رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بيني وبين فلسطين قصة حب، وحكاية عشق، تنبع من شعور قومي دفيق، وشغف دافق عتيق، وشوق متدفق عميق، لقدسها ومقدساتها، ذات الإرث الحضاري، والتراث العربي، والتاريخ الإسلامي العريق.
ويحركها ارتباطي الوثيق بأهلها في قطاع غزة والقدس ومدن الضفة والحواضر في يافا وحيفا وعكا، حيث يوجد الأخ، ويعيش الصديق، ويحيا الرفيق.
.. وهناك في أماكن الشتات وسائر المخيمات وكل المدن الفلسطينية المحتلة والبلدات التي تعاني من احتلال صهيوني صفيق.
ويرسخها إيماني العميق بحقوق شعبها العريق الذي تربطني مع مختلف توجهاته الرسمية ومكوناته الشعبية علاقات متشعبة، تتنوع في طبيعتها، وتتجذر في خصوصيتها، وتتعمق في تفاصيلها، مع هذا الشعب العربي الشقيق.
ومنذ أن كنت طفلاً في المدرسة، ترسخ في وجداني يقين عريق، بعدالة قضيتها، وكنت أغني أناشيدها مع أستاذي الفلسطيني «خالد نصر»، مدرس التربية الفنية، في مدرسة «الخليج العربي» الابتدائية، التي كانت تستقطب أبناء الأهالي في «أم غويلينة» ومحيطها، هناك عند مشارف «فريجنا» العتيق.
ومن يومها ذاك، وحتى يومنا هذا، ما زلت أحفظ كلمات الأناشيد المدرسية، التي تتغنى بحب فلسطين الحبيبة، وأرضها الحبيسة وشعبها العربي المحبوس في سجون الاحتلال، هناك خلف قضبان الاعتقال وقيود الأغلال.
ومع تواصل مأساة أولئك الأسرى من النساء والرجال، ومعاناة آلاف المعتقلين، وبينهم الكثير من الأطفال، وتسلسل قصص المقاومين الأبطال، وتوالي حكايات النازحين، الذين يسيرون على أقدامهم فوق الرمال، وضحايا العدوان الصهيوني الذين يبحثون عن مأوى خلف التلال.
أقولها ـ بثقة ـ وبلا جدال ومواربة، إن الفلسطينيين، على مدى تاريخهم الطويل مع النضال، لم تمر عليهم منذ عهد الإنجليزي بلفور، صاحب الوعد المشؤوم، كارثة سياسية، أخطر من المخطط الأمريكي ـ الصهيوني، الذي يتم ترويجه حالياً في واشنطن وتل أبيب، ويستهدف تهجيرهم قسرياً خارج وطنهم، تحت غطاء ما يسمى «ريفيرا» الشرق الأوسط.
وخلال سنوات عمري المتسلسلة من زمن الطفولة مرورا بمرحلة الشباب ووصولي إلى دخول عالم «الشياب»، لم أشهد في حياتي مشروعاً فوضوياً مثل هذا، الذي يستهدف تصفية القضية الفلسطينية واقتلاعها من جذورها، واجتثاثها من أرضها وتهجير أهلها من بيوتهم قسراً، وإبعادهم من ديارهم قهراً، ونقلهم من وطنهم ظلماً، في إطار أبشع عملية تطهير عرقي، وأخبث عملية تمييز عنصري في تاريخنا المعاصر، تحت مسمى «ريفيرا» الشرق الأوسط.
فهذا المخطط الشيطاني يتضمن خليطاً ساماً من الأفكار الانتهازية والمخططات الابتزازية والأجندات الاستعمارية والأطروحات الاستعلائية والمؤامرات الاستبدادية ذات النتائج الكارثية.
وهو يستهدف في تفاصيله المعلنة، الاستحواذ على الواجهة البحرية في قطاع غزة، المطلة على المياه الفيروزية.
أما حيثياته الملعونة فهي تتمثل في السيطرة الكاملة والدائمة والمطلقة على القطاع الفلسطيني المقطع، واحتلاله أرضاً، وتملكه جواً، واستغلاله تراباً، والسيطرة عليه هواء.
وتهجير جميع مكوناته قسراً، وإبعادهم خارج وطنهم المحتل ظلماً، بشكل ينتهك حقوقهم ويعتدي على حدودهم ويتعدى على ممتلكاتهم ويستولي على أرضهم.
ومن المؤكد، بشكل أكيد، وبكل تأكيد، أن ما يسمى مشروع «ريفيرا» الشرق الأوسط، المرفوض عربياً، المستنكر دولياً، المستهجن جماهيرياً، المدان حقوقياً، الممقوت فلسطينياً، تسبب في إحداث «الشرخ الأوسع» في المساعي المبذولة لتحقيق السلام المشروخة أصلاً بفعل العدوان الصهيوني على الفلسطينيين.
وأدى هذا المخطط الاستعماري غير المشروع إلى زيادة تعقيدات الوضع السياسي المعقد أصلاً في الشرق الأوسط، بسبب ظروف المنطقة بالغة التعقيد، على كل جبهة وصعيد.
