رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مشهد اقتحام أنصار ترامب لمبنى الكابيتول قلب الديمقراطية الأمريكية مشهد ربما نادرا ما يحدث حتى فيما يسمى جمهوريات الموز. بلا أدنى مجال للشك، سيترك هذا المشهد جراحا عميقة وتساؤلات أعمق حول مصداقية ورسوخ الديمقراطية الأمريكية.
حمل الكثير من المراقبين والمسؤولين الأمريكيين، بما في ذلك بايدن وعدد من رؤساء أمريكا السابقين، ترامب المسؤولية الكاملة عن هذا المشهد الذي وصفوه بوصمة العار في تاريخ أمريكا. قد يكون الأغرب من ذلك، أصوات بعض المراقبين المعظمة برسوخ المؤسسات الدستورية والديمقراطية الأمريكية، التي أقرت نتيجة فوز بايدن في ظل هذه الأجواء المشحونة، ثم سرعان ما عزلت ترامب بعد مشهد الكابيتول انتظارا لمحاكمته بالتحريض على العنف.
تحميل ترامب المسؤولية كاملة عن مشهد الكابيتول به مغالطة وإعماء لحقائق جوهرية ذات أبعاد وسياقات داخلية عميقة يمر بها المجتمع الأمريكي منذ أكثر من عقدين. وصول ترامب ذاته إلى سدة البيت الأبيض هو نتاج حتمي لتلك الأبعاد والسياقات المعبرة عن حالة انقسام حاد خطير داخل المجتمع الأمريكي.
لا شك أن ترامب وصول إلى سدة البيت الأبيض عبر الآليات الإجرائية الديمقراطية الدستورية (صناديق الانتخابات/ المجمع الانتخابي). لكن ليس المشكلة في ذلك، بل في طريقة وصوله إلى البيت الأبيض التي جاءت عبر أجندة شعبوية معادية للهجرة لاسيما من البلدان الإسلامية، انعزالية متطرفة للغاية، تعكس مزاج قطاع عريض جدا من الأمريكيين، خاصة البيض الأنجليكان.
إذن، فالصح الذى يجب أن يقال، إن وصول ترامب إلى البيت الأبيض، وليس ترامب في حد ذاته، عبر قاعدة تصويت واسعة للغاية، كان كاشفاً لتصدع كبير في النموذج الديمقراطي الأمريكي، وقيمه الليبرالية الراسخة. إذ أصبح المجتمع الأمريكي دون أدنى مبالغة مجتمعا منقسما بين فريقين كبيرين، الفريق الأنجلوسكسونى الأبيض الإنجيلي، وفريق المهاجرين والأقليات واليسار والسود. مع العلم أيضا، أن هذا الانقسام المجتمعي قد امتدت تداعياته على الانقسام الحزبي داخل واشنطن. فكثير من أفكار ترامب المتطرفة تلقى رواجا بين الديمقراطيين.
التداعيات على المستويين الداخلي والخارجي
يصعب تصور أن أمريكا بعد 6 يناير ستكون هي ذاتها قبل هذا التاريخ، مصداقية الديمقراطية الأمريكية ورسوخها اهتزت على نحو كبير في الداخل الأمريكي. مشهد اقتحام الآلاف من انصار ترامب بكل حماسة وجرأة لمبنى الكابيتول غير عابئين بالعواقب القانونية، وقبلها تشكيك الملايين من انصار ترامب في نتيجة الانتخابات، لا يمكن وصفه إلا بان جوهر الديمقراطية الأمريكية، وليس مؤسساتها وآلياتها الإجرائية في مأزق حقيقي. وخطورة هذا الأمر، أن المؤسسات والآليات وحدها لا يمكن أن تداوى جروح 6 يناير، بل والأهم من ذلك، لا يمكن أن تعالج الانقسام المجتمعي الحاد في أمريكا.
فجوهر الديمقراطية الحقيقي، يكمن في قيمها الليبرالية العليا والتي من ضمن ما تشمل احترام حقوق الأقليات، المساواة التامة، احترام المعارضة، المشاركة وغيرها.
