رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مرت بالأمة العربية ثلاث حقب تاريخية منذ النصف الثاني من القرن العشرين، الحقبة الأولى في تصنيفي حقبة الخمسينيات والنصف الأول من الستينيات، فيهما جموح عربي منقطع النظير: ثورة مصر 1952 وما أصابها من عداء وحروب، وقاومت واندفع الشارع العربي مؤيدا لها. وقامت أول وحدة عربية عام 1958 بين مصر وسورية، ووحدة الهاشميين بين بغداد وعمان، ورحب بها بعضهم وعاداها آخرون. فشلت الوحدة الأولى لأسباب وأسباب ليس هنا مجال تعدادها، ولم يكتب للثانية النجاح، ثورة أخرى في بغداد أطاحت بنظام ملكي عام 1958 وإعلان الجمهورية ولاقت تأييد الجماهير من المحيط إلى الخليج، وانتصار الثورة الجزائرية، وإعلان استقلال تونس، وتحرر الجنوب العربي من الاستعمار البريطاني، وقام فيه دولة مستقلة ذات سيادة، وانسحاب بريطانيا من الخليج العربي. والحق أنها كانت حقبة مليئة بالأحداث التي رفعت الروح المعنوية لدى المواطن العربي طمعا في مستقبل أفضل لأمة كان لها فضل في تاريخ الحضارة الإنسانية.
(2)
بدأت في المرحلة الثانية النكسات والهزائم تتتابع، وليست أصابع إيران بعيدة عنها، بدءا من منتصف ستينيات القرن الماضي (حرب 1967)، لا لضعف أمتنا العربية، ولكن لتخاذل بعض الحاكم العرب ونكاية بعضهم ببعض وانقسم الشارع العربي بين تأييد هذا الحاكم، أو ذاك وتشتت موارد الأمة وانكسرت قوتها وهيمنة إسرائيل على فلسطين كلها، وألحقت بها مرتفعات الجولان وشبه جزيرة سيناء، وكانت حرب 1973 ضد إسرائيل، واستعادت الأمة العربية ثقتها بنفسها وتحقق النصر على عدو ضن أنه لن يهزم، لكنه نصر لم يمتد به الزمن، والحاكم العربي هو أس الهزائم، وكانت ثورة الشعب الإيراني 1979 التي أطاحت بنظام ملك الملوك محمد رضا بهلوي وصفقت الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج لتلك الثورة وراحت مسيرات التأييد الجماهيرية تطوف بشوارع العديد من العواصم العربية، وراحت وفود شعبية عربية من دول عربية مختلفة لتهني الثوار والشعب الإيراني بتحقيق ثورته.
لم تلتقف القيادات الإيرانية الثورية تأييد الجماهير العربية لها وللثورة، بل أعلن قادة الثورة عزمهم على تصدير ثورتهم إلى دول الجوار ومنها إلى العالم الثالث. فكانت نقطة البدء التحرش بالعراق الشقيق انتقاما لخروج الخميني من العراق قبل اشتعال الثورة، فكانت حرب الثماني سنوات التي انتهت بهزيمة إيران. اعترفت القيادات العربية بالأمر الواقع في طهران وتبادلت التمثيل الدبلوماسي معه وتبادلوا الزيارات، وأكثرهم من دول مجلس التعاون الخليجي، معظم قيادات إيران زاروا عواصم الخليج العربي (رفسنجاني- خاتمي- أحمدي نجاد وروحاني) إلى جانب عواصم عربية أخرى.