ونأتي إلى ذروة التصعيد المتمثل في سعي الرئيس الأمريكي لتغيير الواقع الجيوسياسي في عالمنا العربي، لصالح المشروع الصهيوني.
وقبل أن يزعم أمام من يؤيدونه من الأمريكيين أنه يسعى لاسترجاع هيبة بلاده، وقبل أن يروج المزاعم أنه سيجعل الولايات المتحدة عظيمة في عهده على حساب انتهاك حقوق المستضعفين، ينبغي عليه، أولاً ودائماً، أن يوظف «عبقريته» المزعومة في إيجاد الحلول الفورية والجذرية لأزمات بلاده الداخلية، وفي مقدمتها أزمة «البيض» الذي يشهد ارتفاعاً حاداً في أسعاره، مع ندرة وجودية فيه، لعدم توفره في متاجر «السوبر ماركت».
وهذا الأمر تسبب في حدوث الكثير من المواجهات، والعديد من الصدامات و«الهوشات»، بين المواطنين الباحثين عن البيض المفقود، وباتوا يتواجهون باللكمات، ويتصارعون بالكلمات، من أجل الحصول على قليل من «البيضات»!.
ولكل هذه المشاحنات لا يمكن لسيد «البيض الأبيض»، عفوا أقصد «البيت الأبيض»، أن يتحدث عن الأزمات في الخارج الأمريكي، قبل إيجاد الحلول لمعضلات الداخل الأمريكي، التي تنعكس سلبياً على حياة المواطن الأمريكي!
ومن الضروري أن يوفر الرئيس الأمريكي كراتين البيض في المتاجر للشعب الأمريكي، قبل التفكير في «ريفيرا» الشرق الأوسط، الذي يستهدف تهجير الشعب الفلسطيني.
ولأن هذا المشروع قد بني على الخداع والكثير من الأطماع، ويساهم في تغذية الصراع، ويؤدي إلى زيادة الصداع، ومضاعفة الأوجاع، التي يعاني منها الشعب الفلسطيني، فهو يشكل انتهاكاً صارخاً، لمواد العهد الدولي، الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وهذا «العهد القانوني»، يعتبر من أهم المعاهدات الدولية متعددة الأطراف، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، في السادس عشر من ديسمبر عام 1966، ودخلت حيز التنفيذ، في 23 مارس عام 1976، وصدقت عليها 168 دولة.
ويتضمن هذا العهد القانوني أو التعهد الدولي، (54) مادة، تنص مادته الأولى على أن لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها، وبمقتضى هذا الحق، فهي حرة في تحديد مسارها وموقفها ومستقبلها ونظامها السياسي، ولا يجوز حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاص.
والغريب، بل والعجيب المريب، أن واشنطن التي تزعم احترامها للخيار الديمقراطي، وتدعم نتائج الصندوق عندما يكون على هواها، نجدها تنتهك حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، عبر تنظيم استفتاء شعبي يحدد موقفهم من قيام دولتهم المستقلة.
والمفارقة العظمى والطامة الكبرى بحجم المكتب البيضاوي الذي تصنع في القرارات الأمريكية أن الولايات المتحدة وقعت على مواد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الصادر عن الأمم المتحدة، وصدقت على هذه المواد الملزمة بالقبول، وتعهدت بالالتزام بتنفيذها.
وهذا يدفعني إلى تنبيه الإدارة الأمريكية الحالية إلى هذه الحقيقة، التي ربما لا تعلم عنها شيئاً، ولها سوابق في ذلك، تعكس الجهل بالملفات الدولية، وتجاهل قواعد وحدود الجغرافيا السياسية.
ولعل قيامها بالخلط ـ جهلاً ـ بين «غزة فلسطين»، و«غزة» الأخرى الواقعة في موزمبيق، يعكس هذه الحقيقة، بعد محاولتها تشويه الواقع الفلسطيني، بشأن قضية «الواقيات»، التي أرسلتها واشنطن إلى محافظة «غزة الموزمبيقية»، وادعت إرسالها إلى «غزة الفلسطينية».
ولا يحتاج الأمر إلى توضيح أن الشعب الفلسطيني المستهدف في حاضره والمتنازع على مستقبله يريد زيادة النسل، وليس تحديده.
وما من شك في أن أي إدارة سياسية لا تعترف بهذه الحقيقة ولا تعرف الفرق بين «غزة» الموجودة في فلسطين، و«غزة» الواقعة في موزمبيق، فإنها حتماً لا تملك الحق في تحديد مسارات خريطة الطريق المؤدي إلى مشروع «ريفيرا» الشرق الأوسط.
ومشكلة الرئيس الأمريكي أنه لا يعرف قيمة الأرض الذي ولد فيها الإنسان الفلسطيني، ونشأ على ترابها، وعاش في مساكنها، وكبر في شوارعها، وترعرع في أزقتها، وتفرع نسله العربي في بلداتها وقراها.
ولا يعرف أهمية الأرض في حياة الفلسطيني الذي يستمد من ترابها، ويتعايش مع تضاريسها، ويتنسم من مناخها، ويتعامل مع تلالها، و«بياراتها»، ويتصف بصفاتها، ويكتسب من مواصفاتها الشيء الكثير والمعنى الكبير، الذي يشكل سمات شخصيته الصلبة الصامدة، الصبورة، المقاومة لكل المتغيرات المحيطة به.