لا ننسى أن ترامب قد حصد على 70 مليون صوت في الاستحقاق الأخير، بزيادة 11 مليون صوت على استحقاق 2016، وتلك النتيجة في حد ذاتها كبيرة جدا في تاريخ الجمهوريين الانتخابي، لكنها مقلقة للغاية إذ تعكس تنامى الجنوح الشعبوى اليمينى المتطرف المناهض تماما للقيم الليبرالية وجوهر الديمقراطية الأمريكية الحقيقي.
وبالتالي، من يرى بأن ترامب سيحكم أمريكا خارج البيت الأبيض محق إلى حد كبير بعد حصوله على هذه النتيجة المذهلة، بل من ذهب أبعد من ذلك بالقول إن مشهد الكابيتول بداية لسلسلة مشاهد ستتوالى أكثر عنفاً وربما تفضى إلى توترات وصدامات داخلية شعبية، كنتيجة لتصاعد التطرف اليمينى الشعبوى محق أيضا على نحو كبير.
مشهد الكابيتول، سيكون بلا أدنى شك، بداية لانكسار دور أمريكا الخارجي التقليدي كمروج للديمقراطية، أو كما يسميه أحد المعلقين "دور ناصح الديمقراطية". أجندة نشر الديمقراطية أحد أهم العوامل التي ارتكزت عليها السياسة الخارجية الأمريكية عبر عقود للضغط على خصومها، وتحقيق مآربها الضيقة الخاصة.
الرئيس المنتخب بايدن، وضع أجندة نشر الديمقراطية كأحد أهم أولوياته، داعيا إلى العودة إلى حقبة تقليدية أعمق للديمقراطية الأمريكية. بايدن لا يدعو إلى ذلك من باب عشقه للتحول الديمقراطي في الأنظمة السلطوية، بل كتمهيد للضغط على أبرز خصومه وبالتحديد روسيا والصين، وتمزيق الثقة بين تلك الأنظمة وشعوبها، التي لا تزال ترى في أمريكا الحلم المتكامل الذى تتطلع إليه تلك الشعوب للعيش فيه.
مشهد الكابيتول المأساوي، وضع بايدن في موقف لا يحسد عليه بشأن دور ناصح الديمقراطية، فكيف سيضغط على تلك الأنظمة، أو يجرؤ فقط على نطق أي حرف ذات صلة بنشر الديمقراطية، بعدما شهد قلب الديمقراطية الأمريكية هذا المشهد العبثي، وقبله مشهد اكثر عبثية بشأن مجريات الانتخابات الأمريكية، والشكوك الكبيرة التي تحوم حول مصداقيتها.
قبل يوم من اقتحام الكابيتول، قبضت شرطة هونج كونج على أكثر من 50 من مناصري الديمقراطية، وردت الخارجية الأمريكية ببيان إدانة لهذه الخطوة، ودعمها التام للديمقراطية في هونج كونج. واليوم تحاكم الولايات المتحدة مقتحمي الكابيتول بتهمة الفوضى والاعتداء على المؤسسات الأمريكية، كما عزل الكونجرس ترامب بتهمة التحريض على العنف، رغم أن دعوته لأنصاره لم تتعد مجرد حثهم على الاعتراض على نتائج الانتخابات. هذا المشهد الذى يضاف إلى سلسلة المشاهد العبثية، أظهرت مدى الازدواجية الأمريكية حينما يتعلق الأمر بداخلها.
