رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يشكل قرار الإمارات بتغيير طريقة تسعيرة بعض المشتقات النفطية الرئيسية نقلة نوعية في عملية إعادة هندسة الدعم على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي.
وربما توفر تجربة الإمارات حافزا لبعض الدول الأخرى في المنظومة الخليجية لتغيير مستويات أسعار بعض السلع الإستراتيجية المدعومة حاليا عبر جعلها قريبة من المستويات العالمية أينما كان ممكنا وضروريا.
فابتداء من شهر أغسطس غيرت الإمارات العمل بنظام الأسعار المحلية الثابتة والمدعومة للبنزين والديزل إلى نظام جديد عبارة عن تعديل الأسعار شهريا بواسطة لجنة مختصة.
وهذا يعني تسعير بعض المشتقات النفطية وفق اتجاهات الأسعار على مستوى العالم والتي يجب أن تكون متروكة لعوامل العرض والطلب بطريقة أو أخرى. المعروف بأن تكتلات مثل منظمة أوبك تؤثر على مستويات عرض النفط الخام وبالتالي الأسعار، الأمر الذي يحد من قانون العرض والطلب.
مؤكداً، هناك الكثير من الأسباب التي دعت الإمارات لإعادة هندسة الدعم من قبيل ضمان بقاء الثروات النفطية للأجيال القادمة والحفاظ على البيئة والتنمية. طبعاً لا يمكن التغاضي عن مسألة المالية العامة في خضم تراجع أسعار النفط منذ منتصف 2014 وعليه التأثير سلبا على إيرادات الخزانة العامة.
ركزت الإمارات في الماضي على التنويع الاقتصادي لتقليص الاعتماد على القطاع النفطي.
الجديد في الأمر عبارة عن الحد من الدعم الحكومي لتحقيق بعض هذه الأهداف الاقتصادية عبر تعزيز الإيرادات وتقليص المصروفات.
التصور الموجود بأن التغيير سوف لن يؤثر بشكل نوعي على موازنة الأسرة في الإمارات. تشير الأرقام الرسمية بأن الصرف على البنزين لما قبل قرار الزيادة كان يمثل نحو 4 بالمائة من مجموع نفقات الأسرة الإماراتية، ما يعني بأنها ليست كبيرة، بل إن الزيادة الفعلية سوف تطال الأجانب والذين يمثلون قرابة 90 بالمائة من السكان.
وكان لافتا قرار الهيئة المختصة بتخفيض أسعار الديزل 29 بالمائة مقابل زيادة رفع قيمة البنزين بواقع 24 بالمائة مع دخول المشروع الجديد حيز التنفيذ وفي ذلك رسالة بأن إعادة الهندسة لا تعني بالضرورة أو دائما رفع مستويات الأسعار وبأن الأمر سوف يعكس التوجهات العالمية، على أن يتم تحديد ذلك شهريا.
يبقى أن الأسعار الجديدة لبعض المشتقات النفطية في الإمارات أقل من المستويات العالمية. السعر الجديد للبنزين من نوعية 95 أوكتان بعد ارتفاعه عبارة عن 58 سنتا أمريكيا للتر الواحد، أي أقل من المتوسط العالمي وقدره دولار للتر.
في المقابل، تراجع سعر الديزل لحد 56 سنتا للتر مقارنة مع 96 سنتا للتر على مستوى العالم.
تتعارض الإحصاءات حول حجم التوفير المالي المتوقع للإمارات من جراء إعادة هندسة الدعم. فحسب تقرير لصندوق النقد الدولي، يوفر إصلاح المشتقات النفطية نحو 500 مليون دولار مع نهاية 2015، لكن تقارير أقل صدقية تتحدث عن توفير 7 مليارات دولار سنويا.
كما لا يمكن التغاضي عن الفوائد الأخرى لتعديل الأسعار، مثل الحد من الانبعاثات وعوادم السيارات، عبر التأثير على خيار استخدام العربة الخاصة.
وربما يذهب بعض غير المواطنين لخيار المشاركة في السيارة الواحدة للانتقال إلى ومن العمل أو بالنسبة لمدارس الأطفال في حال توافر الإمكانية.
