رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قبل يومين وفي معرض مناقشة موضوع تحت عنوان "الإسلاميون بين الأيديولوجية والوطنية" حاورت عبر إحدى المحطات الإذاعية – دكتورا - مقيما في لندن ولديه مركز دراسات ويصنف في الإسلاميين.. ادعى أن الرئيس المصري " مرسي " ومعه جماعة " الإخوان المسلمون " ومثله الرئيس التركي " أردوغان ".. لا يمثلون الإسلام في شيء؛ وقريبا من وصمهم بالكفر والخروج من الملة قال: هم ليسوا إسلاميين وما هم إلا " علماسيون " يقصد نحت مصطلح يصفهم به يجمع العلمانية والإسلامية.. متداخل آخر من فلسطين تبنى مقولات المتحدثين باسم أحد التنظيمات الفلسطينية العلمانية ضد حماس والمقاومة فادعى أن الإسلاميين لا يؤمنون بالوطنية ودلل على ذلك بأن حماس لا تؤمن بالتمثيل الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأنها سعت للانقسام باكرا منذ بدايات الانتفاضة الأولى.. وأقول:
أولا وتعليقا على هذين المتداخلين: يبدو أن بعض الناس يخلطون بين ما هم عليه من حقيقة صغيرة هم يرونها كبيرة وبين الأفكار الكبيرة والمعاني المثالية والمطلقات المحترمة.
فيصبحون بعد فترة وبعد صراعات للدفاع عن هذا الادعاء على وهم أنهم يمثلون هذا الشيء الكبير من الأفكار وهذه المثالية في المواقف في حين أنهم على الحقيقة لا يمثلون إلا أنفسهم وفهومهم المحدودة ونظرتهم الجزئية وأنهم مجرد أشكال خارجية أكثر منهم الحقائق التي يدعون.
ثانيا: وأما أن مرسي والإخوان وحماس وأردوغان لا يمثلون الإسلام وأنهم "علماسيون"، فالقضية ابتداء ليست قضية شخص مشوه الفكر نرد عليه، ولا هي من أجل الدفاع عن أشخاص من تطاولهم باتهاماته؛ ولكنها وعلى الحقيقة لتصفيف المعادلة بطريقة صحيحة وبسيطة.. فالتحدي اليوم على فهم الإسلام، وعلى منهجية وموضوعية تنزيله على الواقع، والتحدي حول مواجهة ما يترتب على مواقف هؤلاء المبتسرين مما قد يودي بصورة الإسلام كله إذا لم نحسن إرجاعهم لقراءة صحيحة وموضوعية للإسلام ثم الترويج له.. لقد رأينا من هؤلاء الظانين أنهم إسلاميون وأنهم ممتازون متفوقون على غيرهم من يفجر عاصمة بلده ويقتل الصالحين والوطنيين ومن دونهم، ورأينا منهم من يلعق دماء المجاهدين الخلص قبل أن يمس دماء الصهاينة والمعتدين والمحتلين في ذات البلاد.. وعليه فالقضية تستحق الاهتمام والتركيز.
ثالثا: وفي الرد على ذلك الإسلامي المتداخل من لندن أقول ولا أدري ما الإسلام الذي يريده: فإن كان يريد أن الرئيس المصري وحماس وأردوغان غير مسلمين.. فذلك لا يقوله إلا مبطل جائر وسفيه جاهل؛ فظاهر القوم – وهو ما بيننا وبينهم - يقيمون الشعائر وتلك بيوتاتهم من أحسن البيوت، وما منهم إلا داعية قضى زهرة شبابه وسنوات وسنوات من عمره في سجون الطواغيت وفي العمل المجتمعي والسياسي وغيره في نصرة الإسلام وخدة أبناء وطنه.. فهل لأحد أن ينفي عنهم الإسلام في أشخاصهم أو أفكارهم أو صفاتهم بعد ذلك؟ وأما إن كان يعتبرهم مسلمين ولكنهم مقصرون في تحكيم الشريعة.. فهم يسعون لذلك ويواجهون في سبيله منذ ولوا الحكم " العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر " ولكن.. أليس من منهج الإسلام ومن الحكمة أن يمرحلوا أهدافهم؟ وألا يخوضوا بالإسلام ما لا يلزم من المعارك العمياء؟ وهل من الضروري أن يستفزوا الناس في كل كلمة يقولونها؟ وهل عليهم أن يحسموا كل معارك الإسلام والوطنية المتراكمة منذ مئات السنين بين عشية وضحاها؛ في حين أن مجرد وصولهم للحكم لا يزال وربما سيبقى لسنوات موضع تردد واعتراض!؟
لا أدري كيف لمثقف فضلا عن أن يكون " إسلاميا " يفترض أنه يستقي الحكمة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والميراث الحضاري للأمة.. كيف له ألا يفهم مرحليات الدعوة والدولة التي كانت ألف باء التخطيط النبوي الكريم!!
