رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المفاجأة عنصر من عناصر المواجهات عسكرية أو دبلوماسية، والمفاجأة واحدة من صفات الشعب المصري، فكان قول للدكتور أحمد أنيس أستاذ التاريخ في عام 1971 "إن الشعب المصري حيّر علماء الاجتماع في تفسير حركته، فهو لا يتحرك عندما يتوقع منه الجميع الثورة، ويثور عندما لا يتوقع أحد منه الحركة"، وكانت وقائع يناير 2011 شاهدا على مخزون الإبداع لدى الشعب المصري وفي إطار من السلمية، أي أن علاقته بالأديان وعبادة الخالق منذ فجر التاريخ، وضعت حرمة الدم موضع القداسة، ووضعت الصبر عمقا للمقاومة، كما وضعت الحفاظ على طهارة مياه النيل موضعا للحساب بعد الموت، وكان الإبداع تطور مظاهرات الاعتراض على ممارسات الداخلية ضد الشعب إلى إزالة رأس النظام، ومن عشرات يحتشدون إلى ملايين بلغوا العشرين مليونا وطوال 18 يوما ستخلد في تاريخ حركات الشعوب.
ليس هناك من يحدد للحرب أو الثورة والانقلاب يوما وساعة، ولكن ما تمر به مصر فرض عليها أن تتجاوز القواعد الأساسية للحركة بكون المفاجأة عنصرا من عناصر القوة، وللمرة الثانية تبدأ الحركة عبر دعوة مجموعة من الشباب إلى "تمرد" على الحاكم، وبتوقيع استمارة مضمونها "أعلن أنا الموقع أدناه بكامل إرادتي. وبصفتي عضوا في الجمعية العمومية للشعب المصري سحب الثقة من رئيس الجمهورية الدكتور محمد مرسي عيسى العياط. وأدعو لانتخابات رئاسية مبكرة، وأتعهد بالتمسك بأهداف الثورة والعمل على تحقيقها ونشر حملة تمرد بين صفوف الجماهير، حتى نستطيع معا تحقيق مجتمع الكرامة والعدل والحرية ". وتطالب الدعوة كل مواطن يوقع أن يكتب رقمه القومي، وبمرور قرابة الشهر وحتى 30 يونيو يتوقع المراقبون والإحصاءات وصول أعداد الموقعين إلى 15 مليون مواطن، هنا تكمن المفاجأة، فالشعب الذي اخترع الصبر، يعلن نفاده، ويكشف عن موقفه، وتوقيت خروجه لفرض مطالبه، دلالة يقين أن قناعته بالتمرد بلغت اليقين..
الأحداث في مصر تخرج عما يمكن للعقل أن يقبل به، وتلقي بسؤال جوهري: هل هذه مصر التي نحيا فيها ونعلمها وعشناها قلعة للعروبة ورائدة التحرر الإفريقي والعالمي؟، هل هذه مصر التي يئن فيها الأزهر تحت وطأة الهجوم الإخواني عليه؟، هل هذه مصر قلب الإمبراطورية العربية والإفريقية والتي يصل تعداد من يتأثرون بحركتها المباشرة ما يتجاوز ملياري نسمة؟، هل هذه مصر التي قالت جولدا مائير عندما بلغها نبأ وفاة عبد الناصر "ما هذه النكتة السخيفة"؟ بينما اليوم تشيد إسرائيل بحكمة رئيسها!، هل هذه مصر التي صارت بيئة خصبة للإرهاب تحت راية الدين وحاضنة له؟.
إن ما يحدث في مصر الآن يستفز حجر الأرض أن يثور، فالألسن تلوك تعبيرات الديمقراطية والشرعية والإيمان والكفر والحرية والاستبداد، دون أن يكون الفعل دالا على استيعاب المضمون، وتنعقد موالد بأوهام اليقظة على أنها لقاءات سياسية تناقش أمن مصر القومي، بعيدا عن المسؤولين المباشرين عنه.
إن البلاء الذي أصاب مصر في الإدارة الحالية، لا يمكن أن يكون من صنع حضارة، ولا ابنا شرعيا لتاريخ مصر، إنه هجمة تتارية بلا حضارة تحول اليقين إلى شك، والحضارة القائمة على عقيدة التوحيد إلى كفر، وتمنح نفسها حق الولاية على الدين والبشر والعلم وحتى تحديد مصادر الخطر، وكأنها هجمة من العصر الحجري أصابت القرن الواحد والعشرين.