إنه سر الأرض الفلسطينية، العربية، المرتبطة بالإنسان الفلسطيني، بكل سهولها، وهضابها، وسمائها، ورمالها التي ضحى المقاوم الفلسطيني بحياته دفاعاً عنها، تعبيراً عن ارتباطه بها.
وتأكيداً على العطاء المعنوي والمادي والدموي والوطني السخي، من أجل أن يبقى متجذراً في فلسطين، مثل أشجار الزيتون، وعندما يستشهد، يدفن في أرضه التي يحبها وتحبه.
ولكل هذا، لا يمكن لأي قوة غاشمة، أن تبعده عنها، ولا يمكن لأي سلطة «غشيمة»، أن تقتلع جذوره منها، لسبب رمزي بسيط، ربما لا يفهمه الرئيس الأمريكي، ويتلخص في أن الفلسطيني هو صاحب الأرض، وهو سيدها، وهو ابنها الذي يصعب اقتلاعه منها وإبعاده عنها.
وينبغي أن يفهم رئيس الإدارة الأمريكية أن حق الفلسطيني في أرضه هو حقه في الحياة، وفي الحرية، والانتماء والهوية، والتاريخ والجغرافيا، والوطن والحضارة التي صنعها فوق تلك الأرض.
مع تأكيد حقه في امتلاك «البيارة»، التي زرعها، وحقه في الحفاظ على «الفخارة»، التي طبخت فيها والدته، وجبته المفضلة.
لكن حفيد المستوطن الألماني، «فريدريتش ترامب»، المهاجر من قرية «هالشتات» أو «كالشتات» الألمانية، إلى الولايات المتحدة، هرباً من التجنيد الإلزامي في الجيش الألماني.
هذا الحفيد، الطافح بالنرجسية المتورمة، والانتهازية المتضخمة، لا يعرف قيمة الأرض، بالنسبة للإنسان الفلسطيني، وماذا تعني لأهالي غزة؟
والسبب أن جده الهارب من الخدمة العسكرية، في وطنه الأصلي فرط في أرضه، الواقعة في البلدة الريفية الصغيرة، جنوب غرب ألمانيا، حيث موطن أجداده، ومعقل أسلافه من السلالة «الترامبية».
أما والده، المقبور «فريد ترامب»، فقد كان من أكثر المؤيدين للمواقف الصهيونية، ومن أبرز المناصرين للمؤسسات الإسرائيلية، ومن أشد الداعمين للقضايا اليهودية، وهذا دفعه للمساهمة في بناء مركز يهودي في حي «بروكلين» في نيويورك.
وكل هذا يفسر انحياز الرئيس الأمريكي لمواقف اليمين الصهيوني المتطرف، ودعمه لتوجهات التيار الإسرائيلي المتعجرف، الذي يخطط لتهجير الفلسطينيين من أرضهم، وإبعادهم من ديارهم، لتوسيع الحركة الاستيطانية، وبناء المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة، باعتبار على حد قوله أن مساحة الكيان «تبدو صغيرة على الخريطة، ولطالما فكرت كيف يمكن توسيعها».
والذي استطرد، دون حياء، وبنظرة كلها عجرفة واستعلاء: «إسرائيل دولة صغيرة جدا. مكتبي يشبه الشرق الأوسط، وهل ترى هذا القلم في يدى إنه جميل جدا بالمناسبة، إسرائيل تشبه رأس هذا القلم فقط، وهذا ليس جيدا، أليس كذلك؟».
ولهذا نجده يصر إصرارا مريبا، على طرح مخططه الاستعماري، بعنوانه الاستثماري، المسمى «ريفيرا» الشرق الأوسط، لأنه يسعى لتحقيق المصالح الصهيونية، على حساب الخيار القانوني الصالح، المتمثل في مبدأ «حل الدولتين».
علماً بأن العرب، الذي سيجتمعون في القاهرة، في القمة العربية الطارئة، المقررة في السابع والعشرين من الشهر الجاري، لديهم القدرة المالية، وعندهم الإمكانيات الهندسية والعمرانية، والعقارية، والفنية والتقنية، التي يستطيعون من خلالها إعمار قطاع غزة، وإزالة آثار الدمار، وجعل القطاع المدمر قابلاً للحياة، دون تهجير قسري أو تطهير عرقي، لسكانه الفلسطينيين، بما يضمن حفاظهم على أرضهم، ويكفل حقوقهم ومقدراتهم، ويحفظ لهم «بياراتهم» وبرتقالهم وزيتونهم وزعترهم.
ولكل هذه المعطيات، أستطيع القول إن الفلسطيني المحروم من الحرية في وطنه المحتل، منذ أكثر من 70 عاماً، لا يريد «ريفيرا» على طريقة «كوت دازور» الفرنسية، ولا «ريفيرا» على طريقة «بورتوفينو» الإيطالية.
لكنه يريد وطناً حراً، ودولة مستقلة ذات سيادة معترفا بها دولياً عاصمتها القدس الشرقية.
