رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"ليلة الكرامة" التركية أبهرت العالم
الحشود المليونية نزلت للميادين تلبية لنداء الرئيس وحفاظاً على مسيرة الديمقراطية
لم نعرف أردوغان إلا مدافعاً عن قضايا العرب والمسلمين ومحتضناً للاجئين وملاذاً للمضطهدين
بشار واجه الشعب بالدبابات.. فيما أردوغان واجه الدبابات بالشعب
لم تكن تركيا أو حزب العدالة والتنمية أو أردوغان وحده في ميدان معركة الديمقراطية مساء أمس ، بل إن شرفاء كثر من العالم كانوا في الميدان حاضرين وإن كانوا عن بعد.
لماذا كل هذا التعاطف، بل التأييد المطلق مع الرئيس رجب طيب أردوغان في " ليلة الكرامة " التركية، ليس من شعبه الذي زحف بالملايين إلى الميادين، بل من الشعوب العربية والإسلامية؟.
لم نعرف عن تركيا و"أردوغانها " منذ تولي حزبه حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا عام 2002، إلا انحيازه إلى القضايا العربية والإسلامية بصور شتى، وما لحظة " ون منت " في منتدى دافوس 2009، حيث انتفض أردوغان مزمجراً في وجه رئيس الكيان الإسرائيلي بيريز مدافعا عن غزة، ومعريا زيف وكذب الصهاينة، وكاشفا جرائمهم في عدوانهم على غزة، إلا واحدا من مواقف رجولية عديدة.
لم نعرف عن أردوغان إلا احتضانه لملايين اللاجئين من أشقائنا السوريين وغيرهم من العرب الذين اتخذوا من تركيا ملاذا آمنا لهم، بعد أن طاردتهم أنظمة بلدانهم.
لم نعرف عن أردوغان إلا أنه أعاد للمساجد دورها، وللمآذن تكبيراتها، وللحجاب قدسيته، وللإنسان التركي كرامته، وللدولة هويتها...
لم نعرف عن أردوغان إلا أنه نقل تركيا من دولة " هامشية "، تلهث خلف الدول، وتقف عاجزة تتسول الاتحاد الأوروبي، ومدينة لصندوق النقد الدولي بـ 26 مليار دولار، إلى دولة تحتل المرتبة 16 في الاقتصاد العالمي بعد أن كانت تحتل المرتبة 111، ولم يعد عليها دولار لصندوق النقد الدولي، بل أقدمت على تقديم قرض لصندوق النقد الدولي بقيمة 5 مليارات دولار، وباتت تعتمد على نفسها في كل صناعاتها، بما فيها العسكرية، وأصبح دخل الفرد فيها نحو 13 ألف دولار بعد أن كان لا يتجاوز 2700 دولار خلال 10 سنوات فقط.
لم نعرف عن أردوغان إلا محتضنا أبناء الثورات العربية، الذين طاردتهم أنظمتهم القمعية، بعد نجاح الثورات المضادة، فكانت تركيا هي الملاذ الآمن لهم من المطاردات...
في سنوات عشر استطاع حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس أردوغان أن يحدث نقلة نوعية قل نظيرها على مستوى العالم.. في التعليم.. الصحة.. الاقتصاد.. البنية التحتية.. القوة العسكرية.. يكفي أن نعلم أنه خلال هذه السنوات حدث الآتي:
الناتج القومي لتركيا عام 2013 حوالي تريليون ومائة مليار دولار.
أردوغان قفز ببلاده قفزة مذهلة من المركز الاقتصادي 111 إلى 16 بمعدل عشر درجات سنوياً، مما يعني دخوله إلى نادي مجموعة العشرين الأقوياء الكبار في العالم.
تركيا صنعت وللمرة الأولى في عهد حكومة مدنية أول دبابة مصفحة، وأول ناقلة جوية، وأول طائرة بدون طيار، وأول غواصة، وأول قمر صناعي عسكري حديث متعدد المهام، وتتطلع في العام المقبل لصناعة أول حاملة طائرات.
أردوغان في عشر سنوات بنى 125 جامعة جديدة، و189 مدرسة و510 مستشفيات و169 ألف فصل دراسي حديث ليكون عدد الطلاب بالفصل لا يتجاوز 21 طالبا، وأصبح التأمين الصحي متوافرا لكل فرد من أفراد الشعب التركي.
في تركيا تعمل الدولة جاهدة لتفريغ 300 ألف عالم — للبحث العلمي للوصول إلى عام 2023..!؟
في تركيا ارتفعت الرواتب والأجور بنسبة 300%، وأصبحت ميزانية التعليم والصحة أكبر من ميزانية الدفاع، وأعطي المعلم راتبا يوازي راتب الطبيب.
تركيا كانت صادراتها قبل مجيء حزب العدالة 23 مليارا، أصبحت 153 مليارا لتصل إلى 190 دولة في العالم.. وتحتل السيارات المركز الأول، تليها الإلكترونيات، حيث إن كل ثلاثة أجهزة إلكترونية تباع في أوروبا هناك جهاز صناعة تركية.