النموذج الديمقراطي الأمريكي كالأسد الجريح، لم يعد قادرا على توحيد الداخل، ولا دعم أجندة الخارج. وللحق أيضا، ليس فقط النموذج الديمقراطي الأمريكي هو من يعانى من اهتزاز وتآكل كبير، بل الديمقراطيات الغربية الأوروبية أيضا بسبب تنامى اليمين المتطرف والحركات الشعبوية. وربما مع الصعود الكبير للصين وروسيا في النظام الدولي سيمر العالم بفترة ردة كبيرة عن الديمقراطية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2427
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1920
| 24 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل الإعلام يحتاج لوقفة، فليس كل ما يكتب عنهم هو من صميم القناعة والرضا، فقد تكون المجاملة وكسب الرضا والتقرب، وسائل تستخدم عبر القلم والسطور. ولكن أُشهد الله أنك يا سيدي، بمواقفك الصلبة ونفسك الأبية وشموخك العالي الهمة، منذ سخرك الله ومنحك شرف قيادة هذا البلد وإدارة أموره وأمور رعيته، تثبت في كل مرة أنك رجل المرحلة وقائد فذ شجاع وطني مخلص لبلادك وأهلك، بل تجاوزت ذلك لتشيد في كل مناسبة بأولئك الذين يعيشون بين أحضان هذا الوطن، فكأنك تبعث الطمأنينة في نفوسهم لأنهم جزء من نسيج هذا البلد. في الشدائد تعرف معادن الرجال، وفي الأزمات والصراعات تطل شخصية القائد والزعيم ويُعرف رجل الحكمة والصبر والذي يدرك كيف يدير الأمور بحكمة وبصيرة، دون العنتريات والخطب الرنانة. يشهد التاريخ لهذا البلد ومنذ سنوات عدة بأنه بلد الخير والعطاء والذي لم يبخل في تقديم يد العون والمساعدة وتقديم النصح والإرشاد وقت الشدائد، لذلك حافظت قطر ولسنوات عدة على علاقات مميزة مع كل دول العالم، وكانت عبر قادتها ووزرائها ومسؤولين فيها تطل على المشهد السياسي في كل المحافل العربية والعالمية من أجل أن تقول كلمتها وأمام الجميع وتبدي الرأي والنصح عند يتطلب ذلك. لقد أتاح لي سيدي سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، أن أرافقه في العديد من الرحلات لمختلف دول العالم، ومنها جمهورية إيران الإسلامية، وجلست ضمن الوفد القطري المرافق لسموه، واستمعت بأذني ماذا كان يقول المرشد السيد علي خامنئي، رحمه الله، من إشادة وثناء وتقدير لقطر ومواقفها من إيران وحرص سموه على فتح باب الحوار واحترام الجيرة بين البلدين، كما سمعت نفس الكلام من الرؤساء الذين كانوا في سدة الحكم في إيران بدءا من الرئيس رفسنجاني، رحمه الله، ثم الرئيس خاتمي وبعده الرئيس نجاد، بل كان الرئيس نجاد هو ضيف الشرف في قمة مجلس التعاون في الدوحة عام ٢٠٠٧م، ويذكر كل من تابع المؤتمر الصحفي والذي عقد خلال زيارة سمو الأمير الوالد لإيران في أبريل عام ٢٠٠٦، والمزاح الذي دار بين القائدين حول مشاركة منتخب إيران في نهائيات مونديال ٢٠٠٦ في ألمانيا، مما يعطي انطباعا عن أريحية العلاقة القطرية الإيرانية والاحترام المتبادل بينهما. كنت أظن أن هذه العلاقة المميزة ستكون كفيلة بتجنب تعرض قطر لأي اعتداء من قبل إيران، ولكن ما شاهدته وعشته طوال الأسابيع الماضية جعلني أتحسر على ما ظننت أنه لا يمكن أن يحدث، بل لا أبالغ عندما أقول بأن دول مجلس التعاون حرصت على أن تكون في معزل عن الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وأبلغت الجانب الإيراني بذلك، ولكن ما حدث هو عكس ذلك وهو معروف لدى الجميع ولا داعي أن أسرد تفاصيله. إنني أعجب لمثل هذه المواقف والتي اتخذتها جمهورية إيران الإسلامية ضد جيرانها العرب، وهذه الصواريخ والمسيرات والتي تتجه لأهداف مدنية وبنية تحتية، دون سبب واضح، كل ما يتردد بأنه ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهذا مبرر غير واقعي وغير منطقي، فالقواعد كانت هنا منذ سنوات عدة، وأُبلغت إيران بأن دول المنطقة لن تسمح بأن هذه القواعد تستخدم في الاعتداء على أي دولة. وفي خضم هذه الأحداث والتي تعصف في المنطقة والعالم وتتمحور في هذا الصراع العسكري العنيف في منطقتنا، تطل قطر بقيادتها الحكيمة القوية والتي تعرف كيف تدير الأمور بما يتناسب مع مصلحة الوطن والمواطنين. تحية حب وتقدير وامتنان لمقام سموك الكريم، وأنت تقف بكل ثقة وعزة نفس وشجاعة مقرونة بحكمة وعزيمة لا تلين في مواجهة مثل هذه الظروف، وتحية لشعبك الأبيّ الكريم والذي يبادلك حباً وولاء.
1716
| 24 مارس 2026