رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إذا صدَّقنا أن تحالفا دوليا سوف يقضي بقوة السلاح على "دولة" داعش وسيوقف الإرهاب، فإننا نكون بذلك قد أخطأنا في التشخيص وفي العلاج.
(1)
أتحدث عن الاجتماعات التي عقدت في جدة يوم 11/9 وفي باريس يوم 15/9، والتي قيل إن 40 دولة شاركت فيها للتصدي لخطر داعش باعتباره رمزا لإعصار الإرهاب الذي ضرب المنطقة. وهي الاجتماعات التي أثيرت فيها وبعدها مجموعة من الأسئلة حول من سيشارك من الجو ومن سيقاتل على الأرض، وهل ستكون المشاركة بالجند والسلاح أم بالتسهيلات والمعلومات. إلى غير ذلك من التفاصيل التي غاصت في الفروع وتجاوزت الأصول والجذور.
قبل أن استطرد فإنني لا أستطيع أن أتجاهل المفارقة التي صرنا بصددها، حين وجدنا أنفسنا بعد ثلاث سنوات قد انتقلنا من التحليق في آفاق الحلم، وارتطمنا بتجليات الكابوس. بل إن ما بدا آنذاك (في عام 2011) أنه ربيع عربي أيقظ أشواق التغيير وأشاع قدرا هائلا من التفاؤل بالمستقبل، أصبح يصور الآن من قبل البعض بحسبانه لعنة حلت بالأمة حتى أصبح يشار إليه باعتباره خرابا عربيا عند الحد الأدنى، ومؤامرة عند الحد الأقصى. بل صار فعل الثورة يوصف بأنه خطيئة وجريمة ويورد المشاركين فيه موارد الشبهة والاتهام.
لن أختلف مع من يقول بأن الربيع العربي لم ينته، وأن ما نحن بصدده هو جولة في مسار له ما بعده، ولعلي كنت أحد القائلين بذلك. لكن ذلك لا ينبغي أن يغير من حقيقة توصيف المرحلة التي نحن بصددها، والتي أشرت في مقام آخر، أي أنها من تجليات ربيع الثورة المضادة. ذلك أن السؤال المطروح الآن لم يعد كيف نوفر العيش في ظل الحرية والكرامة الإنسانية، وهي الشعارات التي رفعتها الثورة المصرية في 25 يناير عام 2011، والتي ما عادت تذكر الآن. وإنما بات الشاغل الأكبر للجميع هو كيف نواجه الإرهاب ونتصدى للتطرف بكل أشكاله. ولا تفوتنا هنا ملاحظة أن الشعب، ممثلا في طلائعه التي ثارت، هو الذي رفع الشعارات سابقة الذكر، في حين أن أغلب الأنظمة العربية والحكومات الغربية هي التي رفعت رايات الحرب ضد الإرهاب وطوت صفحة الشعارات الأولى، مؤيدة في ذلك ببعض عناصر النخبة وأبواق الإعلام.
(2)
حين انتقلنا من الحلم إلى الكابوس صار شعار المرحلة هو: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ضد الإرهاب. وقدم الإرهاب باعتباره مشكلة الحاضر والمستقبل والعرب والعجم والعقبة الكأداء التي تهدد الاستقرار والتقدم والحضارة الإنسانية بأسرها. وظهرت حركة داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، لكي تجسد كل تلك المخاطر وتعتبر دليلها الدامغ. ولم تقصر الحركة في تثبيت هذه الفكرة، وإنما وفرت كل ما يدل عليها بالصوت والصورة. لكن أحدا لم يسأل من أين جاءت داعش؟ ومن وراءها؟ وهل كل الآخرين دواعش؟
إن الحرب ضد إرهاب "داعش" التي يجري التحضير لها الآن تكاد تكرر تجربة الحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد تنظيم القاعدة ولم ينس أحد وقائعها، لكن يبدو أن الجميع ــ بمن فيهم واشنطن ــ نسوا درسها. ومن المفارقات ذات الدلالة أن الاجتماع التنسيقي لإعلان الحرب ضد "داعش" تم في جدة يوم 11 سبتمبر، في ذكرى غارة القاعدة على برجي مركز التجارة العالمي في منهاتن (عام 2001) الذي دفع واشنطن إلى إعلان حربها ضد إرهاب القاعدة، ومن ثم احتلال أفغانستان وغزو العراق في عام 2003.