هذا هو الرئيس أردوغان الذي انتفض الشعب التركي عن بكرة أبيه عندما سمع خطابه الـ "12" ثانية، والذي دعا من خلاله الشعب للنزول إلى الميادين والمطارات، ليس لحماية أردوغان، إنما لحماية مسيرة الديمقراطية، وعدم عودة العسكر للهيمنة على الحياة السياسية، وهي التجربة المريرة التي عاشها الشعب التركي خلال 4 مرات سابقة.
لم تمض لحظات حتى كانت الميادين قد امتلأت بالحشود الهادرة تلبية لنداء الرئيس، فوقفت الجماهير أمام دبابات الانقلابيين، حاملين علم تركيا، لم نشاهد صورة أردوغان يحملها ولو شخص واحد، فالوطن هو الذي يعيش الخطر.
كلمات محدودة قالها أردوغان بكل ثقة دون حراسة: أنا سأكون معكم بعد قليل في الميادين، وسنحاكم الانقلابيين.
الشعب التركي لمس حجم التقدم والتطور الذي شهده في عهد حزب العدالة، وبالتالي عرف قيمة نعيم الحرية والديمقراطية والكرامة التي عاشها في ظل هذا الحزب بقيادة أردوغان، الذي سعى إلى بناء المواطن التركي، وإعلاء قيمته، واحترام إرادته، وتوظيف قدراته من أجل خدمة الوطن، وتسخير إمكانات الوطن من أجل المواطن.
واقعة كنت طرفا فيها. في عام 2013 وتحديدا في شهر مايو، كنت في زيارة إلى تركيا ضمن وفد إعلامي محدود بمناسبة مرور 10 سنوات على تولي حزب العدالة الحكم في تركيا، فكان ضمن الجدول زيارة تلفزيون خبر، وفي قاعة صغيرة جلست مع فتاة تركية معدة ومنتجة برامج، لا ترتدي الحجاب، ولباسها قصير، وتدخن، وكانت الانتخابات البلدية آنذاك قريبة، فسألتها عن خيارها القادم في الانتخابات، وكل الذي في ذهني مسبقا أنها ستصوت لأحد الأحزاب العلمانية، لكنها ودون تردد أجابت: سوف أصوت لحزب العدالة، توقفت قليلا مبتسما، وقلت لها: عذرا على السؤال، لكن هيئتك من خلال لباسك وتحررك تقول إنك بعيدة عن حزب ذي توجه إسلامي، ولديه أيديولوجية معينة، قاطعتني قائلة: أنا لا علاقة لي بفكر الحزب أو انتماءاته، أنا أنظر إلى ما قدم لي هذا الحزب، وبدأت بالحديث عن إنجازات حزب العدالة، فكان مما قالت وأتذكره: لم تكن الأسرة التركية تستطيع أن تملك سيارة مستعملة، بينما اليوم كل بيت في تركيا لديه أكثر من سيارة ومن الوكالة. دخلنا لم يكن يتجاوز 2700 دولار في 2002، اليوم 2013 دخلنا يصل إلى 13 ألف دولار. التعليم مجاني، الجامعات في كل مدينة وقرية، التأمين الصحي لجميع أفراد الشعب.
حقيقة أذهلتني هذه الفتاة غير المحجبة، بتفكيرها المنطقي والواعي والمتقدم، استرجعت هذا الموقف وأنا أشاهد مساء أمس الأول غالبية من في الشارع من غير المحجبات، ولفت نظري كيف أقدمت فتاة غير محجبة على مساعدة أخرى محجبة عندما سقطت على الأرض.
هذا الحشود المليونية التي وضعت أرواحها على أكفها في كل مدن تركيا، وهي خارجة للميادين تلبية لنداء من رئيس يحاول أفراد من العسكر الانقلاب عليه، لم تخرج إلا لأنها عايشت الحياة الكريمة التي وفرها هذا الرئيس، وكيف كان أمينا على هذا الوطن، فانتشله من مراتب متأخرة إلى مقدمة الأمم، وأصبح لتركيا اليوم حضور عالمي، يحسب له ألف حساب.
وكذلك المختلفون مع الرئيس أردوغان، أو الأحزاب المعارضة، كان الجميع على قلب رجل واحد، لم تفرقهم السياسية، بل إن حماس ودفاع من هم مختلفون مع أردوغان، كان أكثر منه حدة، كما ظهر ذلك في تصريحات الرئيس السابق عبدالله غل، الذي عرف عنه في السابق هدوؤه، إلا إنه في "ليلة الكرامة" انتفض، وقال هذه تركيا، ليست دولة في أفريقيا، والأمر نفسه مع رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، هؤلاء لم يختلفوا على الوطن في ساعة الشدة، ووقت المحنة، وضعوا اختلافاتهم جانبا، ونزلوا للميدان صفا واحدا، وكانوا كالجسد الواحد، إنهم كبار في المواقف، فرسان في الخصومة، شرفاء في العمل، ألا يا ليت قومنا العرب يتعلمون من ذلك.