ناقشتني شهرزاد، وهي شابة جزائرية، في رسائل متتالية عن خشيتها من "الدم"، واستطردت "لا أستطيع أن أمنع نفسي عن التفكير وكيف لا ومصر القاطرة، وأنا لا أعلم ما يشاع ولكنه ربما الخوف لأني أعلم معنى أن يصل ما يحدث للعرب لغاية مصر، وأعتقد هو المطلوب في ظل المكائد الدائرة حولها".
كان لمتابعاتها ورسائلها وقع البعث للحياة، فالشباب العربي يدرك معنى العروبة رغم أنه لم يعش سنوات الصعود القومي، ولكنه العلم والمعاصرة لحقائق الواقع العربي وطبيعة الصراع، والشباب العربي وقع في أخدود الدين والكفر، ويملك بالفطرة السليمة تمييز الخبيث من الطيب، ووقع الشباب في اختيار يبدو شاذا ساقته إليه أحداث سوريا، فلم يكد يغض الطرف عن أحداث ليبيا، حتى اتضح أن التكرار يجري في سوريا، وبات خياره مؤلما، أهي ثورة ضد استبداد نظام حكم، أم أنها تكرار للعراق وليبيا وحتى مصر؟، هل الأمة العربية بكل مقوماتها المكتملة صارت ماضيا؟ وأن البديل هو الإرهاب الديني؟، وهل ما يجري في سوريا والذي انقسم العرب فيه إلى فريق واحد ومعه جامعة الدول العربية وأمريكا وإسرائيل وتركيا على حق، أم أن طبيعة التكوين ومشتملاته تبعث على الشك؟، ما يراه الشباب يزرع الحيرة في الاختيار، فبينما كان الأزهر في منتصف القرن العشرين يرفع راية إلغاء الانقسام المذهبي ويقوده الشيخ محمود شلتوت رحمه الله، نجد الأزهر في مصر محل هجوم ممن يدعون العلم، ويكفرون من عداهم، وهؤلاء الأدعياء ومعهم الأزهر أيضاً يزيدون الانقسام المذهبي، بتقسيم العالم إلى سني وشيعي، ثم اتخاذ المواقف السياسية في الحسابات القومية على الأساس المذهبي، وكأنها استجابة لمخططات أمريكا خلال السنوات العشر الأخيرة لإعادة توجيه الصراع فوق الأرض العربية، من صراع مصالح إلى حروب مذهبية، وفي المواجهات المذهبية، تصبح أمريكا وإسرائيل هي الكاسب الأعظم، وكأن البيت الأبيض وأجهزته وتل أبيب وعدوانياتها على "السنة" في فلسطين العربية، صارا أنصار السنة من المسلمين، ويسأل الشباب تفسيرا، وتحتويه ظلمات الطنين بلا مضمون.
كان الاتصال مع أرض المليون ونصف المليون شهيد في حرب التحرير، جسرا يعيد الربط بين الأقطار العربية، ومضمون القومية العربية، كما كانت وقائع سد النهضة وردود الفعل الخارجة عن أي توصيف صحيح للدبلوماسية وإدارة الأزمات، من الإدارة المصرية جرس إنذار عما يحيق بالعمق الإفريقي للأمة من أخطار وسوء إدارة، وكان خبر القبض على عناصر تتجسس في مصر لصالح إسرائيل معامل إفاقة آخر لحقيقة من العدو.
مصر كما هي القاطرة (حسب ما تراها شهرزاد في يقينها)، فهي أيضاً الجائزة الكبرى لأعداء الأمة العربية، وأن تتحول مصر إلى حاضنة للإرهاب هو مقصد أمريكي وإسرائيلي لتدخل في دائرة الدول المستهدفة لمواجهة الإرهاب.
قيمة مصر كقاطرة، ووقودها، كان في بعدها عن التلوث العقلي والديني والانقسام الطائفي والعرقي وبعدها عن احتمالات الاقتتال الداخلي مما جسد ظاهرة وحدة الأمة، وفتح نقاء العقل إمكانية لاكتشاف اللحظة المواتية في آفاق الإمبراطورية العربية الإفريقية الممتدة من إيران إلى الأطلسي ومن تركيا إلى منابع النيل ونيجيريا بل تشمل كل إفريقيا.