لقد كان السلاح هو الوسيلة الأساسية التي استخدمت لمواجهة القاعدة، وظن الرئيس الأمريكي آنذاك، جورج دبليو بوش، أن المهمة قد اكتملت وأنه انتصر في المعركة. وفي المواجهة تم تجاهل البيئة الاجتماعية والثقافية التي خرجت منها القاعدة وانتهت بتحالفها مع حركة طالبان. كما وظفت بعض الأنظمة حينذاك شعار الحرب على الإرهاب لقمع وتصفية حركات المعارضة على أراضيها بمباركة من الجميع. وانتهى الأمر بسقوط نظام طالبان وضرب تنظيم القاعدة وقتل بن لادن، لكن الإرهاب لم يتوقف، وتحولت القاعدة من تنظيم جرى إضعافه إلى فكرة انتشرت في أماكن عدة وترددت أصداؤها في آسيا وإفريقيا ودول المغرب العربي، التي لم يتوقف فيها العنف المسلح تحت مسميات عدة كان الجهاد أبرزها. ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، لأن البذرة وجدت بيئة وتربة مواتية في العراق، فاستنبتت جماعة داعش، التي غدت نموذجا أسوأ وأكثر شراسة وأبعد طموحا من القاعدة ومن طالبان.
لست أشك في أن التحالف العسكري المفترض يمكن أن يقوض أركان دولة داعش، وأن يدمر قواعدها ويقضي على قادتها، وفي المقدمة منهم "الخليفة" أبو بكر البغدادي، لكن السلاح لن يستطيع بسهولة أن يقضي على المشروع أو الفكرة، لسبب جوهري أنه قد يبيد الشجرة ولكنه سيقف مكتوف الأيدي وعاجزا أمام الفكرة والتربة.
بكلام آخر، فداعش ليس تنظيما أو مجموعة هبطت فجأة على الأرض العراقية، لكنها ثمرة تفاعل عناصر عدة، المعلوم منها تداخل فيه غضب أهل السنة مع أشواق بعض المتدينين والصوفية مع بصمات الطبع العراقي مع حنين بقايا جيش صدام حسين، أما غير المعلوم فالاحتمالات فيه مفتوحة على مصارعها ودور أجهزة المخابرات فيها لا ينكر. إن شئت فقل إن خلفية داعش تكمن فيها عوامل عدة، اجتماعية وطائفية وسياسية وثقافية. وهذه كلها لا تصيبها الصواريخ ولا تستطيع أن تصل إليها طائرات "درون" من غير طيار. ذلك أنها عوامل ثابتة تتحدى أي تحالف عسكري مهما بلغت قوته. الأهم من ذلك أنها ليست كلها سلبية، لأنها لا تخلو من إيجابية، ويظل التحدي الاجتماعي والسياسي هو كيف يمكن إنضاج ما هو إيجابي وتطويق ما هو سلبي. وذلك لا يتم إلا من خلال عمل سياسي وثقافي ولا يجدي فيه العمل العسكري، الذي يمكن أن يثمر نتيجة عكسية، بحيث يعزز مكانه ما هو سلبي ويحاصر ويقطع الطريق على ما هو إيجابي.
(3)
ما الذي جرى للعالم العربي؟ ــ كان ذلك سؤال الموضوع الرئيسي لمجلس الإيكونوميست البريطانية الذي صدر في الخامس من شهر يوليو الماضي. وكان عنوان الغلاف هو: مأساة العرب. ذكَّر تقرير المجلة القارئ الغربي بأن بغداد ودمشق والقاهرة كانت يوما ما منارات العلم والمعرفة والتقدم في العالم. كما أن الإسلام اقترن بالإبداع والتسامح وحرية الاعتقاد والتجارة، ولكن ذلك كله انقلب رأسا على عقب الآن، بحيث ساءت سمعة عالم العرب وعواصمه، كما شوه الإسلام وأصبحت الصورة التي يطالعها العالم عنه مثيرة للنفور والاشمئزاز، بوجه أخص فإن التقرير وصف بالتفصيل ما جرى في العالم العربي في أعقاب السنوات الثلاث الأخيرة (ابتداء من عام 2011) وكيف أن الآمال التي كانت معقودة على انطلاقة نحو المستقبل تراجعت واحدا بعد الآخر، ولم ينج من ذلك التراجع سوى دولة واحدة هي تونس، التي احتفظت بزخم الثورة ولا تزال تتمسك بالمسار الديمقراطي.