كان الإجماع الوطني هو العلم التركي، الذي التف حوله كل الأتراك، مؤيديهم ومعارضيهم، لم يحملوا صورا لأردوغان، إنما حملوا العلم التركي، ولم يرقص الشعب بعد فشل الانقلاب، إنما اتخذوا الساحات والميادين مصلى في صلاة الفجر جماعة، بعكس ما حدث في دول عربية عندما تحولت الميادين وقاعات الانتخابات إلى رقص وغناء مبتذل.
في خطابه بمطار أتاتورك باسطنبول وجه رسائل غاية في الأهمية بعد أن حط بطائرته، من بين ما قال: إن السلاح الذي نشتريه، والطائرات التي نمتلك هي لحماية الوطن، وليس لقتل المواطنين، ووجه خطابه للجيش قائلا: أنتم جيش محمد لا ينبغي لكم رفع السلاح في وجه المواطنين.
"جيش محمد" تحمل رسائل عدة، أقربها محمد الفاتح، الذي فتح القسطنطينية "اسطنبول حاليا"، وفيها الاعتزاز بميراث الشعب التركي وأجداده، وأنهم أحفاد أولئك القوم الفاتحين، ليعطيهم العزة والفخر.
السلاح الذي تشتريه الدول بعرق الشعب، واقتطاع رزقه، لا ينبغي أن يوجه في نهاية الأمر إلى صدور الشعب، فمن يعي هذا الأمر، فها هو بشار يبيد الشعب بسلاح اشتراه من مال الشعب.
فرق بين أردوغان تركيا وبشار سوريا
بشار واجه الشعب بالدبابات..
فيما أردوغان واجه الدبابات بالشعب..
انتصر الشعب التركي الطامح للحرية والديمقراطية، والرافض لعودة العسكر إلى الحياة السياسية، بعد تجارب مريرة، حتى وإن تطلب الأمر بذل الدماء، فللحرية الحمراء باب، بكل يد مضرجة يدق، كما قال الشاعر الكبير أحمد شوقي.
لم يذهب الأتراك بعد فشل الانقلاب في نهاية "ليلة الكرامة" إلى بيوتهم، بل ظلوا في الميادين العامة حتى هذه اللحظة للحفاظ على مكتسبات مسيرتهم، وللتأكيد على دعم شرعية حكومتهم، وليؤكدوا للعالم أنهم ملتفون حول رئيسهم، فلا مجال للمساومة على الوطن.
الشعب التركي ضرب أروع الأمثلة خلال المحاولة الانقلابية العسكرية الفاشلة، وتركيا ما بعد 15 يوليو 2016 لن تكون كما كانت قبله، وأردوغان الذي حصل حزبه في آخر انتخابات على نحو 52% هو اليوم تجاوز ذلك بكثير، ولن يجرؤ أي طرف على الدخول في مغامرة مجنونة كما حدث مساء 15 يوليو، فالشعب التركي اليوم وصل إلى مرحلة النضج الديمقراطي، ولن يقبل بالعودة من جديد إلى "عسكرة" مؤسساته المدنية.
شكرا شعب تركيا قدمت للعرب درسا جديدا!.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6570
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
987
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد لله الذي بلغنا شهر الصيام والقيام، يحلّ علينا ونحن في شوق كل عام لهذا الضيف العزيز، الذي جعله الله محطة لتزودنا بالتقوى والزهد، والسكينة تعلو فيه الهمم، وتنكسر فيه حدة الشهوات والتعلق بملذات الحياة. وهذا كله من الحكم التي من أجلها فُرض الصيام تصديقًا لقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) [البقرة] وضع الله سبحانه وتعالى التقوى غاية للمسلم، التي من أجلها فُرض الصيام، فهي ثمرته الحقيقية التي يصل بها إلى بلوغ المرام، وبها يتعلم الإنسان ويتدرب ويتعوّد على ضبط شهواته، ومراقبة ربه في السر والعلن. في رمضان فرصة عظيمة لنجدّد العهد مع الطاعة، ونقوي تواصلنا وعلاقتنا بالخالق سبحانه وتعالى. فعلى الرغم من أن فريضة الصيام لا تتكرر إلا مرة في العام، إلا أن لها أثرًا عظيمًا في القلوب، وتغييرًا عميقًا في السلوك لمن أحسن استغلال هذه الأيام واغتنام نفحاتها. والصيام في المجمل من أجل الأعمال، وأعظمها أجرًا، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به) رواه البخاري. فإبهام جزاء الصوم من الله تعالى يعد تشريفًا لهذه العبادة لم تنله عبادة أخرى. كل هذا الفضل والرفعة في الصيام على إطلاقه، فكيف بصيام الفريضة، الذي أوضح لنا النبي الكريم ﷺ ثوابه العظيم، فقال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. فاللهم وفقنا لصيام هذا الشهر الكريم احتسابًا، وأعنّا فيه على بلوغ التمام، وارزقنا في هذا الركن الثمين العفو والمغفرة، وزودنا يا الله بالتقوى والإخلاص في القول والعمل، يا رب العالمين.
846
| 18 فبراير 2026