أكرر: يريد دولة سالمة مسالمة ليس فيها عنصرية الصهاينة، ولا عدوانية بن غفير، ولا استفزازات سموتريتش، ولا أحقاد نتنياهو، ولا كراهية الحاخامات المتطرفين، ولا اعتداءات المستوطنين المسعورين.
وأقولها نابعة من قلبي، وأنطقها بلساني لتدوي، وأكتبها بقلمي الصغير، وأضعها على طاولة «المكتب البيضاوي» الكبير، ليقرأها سيد «البيت الأبيض» مؤكداً له أن ضمان حقوق الفلسطيني في أرضه، سيساهم في ترسيخ الأمن والسلام العادل والشامل وسيضمن تحقيق التعايش السلمي المستدام، بين شعوب المنطقة.
وسيبقى الفلسطيني، الذي يعرف كم عدد حبات الرمال في أرضه، متماسكاً في دياره، متمسكاً بترابه الوطني، مهما كانت الظروف، ومهما زادت الضغوط، ومهما علت التحديات، ومهما كثرت المخططات، ومهما حيكت المؤامرات، التي تستهدف حياته، وتنال من حريته.
وبكل مبادئ وقواعد الحرية الواعية، لا أجد ما أختم به مقالي، سوى أن أرفع صوتي عالياً، ناطقاً بالحق والحقيقة، وأجر الصوت من حنجرتي، مردداً أنشودة فلسطين، وشعبها الحزين:
يا صوتي ضلك طاير، زوبع بها الضماير
خبرهن عاللي صاير، بلكي بيوعى الضمير
خبرهن عاللي صاير، بلكي بيوعى الضمير.
ما بين ضفتي الخليج
في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات المرور في شوارع لندن، وأُطفِئت المصابيح في مكاتب نيويورك، وهرع... اقرأ المزيد
786
| 06 أبريل 2026
الأنفاس الأخيرة للحرب
اليوم تنتهي المهلة التي كان الرئيس الأمريكي قد منحها لإيران لإبرام اتفاق أو فتح مضيق هرمز وإلا كما... اقرأ المزيد
183
| 06 أبريل 2026
غادر.. بكرامتك!
التجاوز ليس ضعفًا كما يُظن، بل مهارة نجاةٍ يتقنها المرء حين يختار كرامته على حساب الاستنزاف؛ فبعض المعارك... اقرأ المزيد
249
| 06 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان صانعي القرار، قد تكون الحرب اختباراً للقدرات والإمكانات وللقدرة على الصبر وتحمُّل أعباء خسائر الحرب من قتل ودمار ولكن صانعي القرار ومن هو مسؤول عن دولة وعن نظام وعن شعب يجب أن يظل حاضراً في ذهنه ماذا بعد الحرب، فقد عانت إيران من الحصار لأكثر من 40 سنة مما دفع بالكثير من بنيتها التحتية وبنية قطاع الطاقة للتهالك خلال تلك الفترة، فإذا جاءت الحرب بدمارها من جديد فإن موضوع الإعمار إن كان قبل الحرب ضرورة فإنه بعد الدمار وبعد الحرب ضرورة قصوى، كما عانت إسرائيل من دمار سنين الحرب السابقة للحرب على إيران ويزداد الدمار يوماً عن يوم وبوتيرة متسارعة يدفع للتساؤل من أين سيأتي الإعمار. عندما تضع الحرب أوزارها ستكون إيران منهكة كلياً وتحتاج للإعمار، في الوقت نفسه أمريكا لم تعد قادرة على الإعمار فأعباء الديون على أمريكا يجعلها في خطر فقدان القدرة على الوفاء بخدمة الدين وفقدان جدارتها الائتمانية التي استمتعت بها على مدى عقود وعقود ولذلك فتوقع أي إعمار من أمريكا توقع يفتقد للموضوعية، وإسرائيل في نفس المعضلة ولذلك من سيكون قادراً على الإعمار سوى دول الخليج لوفرة رؤوس الأموال وعمق صناديق الاستثمار والاحتياطات الكبيرة المتوفرة في القطاع المصرفي والمصارف المركزية لديها والقدرات في تجاوز تبعات الحرب بشكل سريع، ولذلك مراعاة أمن دول الخليج من قبل الأطراف المتحاربة كونها ليست طرفا في الحرب فهي ضرورة أساسية لما بعد الحرب، إذن من يملك القدرة على الإعمار هي دول الخليج، فمن الحكمة لصناع القرار من البيت الأبيض وطهران وغيرها الأخذ في الحسبان عدم توتير العلاقة مع دول المنطقة والعمل على عدم تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لدول الخليج. إذا أراد النظام الإيراني البقاء فهو يعلم أنه ملزم بتوفير ما يطلبه الشعب الإيراني ما بعد الحرب من إعمار ومستشفيات وغذاء واقتصاد وعملة مستقرة، هل سيكون قادرا لوحده على الإيفاء بمتطلبات الشعب الإيراني بعد الحرب، فترامب أقصى الحلفاء واستهزأ بهم وادعى أنه لا يحتاج