(3)
حاول قادة عرب كثيرون استرضاء إيران، بل قال أحد قادة دول مجلس التعاون مرشد الثورة الإيرانية خامنئي: "أنت أيها المرشد مرشدنا جميعا وليس إيران وحدها"، ولم يشفع له ذلك القول. لم ينتظر ذلك الحاكم العربي طويلا حتى تم اكتشاف خلايا إيرانية في بلاده، وفي معيتها خلايا لحزب الله اللبناني، تكدس السلاح الفتاك وتحرض على أمن تلك الدولة وجوارها العربي. وقبل ذلك، كادت تفجيرات أن تؤدي بحياة أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح، كما تم اختطاف طائرة كويتية مدنية. وفي البحرين، حدّث ولا حرج. ولم تسلم المملكة العربية السعودية من أذى إيران وأتباعها في المنطقة، والعراق شاهد على ما تفعل به إيران، وسورية ولبنان، وأخيرا اليمن، لن أتحدث عن عمليات التشييع في أكثر من دولة عربية من المحيط إلى الخليج. والحق أن العرب لم يتعاملوا مع إيران بمثل ما تتعامل معهم، لم تحرض الحكومات العربية منفردة أو مجتمعة على الإخلال بأمن وسلامة الجبهة الداخلية الإيرانية وسلامتها. لم تجند البلوش والأحوازيين والأكراد السنة على أي أعمال تخل بالداخل الإيراني، بل أذهب بعيدا وأقول إن دول الخليج العربية رغم محاولات إيران العبث بأمنها لم تسمح بدخول أراضيها لأي معارض إيراني سواء كان من عرب الأحواز أو أهل السنة من البلوش الذين يطالبون بحقوقهم المشروعة. حاول قادة دول الخليج العربية استرضاء إيران، بما في ذلك دولة الإمارات العربية المتحدة التي تحتل إيران جزرها (طنب الصغرى، والكبرى، وأبو موسى) فلم تزدد إيران إلا غطرسة وتعاليا.
(4)
يقول كاتب عربي مرموق: "إيران أصبحت رقما مهما في المنطقة يتعذر تجاهله، وهي تتجه لأن تصبح رقما أكثر أهمية. لذلك فإن الملف يستحق حوارا جادا بين الطرفين ينطلق من الاعتراف بأن كل طرف أساء إلى الآخر"، يا سيدي، لنترك الحرب العراقية الإيرانية جانبا، ونؤكد القول بأن العرب لم يسيؤوا لإيران إطلاقا، بل أساءت للعرب، قولا وعملا. دعا أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إيران إلى حوار جاد مع دول الخليج، كان الجواب هو بالرفض. ألم يقل وزير خارجية السعودية السابق الأمير سعود الفيصل: "إيران دولة كبيرة وجارة ولا شك بأن لها دورا في المنطقة، ولكن هذا الدور يجب أن يكون له إطار يراعي مصالح الدول الخليجية"، ثم جاء الرد الإيراني زيادة في تجهيز الخلايا السرية للعبث بأمن دول الخليج العربية.
سؤال أطرحه على صاحب الدعوة لانحناء العرب لإيران: هل إيران على استعداد لرفع يدها عن العراق وسورية ولبنان، واستعدادها للذهاب إلى محكمة العدل الدولية لتفصل في أمر الجزر العربية المحتلة، وعلى استعداد أن تكف يدها عن التدخل في المسائل الداخلية، في دول الجوار، والكف عن تشكيل أحزاب طائفية معادية لبعض الحكومات العربية؟ عليها أن تبادر لفتح صفحة جديدة مع الجوار وعلينا أن نتمم المسيرة.
العرب لا يكنون العداء للشعب الإيراني ولا يتدخلون في شؤونه الداخلية ولا يحرضون أهل السنة في إيران على حكومتهم، نحن نؤمن بحق الجوار ونعترف بأن بيننا وبينهم عقيدة مشتركة. لماذا يا صاحب الرأي لا تكتب دعوتك لإيران بألا يتدخلوا في شؤوننا، وتدعوهم إلى تحكيم العقل وتثقفهم بحق الجوار، ولا يبقون يجترون التاريخ القديم، فالإسلام يجب ما قبله، وإذا كان خلاف قد أدى إلى حرب السنوات الثماني، فقد انتهت بخيرها وشرها، وغاب رموزها.
آخر القول: كفوا يا معشر الكتاب العرب عن التزلف لإيران، وأملنا في "عاصفة الحزم" كبير لإعادة اعتبار الأمة بعد وهن عربي كبير.
الحكومة الشرعية اليمنية والحوثيون ودعاة الانفصال
شُغِل الإنسان العربي الغيور بحال أمته الذي يسير من سيئ إلى أسوأ. في أقصى بلاد المغرب العربي ثبّتت... اقرأ المزيد
1302
| 03 يونيو 2025
بركان سياسي أوروبي يثور ضد إسرائيل والعرب يتفرجون !
تتسع دوائر الرفض العالمي لحرب الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وعلى وجه التحديد في قطاع... اقرأ المزيد
1350
| 27 مايو 2025
سورية الشرع والعراق السوداني وفلسطين محمود عباس
سورية الجديدة بقيادة الشرع ورفاقه ما برحت تواجه عواصف داخلية وخارجية واقليمية وهي صامدة تعمل ليل نهار من... اقرأ المزيد
2172
| 29 أبريل 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9684
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3456
| 22 أكتوبر 2026