رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عُقدت قمة حلف شمال الأطلسي- حلف الناتو الأسبوع الماضي 11-12 الجاري-في فيلنيوس عاصمة ليتوانيا (كانت جمهورية محتلة من الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة)-شكلت القمة انجازاً تاريخياً-غير مسبوق. بكونها القمة الثانية بعد قمة مدريد العام الماضي التي أرست موقفا واضحا بأن روسيا تشكل أكبر تهديد للأمن الأوروبي بعد الاعتداء على سيادة أوكرانيا وتغيير طبيعة الجغرافيا في أوروبا بالقوة العسكرية...
قمة الناتو الثانية منذ اندلاع حرب روسيا على أوكرانيا، والأولى التي تشارك فيها فنلندا-لتنهي حيادها تجاه روسيا منذ عدة عقود وتضاعف مساحة حدود دول الناتو بزيادة 1300 كلم مع حدود روسيا. لتصبح العضو 31 لأقوى حلف عسكري في التاريخ في أبريل 2023.
كما وضعت القمة السويد الدولة الاسكندنافية الأكبر والأقوى بقدرات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية على سكة الانضمام للحلف بعد ممارسة الحياد كفنلندا- وذلك بعد رفع الرئيس أردوغان الفيتو على انضمام السويد للحلف بعد موافقتها على تسليم الشخصيات التي تصنفها تركيا بالإرهابية من الأحزاب الكردية ورفع حظر تزويد تركيا بالسلاح-برغم توجيه أردوغان انتقادات لاذعة لموافقة الحكومة السويدية على طلبات حرق نسخ من القرآن الكريم كانت احدها أمام السفارة التركية في استكهولم. وببراغماتية ومقابل تنازلات من أمريكا بالعمل على تزويد تركيا بصفقة مقاتلات F-16، ودعم السويد عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي بعد خمسة عقود من الانتظار، تراجع الرئيس أردوغان وسيعمل مع البرلمان التركي لبدء إجراءات انضمام السويد لحلف الناتو.
لكن كانت الصدمة كما كان متوقعاً بعدم دعوة أوكرانيا للانضمام لحلف الناتو ولا حتى وضع جدول زمني لانضمامها للحلف. منذ البداية لم يكن واقعياً طلب وإصرار زيلنسكي على عضوية أوكرانيا في حلف الناتو. خاصة أن أوكرانيا في حالة حرب مفتوحة مع روسيا- وتقبل عضوية الدولة الحلف في حالة حرب- ولا يتوفر إجماع للدول الأعضاء على قبول أوكرانيا في الحلف. معلوم أن المادة الخامسة في ميثاق الحلف تخول الدولة المُعتدى عليها (أوكرانيا) طلب تفعيل المادة الخامسة، يعد اعتداء يستوجب على جميع الدول الأعضاء في الحلف الدخول بحرب بشكل مباشر ضد روسيا.
لذلك كما كان متوقعاً، تم إرجاء انضمام أوكرانيا إلى الحلف حتى تكون في وضع يسمح بعضويتها بنهاية الحرب وعندما تلبي الشروط المتعلقة بالعضوية! مما أغضب واستفز الرئيس الأوكراني فولاديمير زيلنسكي الذي انتقد الحلف بوصف موقفه بالضعيف أمام روسيا- مما أغضب الطرف الأمريكي والأوروبي. وعلّق وزير الدفاع البريطاني بين ووالس-أن على زيلنسكي إبداء مزيد من التقدير لما يقدمه الغرب من دعم ومساندة لأوكرانيا في مواجهتها في الحرب ضد روسيا خلال السبعة عشر شهراً الماضية. خاصة مع تأكيد الرئيس الأمريكي جو بايدن الالتزام بدعم أوكرانيا بلا تردد برغم تراجع تأييد قياديّ الحزب الجمهوري وخاصة ترامب وديسانتس متصدري المرشحين عن الحزب حسب استطلاعات الرأي. وكذلك تراجع تأييد الناخبين الأمريكيين وخاصة الجمهوريين من الدعم اللا-مشروط لأوكرانيا وآخرها الموافقة على امداد أوكرانيا بقنابل عنقودية محرم استخدامها من 100 دولة ومقاتلات F16 التي حذر وزير الخارجية الروسي لافروف أن ذلك سيؤدي لتعقيد العلاقات ويشكل تهديدا نوويا لروسيا! يتزامن ذلك مع تعثر الهجوم المضاد الذي تشنه القوات الأوكرانية منذ أكثر من شهر لاستعادة أجزاء من الأراضي والمناطق تسيطر عليها القوات الروسية في الأقاليم الأربعة التي ضمتها من أوكرانيا وتشكل حوالي 20% من مساحة الأراضي الأوكرانية بمساحة 100 كلم مربع!
