رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ساعد توجه الدول النامية للأسواق العالمية للاستفادة من التدفقات الاستثمارية الخاصة لإيجاد مفهوم الأسواق المالية الناشئة والناضجة للتمييز بين أسواق الدول النامية والدول الصناعية الحديثة، وما يتمتعان به من مواصفات بغية الاستفادة من الأموال الأجنبية المتوفرة إلى جانب توجهها نحو اقتصاد السوق وخصخصة الشركات، جعل هذه الدول تتوجه لتدعيم جهودها وإمكاناتها نحو تطوير وإحياء أسواق الأوراق المالية لجذب مزيد والاستفادة من الوفورات المتدفقة، بالإضافة إلى المميزات الأخرى، كالتخلص من عبء المديونية وخفض تكلفة رأس المال والتخصيص الأمثل للموارد والاستخدامات في ضوء الخواص المتميزة لهذه الأسواق ومقدرتها على جلب اهتمام المستثمرين الأجانب للحصول على طرق التمويل المتنوعة، تحقيقا للنمو والتنمية الاقتصادية بها، فالسوق المالية إحدى أجهزة الوساطة المالية المهمة في الاقتصادات المعاصرة، لأن هذا الجهاز يوفر للمستثمر (مالك- مساهم - مستثمر- فرد- مؤسسة - خاص - عام) الضمان والسيولة والربحية والتوازن بين هذه الأهداف، هي طموح أي مستثمر عند اتخاذ القرار السليم من قبل المتعامل في السوق المالي فيما يتعلق بالاستثمار، فالعلاقة بين مختلف المؤسسات المالية والاقتصادية في تكاملها يكون ضروريا لكل من عارضي رأس المال وطالبيه، فأي قصور في تأدية سوق الأوراق المالية لدورها سواء من ناحية الشراء أو البيع في ورقة مالية معينة فيتوجب عليهم الإلمام والمعرفة بكيفية قراءة القوائم المالية، مثل الميزانية وقوائم الدخل والتدفقات النقدية، بالإضافة لاستيعاب تحليل هذه القوائم واستخراج بعض المؤشرات المالية التي تمكنه من اتخاذ قرارات استثمارية رشيدة وتخفيض مستوى عدم التأكد المرتبطة بهذه القرارات، مما يؤدي إلى رفع فعالية وجودة أي قرار استثماري من خلال التوجيه السليم للمدخرات.
لذا يجب أن يكون جميع المستثمرين على قدم المساواة من حيث نوع ووقت المعلومات التي ترد إليهم (السوق - الورقة المالية) وهنا يمكن فقط أن تتحقق العدالة في هذه الأسواق وأن تصبح مناخًا استثماريا ملائمًا، ولذلك يشمل تقرير مؤشرات أداء الأسواق المالية الناشئة كالتالي:
أولا: سوق الأوراق المالية
يعرف سوق الأوراق المالية التقليدي بأنه مكان ذو إطار تنظيمي تلتقي به رؤوس الأموال عن طريق إصدار أدوات مالية معينة لهذا الغرض وتداول هذه الأدوات وفق قدر مناسب من العلانية والشفافية، بحيث تنعكس آثارها على جميع المتعاملين وعلى معاملاتهم، فتتحدد بناء عليها الأسعار، صعودا وهبوطا أو ثباتا، كما يتم خلالها رصد ومتابعة المتغيرات والمستجدات التي تطرأ على حركة التعامل بسهولة ويسر وبالتالي يمكن قياس أثرها ومعرفة اتجاهاتها وتحليلها والتنبؤ بما يمكن أن تكون عليه في المستقبل.
سوق الأوراق المالية الإسلامية تمثل سوقا منظمة تنعقد في مكان معين وفق أوقات دورية محددة للتعامل الشرعي، بيعا وشراء، لمختلف الأوراق المالية وتخضع أيضا لمجموعة من القوانين واللوائح والقواعد التي تنظم إدارتها وتحكم عملياتها ويقصد بالتعامل الشرعي أنه يجري التداول فيه على أوراق مالية يتم إصدارها بصيغ شرعية.
ثانيا: أنواع الأسواق المالية
تقسم سوق الأوراق المالية إلى عدة أنواع وفقا للمعايير التي تتحكم فيها وتعدد العناصر المكونة لها من:
سوق رأس المال: السوق التي يتم فيها تبادل الأدوات المالية متوسطة وطويلة الأجل، أي تستحق في فترات زمنية أطول وتتم بين الوحدات ذات العجز المالي والوحدات ذات الفائض المالي، مثل الأسهم والسندات والعقود المستقبلية، وتنقسم لنوعين من حيث الإصدار والتداول (أولية - ثانوية) (حاضرة - آجلة).