رابعا: أما ذاك من فلسطين الذي اتهم الإسلاميين وحماس تحديدا باللاوطنية ودلل على ذلك بأنهم لا يؤمنون بالمنظمة.. إلخ.. فما أسرع ما نسي أو تناسى التاريخ القريب الذي سطر فيه الإسلاميون أروع آيات التضحية والفداء الوطني! ونسي أن حماس قدمت في نصرة الوطن قادة الصف الأول - المؤسس أحمد ياسين، والصقر الرنتيسي، وعضو مكتبها السياسي إسماعيل أبو شنب، ومفكرها إبراهيم المقادمة، وقائد الكتائب صلاح شحادة، والوزير سعيد صيام، والعلامة نزار ريان.. سوى الآلاف الذين قضوا ولم يغيروا ولم يبدلوا عما انطلقوا به منذ اليوم الأول، أليست هذه قمة الوطنية؟ وهل يسوّى بهم أولئك الذين تسمنوا على القضية ونهبوا المليارات من أموال الثورة أو تزوجوا الفنانات أو قتلوا أمام الفنادق في باريس وغيرها؟ ثم هل المنظمة في عافية حتى يكون من لا يؤمن بها خارجا على الوطنية؛ أم أن كل الفلسطينيين – طبعا سوى صاحبنا والذين يفهمون الوطنية على طريقته – يعتبرونها بيتا آيلا للسقوط ويطالبون بإصلاحها وتفعيلها بما في ذلك أبناء فتح ذاتها مع أنهم أكثر المنتفعين بها ومنها؟ وأما أن الإسلاميين سعوا للانفصال؛ فهو يعلم والشعب الفلسطيني أيضا يعلم أن الذي انفصل عن الشعب والوطنية هم أولئك الذين - وخلافا للميثاق الوطني الفلسطيني - اعترفوا بدولة العدو، وأقاموا مع العدو التنسيقات الأمنية والسياسية، والذين التفوا على الانتفاضة الأولى بل وعلى وفدهم المفاوض وعلى رئيسه حيدر عبد الشافي يوم وقعوا في أوسلو اتفاقيتهم البائسة، والذين انقلبوا على انتخابات الـ2005 وشكلوا فرق الموت ونشرت مجلة " فانتي فير " الأمريكية فضائح مؤامراتهم مع " الجنرال الأمريكي دايتون " على حكومة الوحدة الوطنية.
فإن عدنا بعد هذا التطويح في الرد وإبراز الحقائق للإجابة عن السؤال: هل من تعارض بين الإسلامية كأيديولوجية عامة والوطنية كانتماء خاص.. أقول: ولماذا يقع وهم التعارض هذا أصلا؟ ألم تحتمل دولنا وشعوبنا وثقافتنا المعاصرة وجود الاتجاهات اليسارية والليبرالية والقومية داخلها وكلها اتجاهات أيديولوجية لها صبغة عمومية عالمية؟ ولماذا لم تتهم هذه الاتجاهات بعدم الوطنية بسبب تلك الصبغة؟ ولماذا يتهم باللاوطنية الإسلاميون فقط من دون كل الاتجاهات؟ ألأنها (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة)، أم لأن خصومهم ينطلقون من كراهية الدين ذاته؟
الحقيقة أن الإسلاميين – إذا تجاوزنا عن حالات فردية وتمثلات شاذة - هم أكثر الناس والاتجاهات تقبلا للآخر الوطني واستعدادا للتقاسم معه.. رأينا ذلك في فلسطين يوم فازت حماس ونراه اليوم في مصر وفي تونس وفي المغرب ورأيناه من قبل في تركيا.. والأمر ليس مسايسة ومجاملة أو مجرد تكتيك؛ بل يتعدى ذلك ليكون مبادئ وأفكارا تسطر في الكتابات وتدبج في الاتفاقات وتتجسد في التحالفات وتؤصل في المناهج التي يتربى عليها الإسلاميون.
الحقيقة أيضا أن الخطر الحقيقي على الوطنية لا يأتي من الإسلاميين؛ ولكن ممن يدّعون الوطنية من عملاء الاحتلال ومتعقبي المقاومة الذين يتخلون عنها باسم الاعتدال ويذبحونها بدعوى الالتزامات الموقعة.
آخر القول: الحقيقة أن وضع الاتجاه الإسلامي في مناقضة متوهمة مع الوطنية أو مع الاعتدال أو مع الانفتاح أو مع خصوصيات الشعوب هو وضع لا يقوم على ساق ولا يستند لسياق، وبقدر ما إن على من يتهمون الإسلاميين ذلك أن يفهموا الإسلام والواقع والمصالح الكبرى للأمة وأن يحسنوا الظن وأن يلتزموا المنطق؛ فإن على بعض الإسلاميين ألا يعطوا بأقوالهم وبسارة فهمهم وعسارة مسلكهم الدليل على صحة هذا الوهم..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9789
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3468
| 22 أكتوبر 2026