لكن أهم انجازات القمة توسيع عدد الدول الأعضاء ومضاعفة حدود دول الناتو مع روسيا- هو التأكيد على وحدة وتماسك الحلف بمواجهة روسيا والحد من أطماعها ضمن مفهومي الحرب الباردة والحرب بالوكالة. والتأكيد على دعم أوكرانيا عسكرياً وسياسياً، حتى مع عدم منح أوكرانيا العضوية. وتكرار الرئيس بايدن استعداد أمريكا ودول الناتو الدفاع عن كل شبر (انش) من أراضي الأعضاء... في إعادة تأكيد التزام الحلف التمسك بمفهوم الأمن الجماعي للدول الأعضاء في مواجهة أي تهديدات وخاصة من روسيا.
وحتى في المستقبل من الصين في مناطق نفوذ الغرب. حيث تسعى كل من روسيا والصين على التأثير وترك بصماتهم على النظام العالمي المتعدد الأقطاب قيد التشكيل وعدم ترك الغرب التحكم بتشكيله ودوره ونفوذه برغم ضعف روسيا من الحرب وتمرد مرتزقة فاغنر. وهذا سينعكس على علاقتنا مستقبلاً مع الطرفين!
حققت قمة الناتو أهدافها وانتصاراً لقيادة بايدن. وكذلك انتصارات لأردوغان والسويد وخسارات مدوية لبوتين وزيلنسكي. وأتت نتائج إعلان فلينوس في نهاية القمة واضحة في تعميق حالة الحرب الباردة بين الغرب وروسيا وحلفائها، وذلك لتأكيد خسارة بوتين وروسيا الاستراتيجية وليس العسكرية، لتكبيده ثمن حربه على أوكرانيا حتى تشكل حالة رادعة تمنعه من تكرار مغامرات الاعتداءات. وهذا ما يكرره المسؤولون الروس وأخره بعد يوم من انتهاء قمة الناتو. كررت وزارة الخارجية الروسية هدف الولايات المتحدة والناتو إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا والعودة لمخططات الحرب الباردة، لتحافظ على هيمنتها العالمية. وسعي حلف الناتو لتكريس صورة وموقف سلبي والمبالغة بتهديدات الصين.
يدعم هذه المواقف الروسية المتشنجة تصريحات وشطحات الرئيس السابق دونالد ترامب والمتصدر مرشحي الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة عام 2024، بتحذيره المبالغ فيه أن قرار الرئيس بايدن إرسال 3000 من قوات الاحتياط إلى أوروبا كارثي ويترك حدودنا غير محمية...وأن إدارة بايدن تدفع أمريكا إلى حرب عالمية ثالثة»!
لا شك أن تلك المواقف جميعها تعمق وتعقد النسخة الثانية من الحرب الباردة بين الغرب وروسيا. وتعيد عقارب الساعة لحقبة الحرب الباردة الأولى المستنزفة بين القطبين بعد الحرب العالمية الثانية. بسباق تسلح نووي محموم وبحروب بالوكالة والاستنزاف أودت بحياة 70 مليون إنسان!
قطر: تفند حملة الاتهامات... وتتمسك بدبلوماسية حل النزاعات!!
وصف سمو أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في كلمته بواقعية سياسية في الجمعية العامة... اقرأ المزيد
264
| 04 أكتوبر 2026
مغالطات خطاب نتنياهو الموتور.. فشل وتطاول وعزلة ومهاجمة الجميع!
تعيش المنطقة حرباً مستمرة منذ 28 فبراير، مضيق هرمز لم يعد ممراً آمناً، والحوثيون يهددون ملاحة باب المندب... اقرأ المزيد
321
| 27 سبتمبر 2026
هل تنجح دول التعاون في إنهاء حرب أمريكا وإيران؟
الحاقا لمقالي الأسبوع الماضي في الشرق -" مستقبل المظلة الأمريكية والأمن الخليجي بعد الحرب على إيران"- أؤكد في... اقرأ المزيد
537
| 20 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12144
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9936
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3471
| 22 أكتوبر 2026