رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعض رموز خط المقاومة من دول وأحزاب وأشخاص الذين لم يغيروا رأيهم ومواقفهم من النظام السوري حتى الآن والذين لا يزالون يصرون على دعمه رغم تصادمه مع شعبه لأكثر من سنة ونصف ورغم الفظائع اللا إنسانية واللا أخلاقية واللا وطنية التي يرتكبها ضدهم ورغم افتضاح كل الأكاذيب التي يحاول التغطي بها.. هؤلاء وبالقطع واليقين لا بالتخمين والتحليل لا ينطلقون من حب المقاومة ولا من دعمها وإنما من شيء آخر علينا أن نعترف به وأن نبحث عنه.. إنه الطائفية البغيضة في أقبح صورها أو النفعية المصلحية في أضيق معانيها..
ولا يمكن أن يكونوا أكثر قومية ومقاومية من رئيس الوزراء السوري ومئات الضباط والألوية والعمداء وآلاف الجنود المنشقين وملايين السوريين الثائرين.. لذا فمن لا يزال يدعم هذا النظام حتى الآن ممن يتوهمون أنفسهم يدعمون المقاومة إنما هم بذلك إنما يجرمون في حق المقاومة ويفرقون الناس عنها بهذا الانحياز الأعمى والأصم والأبله وهو أمر يؤسف له ؛ يؤسف له أولا: لما سيعود عليهم بمثل ما عاد على " ميشيل سماحة " الذي ورطه النظام السوري في خيانة بلده بما حرق رصيده السياسي والوطني وبما أخجل أولاده وأهله ؛ وثانيا: لما سيعود على المقاومة ذاتها من إدانة وما سيعطي خصومها من حجة ولسان يهاجمون به طهوريتها وكماليتها.. وما نشاط البعض " أيتام شارون " في لبنان ضد سلاح المقاومة إلا نبذة عما يمكن أن تؤول إليه الأمور..
وإذا خرجنا عن ميزان المبادئ لنحاور بعض من تحكمهم المصالح من داعمي المقاومة.. فنسألهم: هل ظل من المراهنة على بقاء هذا النظام شيء؟ وهل الأمل في أعلى حدوده يتجاوز إطالة أمد الأزمة لأيام أو لشهور؟ ثم هل يستحق هذا الرهان أن تفرطوا بالرأي العام الذي طالما استندتم إليه واستنصرتم به؟ وهل تستحق الأيام أو الشهور – إن بقي منها شيء - أن تستنزفوا لها رصيدكم الوطني والثوري الذي كسبتموه بدماء زكية بذلتموها ودفعتم بها في المعركة؟
وإلى هؤلاء أقول: إن قضية الشعب السوري اليوم - في منظورها الاستراتيجي والتاريخي - هي قضية ككل قضايا التحرر ؛ أخلاقية ووطنية وثورية ومطلبية من الدرجة الأولى.. يجب رصدها والتعامل معها في هذا الإطار، وعلى كل الذين دعموا المقاومة ضد العدو الصهيوني في يوم من الأيام أن يدعموا أهداف هذه الثورة وأن يدللوا بالمواقف العملية والمعلنة على أنهم مع الحرية كمبدأ ومع المقاومة كقيمة عليا، وأنهم عندما يرفضون الاحتلال الصهيوني فإنهم لا يرفضونه عن عنصرية قومية أو دينية أو مذهبية ولا من منطلق مصلحي نفعي ضيق، وأن مواقفهم الوطنية والقومية لا تتجزأ ولا تتجير.. بالتالي فإن عليهم أن يتخلوا عن هذا النظام الفاجر وعن رئيسه الطائفي الأحمق القاتل.. وإلا فهم بدعمهم له ورغم كل ما يفعل إنما يشخصنون المقاومة ويحصرونها في مجموعة ذوات منحرفة.. وهذا غاية الظلم للمقاومة بقدر ما هو غاية الإضرار بها كقيمة وكمفهوم..