أحداً فأمريكا لديها القدرات والإمكانات أن تعمل ما تريد ورأيناه حين أغلق مضيق هرمز يبحث عن دعم الحلفاء ويضرب أخماسا بأسداس على أنهم تبرأوا منه حين الحاجة، فهل ستجد إيران نفسها بعد الحرب بحلفاء قادرين على إعمار ودعم الاقتصاد الإيراني والاستثمار فيه أم ستكون وحيدة تضرب أخماسا بأسداس على أنه ليس هناك من له رغبة في إعمار إيران أو الاستثمار فيها. قد يعتقد البعض أن إيران استطاعت أن تتحمل الحصار الاقتصادي وكانت قادرة على الاستمرار في تلك الظروف ولأنها استمرت لفترات طويلة استطاع الشعب الإيراني التعايش معها ولو أنه كان هناك فترات فقد فيها مثل هذا الهدوء فعندما تتراجع العملة بشكل كبير ويرتفع معدل التضخم لدرجات غير مسبوقة فإن الشعب الإيراني يخرج في الشوارع. فما حدث في الأربعين سنة الماضية شيء وما سيحدث بعد وقف الحرب مباشرة شيء آخر سيكون كل يوم ما بعد الحرب معادلا لفترة ما قبل الحرب، فالدمار وحضور مثل هذا الدمار أمام التجار وأمام السوق وأمام الشعب سيبعث على التشاؤم وإن حدث هذا دون أي أفق يبعث على الأمل سنرى تراجع التومان العملة الإيرانية كما لم نره سابقا وستزداد معدلات التضخم بشكل غير مسبوق وسيفقد الناس الأمل في حياة أفضل ولذلك سيفقد النظام قدرته على إدارة الدولة، أما إذا كان هناك رؤية لمشاريع إعمار فانها ستكون الداعم الحقيقي للنمو الاقتصادي والنشاط الاقتصادي وسيملأ الناس الأمل بأنه ما بعد الحرب هو وضع أفضل مما قبل الحرب فإن طغى على الناس الإحساس بالأمل وبالعمل وبالاستثمار سيكون هناك استتباب في إيران، أما إذا طغى التشاؤم وفقد الناس الأمل قد تفقد إيران الكثير من وحدتها لأن كل منطقة سترى أنها أقدر على إدارة شأنها الاقتصادي وأن طهران لم تعد قادرة على مد يد العون. وما لم تحققه أمريكا وإسرائيل في حربهما لتفكيك إيران سيتحقق ما بعد الحرب إذا لم يكن هناك مشاريع إعمار، كل يوم تستمر فيه الحرب تزداد فيه الحاجة للإعمار، فكما عمَّرَت قطر بقيادة الأمير الوالد جنوب لبنان في حرب 2006 من سيعمر جنوب لبنان ومن سيعمر إيران وإلى أي مدى غزة والضفة وإيران وجنوب لبنان سيكونون في حاجة ماسة للدعم ولمشاريع الإعمار.
17211
| 30 مارس 2026
كانت الأسطورة والقصة الخيالية، ولا تزال، ركيزة أساسية في الأدب الغربي؛ إذ نشأت غالبًا من تصورات وثنية تحاول تفسير الكون عبر صراعات الآلهة وتدخلها في حياة البشر. فمن هرقليز ورأس ميدوسا وعقب أخيل، مرورًا بقصص الخالدين والمستذئبين ومصاصي الدماء، إلى الأبطال الخارقين الذين يقارعون الكائنات الفضائية، والقائمة لا تنتهي. وللشرق كذلك منها نصيب وافر، فإيزيس وأوزريس في مصر الفرعونية وجلجاميش في العراق القديم الذي ثلثاه إله وثلثه بشر، وجارودا في الهند ذلك الكائن ملك الطيور نصفه إنسان والنصف الآخر صقر، وآديري أرض الموتى في ماليزيا، وغيرها الكثير، يتجلى فيها حضور الخيال بوصفه أداة لفهم العالم أو الهروب منه. هذا التراث الأسطوري، بما يحمله من خرافات حول النجوم والأرقام والتعاويذ والقوى الخارقة، دفع بعض أبناء الأمة إلى التساؤل: لماذا خلا التراث الإسلامي من هذا اللون الأدبي؟ ربما السؤال الأجدر بالطرح هو: لماذا لم يُقبل المسلمون في عصور الترجمة الزاهرة على نقل هذه الأساطير كما فعلوا مع علوم الفلسفة والطب والرياضيات؟ الحقيقة أن هذه الأساطير كانت في جوهرها محاولة لملء فراغ نفسي ومعرفي لدى الشعوب التي نشأت فيها، نتيجة غياب تصور واضح لعلاقة الإنسان بالكون، ومن هنا لم يكن غريبًا أن تتسلل هذه النزعة حتى إلى الفكر العلمي الغربي، كما ظهر عند فرويد الذي استند إلى أسطورة أوديب في بناء نظرياته حول النفس البشرية. في المقابل، لم يلتفت العقل الإسلامي إلى هذه الأساطير، لأنه كان مشبعًا برؤية واضحة ومتماسكة للكون والإنسان، فقد قدم الإسلام تفسيرًا متوازنًا للوجود، ينسجم مع العقل، ويمنع الوقوع في الحيرة أمام الغيبيات. المنهج الإسلامي ضبط هذا المجال ومنع الانزلاق في متاهات الميتافيزيقا، فبيّن حقيقة الملائكة والجن، وحدد طبيعة النجوم والكواكب، مؤكدًا أنها لا تملك نفعًا ولا ضرًا، ولا علاقة لها بمصائر البشر. كما حارب الإسلام الخرافات المرتبطة بالمرض والعلاج، وأبطل الطقوس الكهنوتية التي كانت تعزو الأمراض إلى الأرواح الشريرة، وأرسى مبدأ واضحًا: أن لكل داء دواء إلا الموت. ويتجلى هذا التصحيح في موقف النبي عند كسوف الشمس يوم وفاة ابنه إبراهيم، حيث قال: (إن أهل الجاهلية كانوا يقولون إن الشمس والقمر لا ينخسفان إلا لموت عظيم، وإنهما آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوّف الله به عباده). بهذا المنهج، وجّه الإسلام الإنسان إلى التأمل في الكون بعقلية علمية، مما مهّد لقيام المنهج التجريبي الذي قامت عليه الحضارة الحديثة. لذلك، اتسم الأدب الإسلامي، خاصة في عصور ازدهاره، بالواقعية، واعتمد على نقل الأحداث وتوثيقها، حتى اشتهر بأسلوب العنعنة. وحتى القصص الرمزية، كالحوارات بين الحيوانات، لم تكن تهدف إلى ترسيخ الوهم، بل إلى تقريب المعاني والعِبر، مع وضوح أنها مجرد وسائل تعليمية. إن ابتعاد المسلمين عن الأسطورة لم يكن نقصًا، بل كان نتيجة طبيعية لقيمهم التي قامت على الشجاعة والكرامة والعمل، لا على الهروب من الواقع، فترى أشعارهم تعبر عن هذه الروح، فعلى سبيل المثال يقول الإمام الشافعي: ما حكّ جلدَك مثلُ ظُفرك....فتول أنت جميعَ أمرك من هنا، فإن خلو التراث الإسلامي من الخرافات يُعد ميزة لا عيبًا، ولم تظهر النزعة إلى تقليد الأساطير إلا في فترات الضعف، حين فقدت الأمة توازنها، وبدأت تبحث عن بدائل خيالية تعوض الفراغ النفسي. ومع ارتكاز صناعة السينما العالمية والأدب الغربي على الأسطورة والخرافة والشخصيات الخيالية، ومحاولات محاكاة هذا النمط في العالم العربي والإسلامي عن طريق الدراما والقصة والرواية، ازداد تعلق الأجيال بالخيال على حساب الواقع، رغم ما يحمله ذلك من آثار تربوية وثقافية وخيمة. في المقابل، يزخر التاريخ الإسلامي بقصص حقيقية وشخصيات ملهمة، لكنها تحتاج إلى إعادة تقديم في قالب أدبي جذاب يجمع بين التشويق والرسالة. وليست هذه السطور رفضًا لأدب الخيال العلمي والأساطير بشكل مطلق، بل هي إشارة إلى ضرورة التوازن بين الواقع والخيال، فنحن لسنا بحاجة اليوم إلى استنساخ الأساطير، بل إلى إنتاج أدب هادف يعبر عن القيم، ويكون وسيلة للبناء لا للهروب، فالأدب الحقيقي ليس الذي يغرق في الوهم، بل الذي يضيء الطريق أمام الإنسان ليعيش واقعه بوعيٍ وإرادة.
2994
| 30 مارس 2026
-الصواريخ الإيرانية أحرقت البيانات الخليجية الرافضة للعدوان عليها قبل أن تصدر - نسمع كلاماً «منمقاً» من إيران ونرى أفعالاً عسكرية تستهدف عواصمنا الخليجية - 5290 صاروخاً ومسيّرة إيرانية على الخليج مقابل 980 على إسرائيل بنسبة 15 % ! - العالم صُدِم من نقل المعركة من العمق الإسرائيلي إلى العمق الخليجي بكل من فيه وما فيه - قطر استنكرت قصف الكيان الإسرائيلي حقل «بارس» الإيراني.. فماذا كان رد طهران؟! - لولا الله ثم كفاءة دفاعاتنا لرأينا دماء سالت وضحايا سقطوا ومرافق هدمت ومنشآت دمرت - جهود دبلوماسية مكثفة قامت بها قطر لإيجاد بيئة تفاوضية بين إيران والاتحاد الأوروبي - إيران تحرق «سفن» العودة لعلاقات مستقرة بينها وبين جوارها العربي -الاعتداءات الإيرانية على الخليج بعد أقل من ساعة من الضربات الإسرائيلية الأمريكية وكأن القائمة محضّرة مسبقاً بداية.. وقبل كل شيء.. لا أحد في دول الخليج رحب بالضربة الإسرائيلية الأمريكية على إيران.. بل إن الخليج لم يكن على علم بالضربة الأمريكية الإسرائيلية التي حدثت يوم 28 فبراير.. الذي حدث أن إيران لم تترك مساحة لهذه الإدانة والرفض بصوت مرتفع.. ولم تترك فرصة للخليج لكي «يتنفس».. فقد