رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

بدور المطيري

• كاتبة وصحفية كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

297

بدور المطيري

قائد في ذاكرة قطر

15 يوليو 2026 , 01:47ص

استيقظتُ على رنين عدة مكالمات من قطر، وما إن أجبت حتى سمعت صديقتي القطرية تجهش بالبكاء وهي تردد "مات أبونا".

لم أحتج أن أسألها عمَّن تعني، فقد أدركت أنها تتحدث عن صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله.

ساد بيننا صمت طويل. لم أعرف ماذا أقول، ولم أجد كلمات يمكن أن تخفف من حزنها. في تلك اللحظة أيقنت أن هناك رجالًا يعجز الرثاء عن الإحاطة بمكانتهم، وأن الكلمات، مهما بلغت بلاغتها، تقف عاجزة أمام قامات صنعت تاريخًا، وتركت أثرًا لا يزول برحيل أصحابها.

عرفت قطر منذ سنوات طويلة، وفيها من الأهل والأصدقاء ما جعلها وطنًا قريبًا إلى القلب، وكانت كل زيارة إليها تحمل دهشة جديدة، دهشة مدينة تتغير، ومؤسسات تتطور، وطموح يكبر عامًا بعد عام.

قطر الصغيرة في مساحتها، لكنها أثبتت للعالم أنها كبيرة في رؤيتها، وحضورها، وما حققته من إنجازات جعلتها تتبوأ مكانة مرموقة بين دول العالم.

ولم يكن ذلك الفصل المشرق من تاريخ قطر الحديث وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية قائد آمن بأن بناء الأوطان لا يبدأ بما تملكه من ثروات، وإنما بما تمتلكه من رؤية وإرادة. فكثير من الدول تملك الموارد، لكن القليل منها ينجح في تحويلها إلى مشروع وطني يغير حاضرها ويصنع مستقبلها.

لم تكن عوائد الغاز هي الحكاية، فالثروات قد تمنح الدول فرصة، ولكنها لا تمنحها مستقبلًا. فالمستقبل يحتاج إلى صاحب رؤية يعرف كيف يحول الموارد إلى تنمية، وكيف يجعل الاقتصاد وسيلة لبناء الإنسان، لا غاية بحد ذاته. ومن هنا بدأت قطر رحلة مختلفة، اتسعت فيها قاعدة اقتصادها، وتعزز حضورها الاستثماري، حتى أصبحت تجربتها التنموية محل اهتمام كثير من دول العالم.

ولكي تعرف توجهات صاحب الرؤية فعليك أن تعرف أول لبنة قام ببنائها فلم يكن الاستثمار في الإنسان أقل أهمية من الاستثمار في الاقتصاد، فقد جاء تأسيس مؤسسة قطر، واستقطاب الجامعات العالمية إلى المدينة التعليمية، ليؤكد أن بناء العقول هو الاستثمار الذي لا يفقد قيمته مع الزمن، ثم جاءت رؤية قطر الوطنية 2030 لتضع إطارًا طويل المدى لمسيرة التنمية، وتؤكد أن المستقبل لا يُترك للصدفة، بل يُبنى بالتخطيط والعمل.

وامتدت هذه الرؤية إلى خارج حدود الوطن، فكان لقطر حضور بارز في المبادرات الإنسانية، وجهود الحوار والوساطة، ودعم القضايا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، انطلاقًا من إيمان بأن قوة الدول لا تقاس بما تحققه لنفسها فحسب، بل بما تقدمه لمحيطها من دعم وإسهام في تحقيق الاستقرار.

ثم جاء حضور قطر العالمي في الدبلوماسية والإعلام والرياضة امتدادًا لهذه المسيرة، وكان تنظيم بطولة كأس العالم قطر 2022 تتويجًا لسنوات طويلة من التخطيط والإعداد، بدأت في عهد الأمير الوالد، واستكملت في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، لتقدم للعالم صورة مشرقة عن دولة عربية استطاعت أن تحول الحلم إلى واقع.

وأنا أستمع إلى صديقتي وهي تبكي، أدركت أن الشعوب لا تنادي قادتها بصفات رسمية في لحظات الفقد، ولكن بالأسماء التي اختزنتها قلوبها. ولذلك قالت بعفوية "مات أبونا". كانت تلك الكلمة وحدها كافية لتختصر علاقة قائد بشعبه، وتختصر سنوات من القرب والانتماء والوفاء.

قد يرحل الإنسان، لكن الأوطان لا تنسى من منحها جزءًا من عمره، ولا يغيب من جعل من خدمة وطنه رسالة. وستبقى سيرة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني جزءًا من ذاكرة قطر والخليج والعالم، ترويها الإنجازات قبل الكلمات، وتحفظها المؤسسات قبل الكتب، ويستحضرها كل من يرى في قطر اليوم قصة وطن آمن برؤيته، فصار مثالًا يُحتذى.

رحم الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن وطنه وأمته خير الجزاء، وألهم أسرته الكريمة والشعب القطري الصبر والسلوان.

مساحة إعلانية