تحدث التقرير عن القلق ومخاوف الأقليات وعدم الاستقرار في العالم العربي، وكيف أن ذلك كله إذا كان قد ظهر في بعض دول «الربيع» التي تغيرت فيها الأنظمة، إلا أنها تشمل أيضا الدول النفطية الغنية، التي توحي ظواهر الأمور باستقرارها. ذلك أن تلك الدول الأخيرة إذا كان قد عم فيها الإشباع والوفرة الاقتصادية، إلا أنها تعاني الحاجة الملحة إلى الإصلاح السياسي، الذي تقاومه بشدة الأنظمة المحافظة المهيمنة.
من الملاحظات المهمة التي سجلها التقدير أن صوت التطرف عال ومسموع في العالم العربي، لكن صوت الاعتدال خافت، في حين أن المجتمع المدني هش ولا حضور يذر له. الأمر الذي لا يوفر فرصة كافية للتفاؤل بمستقبل الاستقرار والديمقراطية في العالم العربي.
(4)
تقرير مجلة الإيكونوميست يبدو وكأنه استطلاع يؤيد ما ذهب إليه العلامة عبد الرحمن الكواكبي (1854 ــ 1902) في كتابة طبائع الاستبداد. وهو الذي أرجع كل مفاسد المجتمع وشروره إلى شيوع الاستبداد وغياب الديمقراطية بتعبيرنا المعاصر، ذلك أن تقرير المجلة البريطانية خلص إلى أن مشكلة العالم العربي الحقيقية تكمن في افتقاده إلى الإصلاح السياسي الذي يعلي من شأن قيم المساواة والمشاركة والتعددية السياسية والشفافية واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون...إلخ.
أدري أن هذا التحليل يصعب القبول به في الأجواء العربية الراهنة، وأن المحتشدين في اجتماعات جدة أو باريس أو أي اجتماعات إقليمية أخرى على استعداد للذهاب إلى أبعد مدى في الحرب ضد الإرهاب، الذي يبدأ بداعش وينتهي بأي معارضة سياسية داخلية، إلا أنهم على غير استعداد للتقدم خطوة واحدة باتجاه الإصلاح السياسي أو الديمقراطي. بل لعلي لا أبالغ إذا قلت الدول الأكثر حماسا لمواجهة الإرهاب في العالم العربي هي ذاتها التي تعارض الإصلاح السياسي وتتقدم صفوف الثورة المضادة.
لا أعرف عاقلا يمكن أن يدافع عن الإرهاب أو يبرره، خصوصا إذا تم التعامل معه في حدود كونه عملا يتوسل بالعنف والتخويف لفرض الرأي بالإكراه على الآخرين، لكن الحوار الذي نحن بصدده يتلمس الطريق نحو اتباع أفضل السبل وأنجحها لمقاومة الإرهاب.
من هذه الزاوية يرشح الإصلاح السياسي والتطبيق الديمقراطي كمدخل رئيسي ووحيد لتحقيق تلك الغاية. ومعلوم أن ذلك ليس من شأنه بالضرورة القضاء على الإرهاب، لكن الذي لا شك فيه أنه يقلص من وجوده ويبطل الكثير من الذرائع المؤدية إليه.
إن داعش ومشروعها وأي مشروع آخر من جنس ما تنادي به وتتبناه لا يقضى عليه بأي تحالف عسكري، لكنه يمكن أن يختنق ويموت في بيئة ديمقراطية من شأن قيمها أن تذوب وتهذب حدة التجاذبات والتقاطعات الاجتماعية والطائفية وحتى السياسية والثقافية. لكن ذلك كله يحتاج إلى بيئة مواتية تختلف عن تلك المسكونة بالمرارات والمظالم المخيمة في العالم العربي.
إن طريق السلامة بيِّن وطريق الندامة أبيَن، وعلينا أن نختار: إما أن نواجه الإرهاب بالإصلاح السياسي والديمقراطية، أو نواجهه بالصواريخ والمدرعات وطائرات درون. وسالك الطريق الأول يذهب ويعود سالما وغانما، أما سالك الطريق الثاني فهو ذاهب إلى مغامرة لا نعرف كيف سيرجع منها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8742
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3414
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2946
| 30 أكتوبر 2026