أحرقت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية بيان التنديد والرفض الذي كان سياسيو الخليج عاكفين على صياغته.. إيران بعد ساعة من الضربة الإسرائيلية الأمريكية وجّهت صواريخها لدول الخليج العربي قبل أن توجهها للكيان الإسرائيلي، منتهكة بذلك حرمة الإسلام والدين والجوار، قبل أن تنتهك السيادة الوطنية للدول الخليجية، وكأن قائمة الاستهداف لدول الخليج جاهزة ومحضّرة من قِبَل إيران قبل أن تبدأ الضربات الإسرائيلية الأمريكية التي لم تعلم بها دول الخليج أصلا..!! قطر والخليج كله - شعوبا وحكومات - صدم من هذه الخطوة الإيرانية التي نقلت المعركة من استهداف عمق الكيان الصهيوني إلى استهداف عمق دول الخليج بكل ما فيها ومن فيها.. الصواريخ والمسيّرات الإيرانية وصلت إلى عواصم الخليج.. الدوحة والرياض والكويت والمنامة وأبوظبي ودبي.. قبل أن تصل إلى العمق الصهيوني.. فمن ضرب إيران هو الكيان الإسرائيلي وأمريكا وليست دول الخليج. نددت قطر واستنكرت في صباح يوم 18 مارس بعد أقل من ساعة من قيام الكيان الإسرائيلي بقصف حقل «بارس» الإيراني للغاز، فماذا كان الرد الإيراني وكيف كافأت إيران دولة قطر؟ الرد الإيراني لم يكن على الكيان الإسرائيلي الذي ضرب منشآتها للغاز، بل كان على قطر.. إيران كافأت قطر قبل المساء في نفس يوم 18 مارس بعد أقل من 8 ساعات بقصف مدينة راس لفان وحقل الشمال للغاز، مما أدى إلى إعلان قطر للطاقة عن القوة القاهرة بعد توقف إنتاج الغاز من حقل الشمال. هكذا ردت إيران على موقف قطر المندد للعدوان الإسرائيلي على منشآتها الحيوية.. والأغرب أن قطر والشقيقة سلطنة عمان كانتا منخرطتين حتى اللحظات الأخيرة - قبل بدء الضربات - لإيجاد حل دبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وبالرغم من ذلك أمطرت إيران سماء قطر بالصواريخ والمسيّرات، بعد لحظات من قيام الكيان الإسرائيلي وأمريكا بتوجيه ضربات لإيران، بل حتى الشقيقة عمان لم تسلم من رشقات لطائرات مسيّرة استهدفت الأراضي العمانية.. ! ولولا الله أولا، ثم الكفاءة العالية لرجال الدفاع والأمن وجاهزية المنظومة الدفاعية والأمنية في قطر والخليج عموما لرأينا دماء سالت بغزارة، وضحايا سقطوا بكثرة، ومرافق حيوية هدمت، ومنشآت دمرت، وبنى تحتية خربت، ومطارات ومحطات مياه وكهرباء وغاز استهدفت، وأرزاق الناس قطعت... كلا لا أبالغ في ذلك.. هل تعلمون أن عدد الصواريخ والمسيرات التي أطلقت على دول الخليج حتى يوم 31 مارس بلغ 5290 صاروخا ومسيرة بنسبة 85%. فيما عدد الصواريخ التي أطلقت على إسرائيل حتى يوم 31 مارس بلغ 980 صاروخا ومسيرة بنسبة 15%. بل حتى صبيحة عيد الفطر المبارك، والمصلون يؤدون صلاة العيد بالمساجد في عواصم خليجية، كانت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية تنهمر عليهم.. لم تراعِ إيران حتى قدسية هذا اليوم، الذي هو عيد ويوم فرح عند المسلمين، وهي الدولة المسلمة والجارة.. إيران تقلص - وتكاد تنفد - مخزونها من الصواريخ والمسيرات باستهداف دول الخليج العربي وليس الكيان الإسرائيلي، وهذه حقيقة. ماذا لو صححت إيران بوصلتها باتجاه الكيان الإسرائيلي، وحوّلت ما ترسله للخليج من صواريخ إلى هناك، أليس هذا هو المنطق؟، خاصة أن دول الخليج أعلنت أنها لن تسمح باستخدام أراضيها وأجوائها وتنأى بنفسها عن أي صراع. الجميع يتذكر جيدا الموقف الخليجي من الضربات الإسرائيلية الأمريكية على إيران في يونيو 2025 - ما عرف بحرب 12 يوما - فقد اتسم موقف دول الخليج بالرفض الصريح والإدانة للضربات، وتمسكت بمسار التهدئة والحوار وعدم التصعيد، وحذرت من انزلاق المنطقة لحرب إقليمية شاملة لا يمكن السيطرة عليها، وأعلنت - كما حصل مع هذه الحرب - أنها لن تسمح باستخدام أراضيها، أو أجوائها لشن هجمات ضد إيران. والأكثر من ذلك أن من قام بالوساطة لوقف الحرب على إيران هي قطر، رغم ما لحقها من أذى واستهداف من