الثامن عشر، حيث شهد القرن التاسع الميلادي/ الثالث الهجري، استهلال ما يُعرف بالسير الغيرية (الكتابة عن الغير) مثل كتاب (الطبقات الكبرى)، والذي توالى بعده عبر العصور من السير والتراجم، بلغت من الكثرة في التراث العربي درجة لم تبلغها أية أمة أخرى!

والمؤلف (ناهض زقوت)، الكاتب والباحث في الشؤون السياسية والأدبية الفلسطينية، وإذ هو يميل إلى الاعتقاد بالجذور العربية لأدب السيرة، يتطرق إلى دورها في إبراز الهوية الوطنية ككل، فيستعرض عددا من الأعمال العربية، حتى يخص الأدب الفلسطيني وما يميزه بنصيب الأسد، وقد توّجه بسيرة (غربة الراعي) لمؤلفه (د. إحسان عباس)، الناقد والمحقق والمترجم الفلسطيني الذي يُعد من أبرز روّاد العرب الذين ساهموا في إثراء الدراسات العربية خلال القرن العشرين.

وقبل الخوض في مكونات (غربة الراعي)، يتطرق المؤلف إلى ثراء الهوية الفلسطينية، التي وإن لم تنفِ التعددية في موروثها الثقافي، تؤكد وحدتها من حيث التميز والخصوصية، مستشهداً بتصريح الشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي قال: «كل الشعوب تزوجت أمي.. وأمي لم تكن إلا أمي»، ثم يقول معقباً: «فالأم هنا هي الأرض الفلسطينية، والشعوب هم كل الغزاة الذين احتلوا أرض فلسطين! استطاعت الأم أن تستوعب أو تستقطب منهم كل الأشكال الحضارية والثقافية، وهم رحلوا وبقيت الأم محافظة على كينونتها وهويتها، دون أن تعلق ‎بثقافة الآخرين، بل أكدت على تميزها وفرادتها من خلال مبدع هويتها.. الشعب الفلسطيني الذي يعود بجذوره الحضارية والثقافية إلى ما قبل الألف الثالث قبل الميلاد، وما زال قادراً على التواصل طالما بقي في الوجود إنسان فلسطيني».

يحدد المؤلف في سيرة (غربة الراعي) مكونات تسعة شكّلت في رأيه إطاراً عريضاً للهوية الفلسطينية! أولاً: تظهر (ملامح المكان) أول ما تظهر على الأرض، ثم من عليها من سكّان ومساكن، لاسيما في مبادرة القرويين تشييد المدارس بدل انتظار الحكومة. ثانياً: تمثّل (العادات والتقاليد) مصدراً للاعتزاز، لاسيما سؤال «أنت من دار مين؟» الذي تُلحق إجابته بالقدر والمكانة وأصالة الجذور التاريخية، وقد تتغلغل بها بعض العصبيات الاجتماعية. ثالثاً: تزخر (الأكلات الشعبية) بنكهة خاصة في المطبخ الفلسطيني، فإلى جانب «المفتول والمنسف والمسخن والمقلوبة»، هنالك أطباق تصنع مع موسم حصاد القمح «أكوام من البرغل والشعيرية يصب عليه اللبن الرائب». رابعاً: تصطبغ (المواسم والأعياد) في كل قرية فلسطينية بطابع يميزها، فهنالك مواسم شعبية كموسم النبي صالح، وأعياد دينية كعيد الفطر، ومناسبات دينية كالمولد النبوي، وهي الاحتفالات التي كان يتقاطر فيها القرويون نحو الساحات يرقصون الدبكة، غير أن الأحزان ما لبثت أن طغت على أفراحهم شيئاً فشيئاً. خامساً: تنتشر (الأساطير والخرافات) بين الفلاحين بشكل أكبر، لاسيما مع قلة الوعي الذي قد يعود لانقطاع القرى عن وسائل الحياة الحديثة، ما جعلهم يخلقون عالمهم الخاص، وتحديداً مع القمر الذي ارتبط لديهم بالأسطورة والقدسية. سادساً: تشكّل (التسلية والألعاب الشعبية) لوناً آخر تناقلته الأجيال، حيث التحلّق حول «كانون» النار شتاءً والتسامر في حميمية، وحكايات الجدات الأسطورية عن الغيلان والأبطال، و»المقعد» الذي يترأسه «المختار» في الحي ويتجمّع لديه الكل يستمعون إلى «الحكواتي» أو يلعبون «السيجة والدريس». سابعاً: تمتد (الثقافة والموسيقى) في فلسطين كأرض ذات حضارة عربية متجّذرة ومنفتحة على ثقافات الآخرين، فمن الغناء الشعبي والآلات الموسيقية المصاحبة، إلى مقاهي الأدب وفنون السينما والمسرح، وغيرها من حركات ثقافية تتمثل في المجلات الوافدة والكتب المستعملة التي تباع عادة في الطرقات. ثامناً: وعن (ملامح من الحياة التعليمية)، لم يتمكن الإنجليز من ادعاء تنظيم التعليم في فلسطين، فقد فوجئوا زمن الانتداب بـ «شعب له مدارسه وعلمه وثقافته وماضيه المجيد»، وقد كان هناك نظام التعليم في القرية، والتعليم المدرسي في المدينة، إضافة إلى التعليم الجامعي ونظام الابتعاث. تاسعاً: تعكس (ملامح من التاريخ الفلسطيني) مرحلة ما قبل النكبة، لاسيما التي حفظتها الذاكرة وتناقلتها الألسن دون مدوّنات، وهي التي تؤكد على تواجد الجالية اليهودية في الثلاثينيات، والكنيسين داخل أسوار حيفا وحارة اليهود، وما دار فيها من أحداث مهمة كثورة الإضراب وتنظيم الكفاح وتحركات الجنود الإنجليز وسنوات الحرب العالمية الثانية.

ختاماً أقول: لا تترسخ السيرة باعتبارها وحسب اعترافاً شخصياً، بل كوثيقة وعي لشعب، حافظ على هويته في مواجهة النسيان الذاتي والاقتلاع الحضاري.

مساحة إعلانية