رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الشعب العراقي قد يتحمل العنت والفقر والجوع ويقدم التضحيات تلو التضحيات من أجل حلم عظيم ومشروع نهضوي كبير يؤمن له ولأجياله حياة طيبة كريمة، ولكنه لايقبل أن يتاجر بأحلامه أو يغرر بالوعود ولا يقبل أن يستغفل وينهب من أجل قلة قليلة مترفة استأثرت بكل شيء وتركت له الفتات والحر والعذاب والظلام، وألقت به في دروب النزوح والهجرة والضياع دون أن يرف لها جفن أو ينشغل لها بال ثم ألقت به في أتون الطائفية والمذهبية والإثنية وعرضته مع قوى أخرى خارجية وداخلية إرهابية للقتل والتصفية فلم تعد فيما يبدو هذه القوى تقبل بالعراقيين أحياء ولكنها باتت تريد العراق بعد أن دمرته ونهبت خيراته خاليا من أهله وأصحابه الذين كانوا قد حرروه وبنوه بالدم والعرق والدموع لتتسلمه خالياً إلا من بعض الزبانية والجلادين الذين يقومون على خدمة مشروعها الظلامي التخريبي في العراق.
هناك في علم النفس لحظة تسمى بلحظة الاستجابة الحرجة the moment of critical response يواجه فيها الشعب ظلامه فعندما يعجز النظام عن تلبية أدنى حاجات المواطن وتنقلب المعايير والمسميات والقيم والأشياء رأسا على عقب فينصب الأشخاص عوضا عن المؤسسات وتصبح المناصب غاية في ذاتها يقصد مديرها ولا تقصد وعندما يكون الرجل الفاشل في المكان الأهم تتراكم المشاكل ولا تحل، فالساسة العراقيون اليوم كما وصفهم أحد الكتاب "يجيدون صناعة المشاكل ونصفهم لا يريد أن يكون ناجحا، والنصف الثاني يريد أن يفشل الناجح "يعادي بعضهم بعضا ولا يتعاونون على البر والتقوى وإنما على الإثم والعدوان فهم لا ينظرون إلى الفكرة بل إلى من طرحها ويجهلون فقه الأولويات والمآلات ويقدمون مبادرات متضادة لا مبادرات متفاعلة ديدنهم العناد السياسي لا التنافس من أجل العراق وكلهم إلا من رحم ربي اجتهد في تقزيم حقوق الناس وتغويل حقوقه وأعلى من شأن الجهة أو الطائفة أو العرق على حساب الوطن فساد فقه المحاصصة على حساب فقه التوافق وفقه الاستحواذ والإقصاء على فقه الشراكة وساد فقه الجهوية على حساب الوطنية وتعطلت القوانين أو عطلت وأصبح الدستور حبرا على ورق ونزعت من ديباجته كل المعاني الجميلة والقيم النبيلة التي عبقت من سطوره فأين ما جرى في العراق من 2005 وإلى الآن من دستوره وأين المعاني السامية التي تضمنتها سطور الديباجة القائلة "فسعينا يداً بيد، وكتفاً بكتف، لنصنع عراقنا الجديد، عراق المستقبل من دون نعرة طائفية ولا نزعة عنصرية ولا عقدة مناطقية ولا تمييز ولا إقصاء" ألم يجر علنا اختراق الدستور الذي نص في مادته السابعة على حظر الطائفية والعنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي فعملت الحكومات العراقية المتعاقبة وخاصة في عهد نوري المالكي السلطوي الدموي من خلال ميليشيات خاصة ثم الآن من خلال ميليشيات الحشد الشعبي التي دشنت شأنها شأن السفاح بشار الأسد سياسة البراميل المتفجرة والأرض المحروقة في الفلوجة والرمادي وباقي الأنبار، فقتل المدنيون قتلا عشوائيا ومنع أهل بغداد من العودة إلى مساكنهم، وإني لمندهش أيما اندهاش من أولئك السياسيين العراقيين الذين يزعمون أن حيدر العبادي قد تخطى الدستور وتجاوز القانون بحزمة إصلاحاته ومن بينها إقالة نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء ..إلخ..
والسؤال هو: هل احترمت الحكومات العراقية المتعاقبة القانون والدستور؟ ألم يتعرض المواطن العراقي لكافة أشكال وصور الحرمان، والإقصاء، والاستلاب، والتهميش، وألم تتفكك المؤسسات السياسية والقانونية والأمنية والاجتماعية والثقافية قسريا لتصبح بيد النخب التي عملت ضد العراق والعراقيين ولصالح قوى أجنبية طامعة. فشرعية الانتخاب لا تلغي شرعية الإنجاز فوصول الأحزاب إلى الحكم من خلال الصناديق لا يخول لها تجاوز القانون والدستور فإذا جرى هذا التجاوز فإن من حق الجماهير وقد وصلت إلى لحظة الاستجابة الحرجة أن تنتفض في وجه قاتليها وسارقي ثرواتها فينفجر بركان غضبها لتصل إلى نقطة التحول The Tipping Point فليس لديها ما تخسره وقد اتضحت لها مؤامرة قتل العراقيين والانتقام منهم وضم العراق أو ضم جزء كبير منه إلى إيران وتقسيم ما تبقى منه في شرق أوسط جديد فسيفسائي التكوين باستخدام الأعوان في الداخل وداعش في الخارج ولعل هذا من بين ما قصده رئيس الأركان الأمريكي راي أوديرنو الذي اعتبر تقسيم العراق حلا وحيدا ممكنا ومتاحا وهو ما قاله جو بايدن وقالته أصوات أمريكية عديدة من قبل.