عندما يشخصن هؤلاء المقاومة في ذات رئيس – بشار - فاعل لكل أنواع الموبقات، وعندما يشخصنونها في حزب – البعث - فئوي انطوائي استئصالي متهرئ فاسد مستبد ومعلن الكفر البواح.. هذه الشخصنات أليست تجعل المقاومة مكشوفة تحت ما يجب أن تكون محصنة منه؟ أليست تنفي عنها صفات الوطنية والقومية والعمومية والطهورية والعدالة؟ أليست تضربها في مصداقية اتجاهها نحو التغيير؟ وإذا كان تحرير الأوطان وحماية المقاومة هو غايتهم وهو مطلبهم وهو هجرتهم الحقيقية، ولم تكن نوازع الطائفية والمصالح المادية الضيقة ومقاصد الاسترزاق المجرد هو دافعهم ؛ فلماذا لم يفهموا - حتى الآن - أن من حق الشعب السوري أن يمارس حريته وحياته كما يشاء؟ ولماذا لم يفهموا حتى الآن أن بشار وحزبه ونظامه لم يخلقوا ليكونوا آلهة تعبد من دون الله؟ وأن الوطنية إن لم تقم على رصيد من الأخلاق العملية فإنها لا تشترى بالخطب الكلامية في مؤتمرات القمة ولا بادعاء العروبية والقومية والبعثية.. ولا حتى بدعم المقاومة على سبيل المقايضة والمعاوضة؟
ولماذا لا يأخذون خط حركة حماس التي لا يستطيع أحد أن يتهم حرصها على المقاومة؟ ها هي وهي المدينة للنظام السوري بحمايتها لإحدى عشرة سنة.. ها هي عندما وجدته يرفض وساطتها مع المعارضة ويمعن في الدماء والقتل ويرتكب الموبقات وينحاز للطائفية السوداء.. ها هي تتخلى عنه وتحتفظ بمسافة واضحة منه لا ينكرها إلا أعمى أو مغر..
حماس عندما تتخلى عن نظام قاتل يرفضه شعبه ؛ هي لا تتخلى عن نصير ولا عن رفيق سلاح، ولا هي تبصق في الصحن الذي أكلت منه.. فقد وقفت مع كل الحركات والأحزاب ضد الأعداء.. وإنما - وهو ما ينبغي أن يعرفه وأن يتنبه إلى الفرق فيه كل أنصارها – لأن المبدأ عندها هو المبدأ، ولأنها تعدل في الرضى والغضب، ولأنها تتعالى على حاجاتها وتنحاز لمطالب الشعوب العادلة والمحقة.. فالعدل واحد والحرية واحدة ولا يمكن أن يكون مقاوما من يرضى بقتل شعب كل جريمته أنه يقدس الحرية وأنه يريد أن يكون محترما ومختارا كما كل الشعوب الحية..
البعض ربما يطلب من حماس أن تبرز موقفا أكثر تميزا وأكثر صراحة في مواجهة النظام السوري.. وربما يطلبون ذلك عن حسن نية لما تمثله حماس في وجدان الرأي العام من قوة ولما تمثله مواقفها من معيارية أخلاقية تجاه من تتخذ مواقفها إزاءهم، ولما في صراحة انحيازها ضد النظام السوري من كشف لما تبقى من غطاء أخلاقي يحاول النظام التداري به والتمدد خلفه.. أو أن البعض ربما يحاول بمثل هذا الطلب التناغم مع الغرب وإسرائيل لنيل مكان أو مكانة أو لتصدير رسالة هنا أو هناك.. في كل الأحوال وأيا كان دافع هذا المطلب فإنه غير واقعي ولا هو من الحكمة في شيء ؛ ولا داعي له فلم يعد أحد مخدوعا بدعاوى الوطنية والقومية التي يرددها النظام السوري وأزلامه الذين ليس يهمهم موقف حماس منه ولا أن تقبل عليه أو أن تدبر عنه.. ثم إن حماس علمتها الأحداث والمواقف وأخطاء الآخرين أن لا تغرق في الفتن الداخلية للنظم والشعوب.. وأن ذلك أدى ويؤدي لإضرار بالغ بحق الفلسطينيين.. هذا الفهم هو الذي ميز حماس ومواقفها وهو الذي وفر لها قاعدة تقبل أوسع مما يتوفر لكل الأحزاب والحركات والمنظمات الفلسطينية على الإطلاق..
لقد صار واضحا أن ما يجمع النظام السوري ومؤيديه اليوم ليس دعم المقاومة ولا هي نوازع الوطنية ولا الحفاظ على جبهة الصمود وإلا فما وجود النظام العراقي الحالي - صنيعة الاحتلال الأمريكي – حليفا له وفي صفه!! وصار واضحا أن الخيارات لم تعد إما المقاومة أو العمالة، ولكنها الطائفية المذهبية فقط..
آخر القول: الصحيح أن وطنية وقومية ونظافة الشعب السوري هي التي جعلت النظام المعيب بالطائفية والخرب من القيم الإنسانية والخاوي من الأخلاق الفاضلة والغارق في العمالة السوداء يقوم بأدوار وصفت بالوطنية والقومية والثورية.. أما وقد تصادم مع شعبه وعاد لأصل فجوره وخوائه وإلى طبيعته وقباحته فإن على كل مقاوم من حركة أو حزب أو دولة وعلى كل نصير له أن يكونوا أول من يدين هذا النظام وأول من يتبرؤون منه مهما كانت الوشائج التي جمعتهم أو لا تزال تجمعهم به.. فالشعب السوري أبقى من كل النظم التي تحكمه وأنفع لأمته..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8742
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3318
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2940
| 30 أكتوبر 2026