إيران آنذاك إلا أنها تسامت على كل ذلك من أجل المصلحة العليا للمنطقة وشعوبها، والحفاظ على الأمن والاستقرار، قبل أن تتهاوى المنطقة برمتها في أتون صراع لا آخر له. إيران خسرت ليس فقط الدول الخليجية، بل قبل ذلك خسرت تعاطف شعوب المنطقة ، ففي حرب «12» يوما التي شنت عليها في يونيو 2025 كان هناك تعاطف شعبي عربي معها بدرجة كبيرة، لأنها حصرت معركتها مع الكيان الاسرائيلي، بينما اليوم للأسف «تاهت» بوصلتها، فخسرت شعبيتها. إيران ارتكبت خطأ استراتيجيا فادحا باستهداف دول الخليج العربي، التي كان يشكّل البعض منها «رئة» تنفست منها طهران عقودا من الزمن، فيما دول أخرى حملت ملفات إيران وأزماتها السياسية مع المجتمع الدولي، كما قطر وعمان، وعملت على حلحلة هذه الأزمات، وحققت نجاحات في محطات عدة، أبرزها الاتفاق النووي بين أمريكا وإيران في 2015 بوساطة عمانية، والإفراج عن ودائع مالية إيرانية من قبل أمريكا قدرت بـ 6 مليارات دولار وتبادل سجناء في 2023 بين واشنطن وطهران بوساطة قطرية، إضافة إلى جهود دبلوماسية متعددة قامت بها قطر لإيجاد بيئة تفاوضية وفتح نوافذ حوار بين إيران والاتحاد الأوروبي ودول أخرى، بهدف إبعاد المنطقة عن الأزمات وترسيخ الأمن والاستقرار فيها، والعمل للحفاظ على مقدرات المنطقة وشعوبها من الضياع في حروب لا طائل منها، لطالما كانت المنطقة ساحة لها، وأحرقت كل ثروات المنطقة، التي هي أولى بالتنمية من الدخول في حروب وصراعات تستنزف هذه الثروات، التي لو صرف «عُشرُها» لكانت المنطقة «جنة» وعاشت شعوبها برفاهية عالية وحياة رغيدة كريمة. إيران باستمرارها للشهر الثاني باستهداف دول الخليج هي تحرق «سفن» العودة لعلاقات مستقرة بينها وبين جوارها العربي. دول الخليج لا تريد الانجرار للوقوع في «فخ» الدخول بالحرب، وهي متماسكة ومحافظة على ذلك، لكن إيران للأسف الشديد بتصرفاتها الرعناء والطائشة واللامسؤولة تدفع نحو توسيع رقعة الصراع، وتحقيق هدف «إسرائيل» بالزج بدول الخليج في هذه الحرب. نريد وقفا فوريا لهذه الاعتداءات العسكرية على الدول الخليجية إذا كانت إيران - حسب التصريحات الشفوية - تريد علاقات حسن جوار مع جيرانها، لكن للأسف نسمع كلاما «منمقا» من إيران، ونرى أفعالا عسكرية تستهدف عواصمنا الخليجية. خلال الأعوام القليلة الماضية تحسنت نوعا ما العلاقات الخليجية الإيرانية، وظهرت حسن نوايا من الجانبين، وكنا نتطلع لبناء المزيد من الجسور، بدلا من هدمها بهذا التصرف الأهوج، الذي يحتاج لسنوات طوال لإعادة بناء الثقة بينها وبين جيرانها. إننا لم نختر الجغرافيا التي نتواجد فيها، ولا يمكن لأي طرف - العرب أو إيران - أن يغيّر الجغرافيا، أو يقصي أحدهما الآخر ويبعده لقارة أخرى، وهو ما يفرض علينا جميعا البحث عن السبل الكفيلة بالتعايش معا في جغرافيا محددة، بحسن الجوار، بعيدا عن التقاتل والصراع. لأكثر من 45 عاما - منذ قيام الجمهورية الإسلامية في 1979 - لم تستقر علاقات إيران مع دول الخليج، بعضها وفي فترات معظمها، رغم رسائل إيجابية بادرت بها دول مجلس التعاون الخليجي، ومحاولات لبدء صفحة جديدة في العلاقات بين الجانبين في محطات مختلفة، وصل الأمر بدعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لحضور قمة مجلس التعاون الخليجي بالدوحة في 2007، أملا في بناء علاقات قوية، وفتح صفحة جديدة. إلى هذه اللحظة، ونحن بالشهر الثاني من الحرب، وصواريخ إيران ومسيراتها تنهمر على العواصم الخليجية، إلا أن دول الخليج لازالت متمسكة وحريصة على حسن الجوار، فلم تنجر للرد على ذلك، ولازالت تتحلى بضبط النفس، وتدير الأمور بحكمة، وتفكّر بمستقبل المنطقة وشعوبها، على أمل أن تسترجع إيران رشدها، ويفكّر قادتها كذلك بمستقبل المنطقة، وكيفية التعايش بين شعوبها، بعيداً عن الحروب والصراعات والفتن، التي طحنت المنطقة لسنوات، وأدخلتنا في أزمات.
2004
| 02 أبريل 2026