خروج مئات الآلاف من العراقيين الجمعة الماضية لمواصلة انتفاضاتهم السلمية في العديد من المحافظات، معلنين تأييدهم لما اتخذه رئيس الوزراء حيدر العبادي من قرارات إصلاحية، ومطالبينه بتشكيل حكومة تكنوقراط يعد نقطة تحول أوصلهم إليها ركام طويل من السنين العجاف التي أكلت الأخضر واليابس وهي نقطة لا رجوع عنها ولا رجعة فيها إلى الوراء وصار على العبادي أن يختار بين الجماهير وبين النخب بين الشرعية الانتخابية والشرعية الثورية فالحكم في أي بلد في العالم لا يستقر بشرعية الانتخاب وإنما يستقر بشرعية الإنجاز وشرعية العدل والأمن والأمان والتوزيع العادل للثروات وهذا كله مفقود فعندما لا يجد المواطن قوت يومه ولا الأمن والأمان، وإنما موت زؤام ينتظره من حيث يدري ولا يدري فأنى له السكوت وقد بدا له أنه لن يخسر أكثر مما خسر وكيف يسكت المواطن وهو يرى بأم عينيه هذا الكم الهائل من الفساد، فثمة نواب تحولوا إلى مقاولين ووسطاء وآلاف المشاريع الوهمية يقبض ثمن إنجازها على الورق عدة أفراد ومحاسيبهم وكيف يسكت المواطن و "ثلاثة وزراء وتسعة مدراء عامين و779 من أفراد عائلات وأقارب مسؤولين في الحكومة والبرلمان نهبوا عشرين مليارا من الدولارات بينما 25 % من العراقيين تحت خط الفقر و16% من أهل العراق نزحوا مكرهين إلى دول الجوار وإلى دول العالم طالبين النجاة، والثلاثون مليونا الباقون لا يجدون الماء ولا الكهرباء ولا الدواء في بلد لديه أكبر احتياطي نفط في العالم.
العبادي قال "إنه يستطيع فقط تحقيق المطالب الواقعية" بينما تصر الجماهير التي خرجت بمئات الآلاف متجاوزة الطائفية والحزبية ـ بل ومنددة بهما ـ على تقديم كافة الفاسدين والحرامية كبيرهم قبل صغيرهم إلى القضاء النزيه لا القضاء الفاسد الحالي ورحيل السياسيين مزدوجي الجنسية الذين جاءوا العراق على ظهور الدبابات الأمريكية وهم الذين هجروه سنين طوال.
حيدر العبادي اليوم أمام ثلاثة خيارات لا رابع لها.. فإما أن ينحاز للشعب وثورته ويقاوم الفساد والفاسدين معتمدا على الله ثم على الشرعية الثورية، فالشعب وفقا للدستور مصدر السلطات جميعها وإما أن يقول لهم بصراحة إنه عاجز عن مواجهة الدولة العميقة ومجموعات المصالح والأعوان، ومن خلفهم إيران التي قال بعض مسؤوليها "إن جهات غير مسلمة تدعم المظاهرات بينما وصفتها وسائل إعلام مقربة من طهران بأنها علمانية على طريقة: أنت معي إذن أنت قديس وأنت ضدي فأنت إبليس ـ فمن شأن هذه المصارحة أن تعطيه التفويض والدعم الشعبي الذي يمكنه من التصدي للدولة العميقة ومن معها.. وإما أن يجبن ويتراجع ويكتفي بإقالة عدة مسؤولين من مناصبهم، أو حرمان آخرين من نصف قوة الحماية، أو تقديم بعضهم الآخر للمحاكمة حفظا لماء وجهه مؤثرا السلامة ومنحازا إلى الاستحقاقات الطائفية والبراجماتية الأخرى.
وإذا كان العبادي كما يبدو حتى الآن مترددا في حسم أمره، ويقول "إنه لن يستطيع أن يذهب بعيدا في الإصلاح لأنه محاصر بإمبراطورية نافذة أساسها الفساد والطائفية" فإن الشعب العراقي قد حسم أمره بكل مكوناته مشاركا في الثورة ومصرا على مطالبه التي قد تتطور إلى حد إقالة العبادي وحكومته وحل البرلمان و... إلخ.. وفي هذه الحال سيخسر العبادي كل شيء وستتواصل ثورة الشعب العراقي ولن يكون في مقدور أحد إيقافها أو وأدها وإذا كان المالكي قد نجح في وأد الانتفاضة العراقية في 25 فبراير 2011، وانتفاضة الأنبار في 25 ديسمبر 2012 ومن لحق بها بسلسلة من الإعدامات والانفجارات والاغتيالات التي نفذتها ميليشياته وفرق الموت التابعة له فلن ينجح أحد اليوم في القضاء على ثورة شعب أراد الحياة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8730
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2832
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2649
| 30 أكتوبر 2026