طبعا الخيار الآخر في إمارة دبي عبارة عن استخدام المترو والذي بدأ تشغيله في عام 2009 في تجربة رائدة على مستوى مدن مجلس التعاون الخليجي.
وليس من الواضح فيما إذا كانت الإمارات سوف تتبع إعادة سياسة دعم البنزين والديزل بالتوجه نحو تقليص الدعم المقدم للغاز الطبيعي. وربما يكون هذا القرار أكثر صعوبة لارتباطه بالقطاع الصناعي وما لذلك من دور في الاقتصاد المحلي.
لا يندرج الحديث عن إعادة هندسة دعم بعض المشتقات النفطية بسبب وجود نقص في الثروات النفطية، بل حول الاستخدام الأمثل للثروات.
حقيقة القول، جاء في نسخة 2015 من تقرير الإحصاءات ومصدره شركة بريتيش بتروليوم بأن دول مجلس التعاون بصورة مجتمعة تتحكم بنحو 30 بالمائة من إجمالي احتياطيات النفط المعروفة في العالم. تستحوذ الإمارات على نحو 6 بالمائة من الاحتياطي النفطي العالمي وهي نسبة ضخمة بالنسبة لبلد واحد في منتج إستراتيجي، أي الذهب الأسود.
كما تمتلك الإمارات ثروة سيادية أكثر من أي دولة في العالم، كما يؤكده معهد الثروة السيادية.
لدى الإمارات نحو 1.2 تريليون أو 1200 مليار دولار من الثروة السيادية.
حقيقة القول، تعتبر أسباب إعادة هندسة الدعم في بعض الدول الأخرى في مجلس التعاون أكثر أهمية من الإمارات. فحسب تقرير متخصص صدر حديثا بواسطة بنك دوتشه الألماني، يشكل دعم قطاع الطاقة نحو 2.9 بالمائة و4.6 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في الإمارات والسعودية على التوالي.
بل أسعار البنزين في بعض دول مجلس التعاون أقل من الإمارات بشكل نوعي حتى قبل التعديل الأخير. على سبيل المثال، يبلغ سعر البنزين في السعودية 16 سنتا للتر الواحد، أي أكثر بكثير من الإمارات.
توجد نية في ثلاث دول أخرى أعضاء في مجلس التعاون وتحديدا الكويت وعمان والبحرين لإعادة هندسة دعم المشتقات النفطية، لكن قرار التطبيق سوف لن يكون هينا. وربما تنتظر هذه الدول نتائج تجربة الإمارات فيما يخص إعادة هندسة دعم المشتقات النفطية قبل اتخاذ خطوات تنفيذية.
ويلاحظ في هذا الصدد تراجع البحرين عن تطبيق فكرة إعادة هندسة دعم اللحوم الحمراء للمزيد من الدراسة. وكان من المقرر تطبيق نظام جديد للحوم الحمراء ابتداء من أغسطس، أي بالتزامن مع خطوة الإمارات بالنسبة للمشتقات النفطية.
في المحصلة، يعتبر قرار الإمارات بإعادة هندسة أسعار المشتقات النفطية خطوة غير عادية بالنسبة لدولة تتمتع بثروات نفطية هائلة من جهة وثروة سيادية ضخمة من جهة أخرى.
آفاق الاقتصاد الخليجي
15 % نسبة ارتفاع النفقات العامة تتوقع المؤسسات الدولية ذات العلاقة والمعنية بالمسائل الاقتصادية في العالم أداء طيبا... اقرأ المزيد
780
| 30 ديسمبر 2018
تكيف المنظومة الخليجية مع أسعار النفط
توجيه دفة الاقتصاد الوطني لتقوية القطاع الخاص يوماً بعد آخر يتبين بالأدلة المادية تمكن اقتصادات دول مجلس التعاون... اقرأ المزيد
610
| 16 ديسمبر 2018
نفقات السائح الخليجي
توجيه الاستثمارات لبناء وتطوير المطارات السائح الخليجي مرحب به في الدول الأوروبية بشكل خاص نظراً لتمتعه بالصفات الحيوية... اقرأ المزيد
828
| 09 ديسمبر 2018
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11682
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8679
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3720
| 22 أكتوبر 2026