مصر تخوض مواجهة عالمية، ووقودها شعبها، بينما تنشغل باقي مؤسسات الدولة بالدفاع عن وجودها ذاته في مواجهة هجمة تفكيك الدولة، ودون عمقها العربي والإفريقي، بل جرت إعادة توجيه حركتها إلى مواجهات عربية وطائفية ومذهبية وإفريقية، وإذا كنا لا نقبل أن يتحول ماء النيل إلى نهر من الدم، فإن العقيدة لدى الشعب المصري ألا يستحل الدم ليصير ماء.
ما طبيعة ما سيجري يوم 30 يونيو في الداخل؟ سؤال تحمل أيام يونيو كلها إجابة عليه، غير منتظرة هذا الخروج الشعبي.
الرئيس ينشغل بحشد أنصار له، حتى إن موقفه الأخير من سحب السفير المصري من دمشق وطرد السفير السوري من مصر، يجرى تفسيره بأنه تقديم أوراق تجديد اعتماده للإدارة الأمريكية، وفي ذات الوقت محاولة لحشد باقي التنظيمات الدينية من حوله، حتى إن شيخا منهم وقف داعيا ضد الكفرة الذين سيتحركون يوم 30 يونيو، وخرج أكثر من تصريح مطالبا بالمواجهات الحاسمة والرادعة لمن يمس شرعية الرئيس، وكأن شرعية الرئيس أكبر من الشعب، وكأنهم يستكثرون على أي أحد أن يقول "الشعب يريد" بينما هم يخصون أنفسهم بأنهم أصحاب دين الله والقائمين عليه.
الشرطة في حالة انقسام بين، خاصة بعد المعاناة التي عاشها أفرادها جراء التراخي في الموقف من الإرهاب في سيناء، والإفراج المتتالي عن رؤوس الإرهاب في مصر.
الجيش يعلن أنه يحمي الشعب، وكأن الشعب والأمن القومي صنفان مختلفان في المسؤولية والتفسير، فأي شعب يحمي بينما الأرض والماء والعلاقات الدولية تتداعى دون رادع.
والإخوان بدءوا المواجهة، في زي جديد مكون من خوذات على الرأس، وحتى اللحظة "هراوات" بالأيدي، وشهد يوم الأحد مواجهات عنيفة في الفيوم (أصيب أكثر من خمسين مواطنا)، وفي الدقهلية، وهاجم محامي الإخوان وعناصرهم الحضور في قاعة محاكمات الهروب من سجن وادي النطرون بعد رفض طلبهم برد رئيس المحكمة، وتتصاعد الأمور مع تعيينات جديدة لمحافظين من الإخوان كل مؤهلاتهم أنهم أعضاء بالإخوان.
وتشهد وزارة الثقافة موقفا بالعصيان من كافة الأدباء والفنانين ورجال الثقافة بلغ حد احتلال مبنى الوزارة ومنع الوزير من الوصول إلى مكتبه، في مواجهة قرارات يرونها تهدم البناء الثقافي والإبداعي في مصر، وواجه الإخوان هذا العصيان والاعتصام بمحاولة التعرض له بالقوة، ولم تنجح المحاولة.
وتدعو الجماعات والتنظيمات الدينية إلى الاحتشاد يومي 21 و28 يونيو والاعتصام لمواجهة وقائع 30 يونيو المحتملة.
هذه العناصر المكونة لمشهد القوة والسلطة ومنهج التعامل، يواجهها حتى الآن تحرك "مطلبي"، وليس تحرك "بالعصيان" لتكون المطالب قرارات.
ويبقى السؤال، ماذا في جعبة الوعي الجمعي المصري من إبداع حال تحركه؟، وهل سيكون الصدام بين حركة الشعب وبين التنظيمات الدينية باب التدخل الخارجي، أم أنه سيكون باب التحرك من الجيش المصري؟، أسئلة لا أحد يستطيع بيان الإجابة عليها، فهي سلاح المفاجآت الذي تذخر به حركة الشعب المصري.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
41769
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7098
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5373
| 13 سبتمبر 2026