سوق النقد: السوق التي يتم بها تداول الأوراق المالية قصيرة الأجل التي تستحق فيها خلال فترة أقل من سنة والتي تتم بين الوحدات ذات العجز المالي المؤقت وذات الفائض المؤقت، مثل شهادات الإيداع والقبولات البنكية.
ثالثا: الأسواق الناشئة للأوراق المالية (Emerging Stock Markets)
تم استخدام هذا المصطلح من قبل الشركة المالية الدولية على الأسواق التي تمر بمرحلة انتقالية ويكون حجمها ونشاطها أو مستوى تطورها في نمو متزايد وحسب تعريف مؤسسة (ستاندرزاند بورز) (Standard & Poor) للتصنيف أن يتوافر بهذه الأسواق شرطان، وهما أن تنتمي لاقتصاد ذي دخل متوسط أو منخفض وفقا لتقديرات البنك الدولي ويكون رأسمال السوق القابل للاستثمار منخفضا، مقارنة بالناتج المحلي العام.
رابعا: الأسواق الحدودية للأوراق المالية (Frontier Stock Markets)،
هي أسواق أوراق مالية صغيرة نسبيا وغير سائلة مقارنة بالأسواق الناشئة وتكون المعلومات فيها أقل وفرة، وحسب تصنيف مؤسسة (ستاندرز أند بورز) أنها تعتمد على معطيات شهرية وليست يومية وغير قابلة للاستثمار فيها محليا، بل عادة أجنبيا.
خامسا: برامج تطوير أداء عمليات الأسواق المالية الناشئة.
يقصد بها تدفق المعلومات واحترام شروط الإفصاح ووجود تدقيق الحسابات والمحاسبة وفقا للمعايير المتعارف عليها، بالإضافة لمؤسسات قياس الجدارة الائتمانية، فالأسواق الأكثر نضوجا في الدول الصناعية الكبرى التي تتمتع بإطار مؤسساتي ملائم لكسب ثقة المستثمرين ولضمان تعاملات تنافسية بين المستثمرين، لأنها أسواق مالية واسعة والسيولة والتداول مرتفعان ويلعب القطاع الخاص دورا مهما في الاقتصاد، كذلك تكون المعلومات متوفرة بشكل واسع ومستوى مرتفع من التقارير والإفصاح عن المعلومات.
سادسا: مجموعات تصنيف الأسواق المالية الناشئة
يمكن تصنيف أسواق رأس المال الناشئة إلى أربع مجموعات حسب درجة تطورها، ففي المرحلة الأولى يكون في السوق عدد قليل من المؤسسات المدرجة في البورصة ورسملة السوق تكون منخفضة ويكون التركيز القطاعي للشركات عاليا والسيولة منخفضة والإطار المؤسساتي بدائيا، وفي هذه المرحلة تميل الأسعار للارتفاع، مما يشجع المستثمرين المحليين على توجيه استثماراتهم نحو سوق الأسهم والقبول بها كبديل للاستثمار التقليدي (الاحتفاظ بالبنوك)، والمرحلة الثانية ترتفع بها السيولة ويزداد عدد الشركات المدرجة بالسوق ويبدأ المستثمرون الأجانب بالاهتمام بالتنويع باستثماراتهم فيها وتكون علاقة سوق الأسهم بالاقتصاد ضعيفة، إلا أن قطاع الشركات يعتمد بشكل متزايد على التمويل بالأسهم، والمرحلة الثالثة ازدهار أكثر وتتميز بانخفاض تذبذب العائد مع نمو سريع في التداول وفي حجم إصدارات الأسهم وتتوسع رسملة السوق بشكل كبير ويهتم المستثمرون باللجوء للأدوات الاستثمارية التي تحمي من المخاطر.
أما المرحلة الأخيرة فهي مرحلة نضوج السوق، وعادة تكون السيولة ونشاط التداول مرتفعين، وتتوسع السوق بشكل كبير وتنخفض مكافأة المخاطرة لتقترب مما هو سائد في السوق العالمية، وتبدأ السوق في تحقيق نمو مستقر كما هو الحال في الأسواق الناضجة والمتطورة ومعه تصبح الأسواق المالية مقياس الاقتصاد المحلي وتعكس مقدار الثقة التي يضعها المستثمرون الأجانب.
سابعا: مؤشرات الأداء المرتبطة بنشاط ونضج الأسواق المالية الناشئة
تختلف الأسواق المالية من دولة لأخرى من حيث عدد الشركات المدرجة في السوق وعدد الشركات التي تدرج سنويا ورأسمال السوق ونسب الزيادة في صناديق الاستثمار وقيمة الأسهم المتداولة، لذلك فإن هذه الاختلافات، إلى جانب قدرة السوق على رفع رأسماله عن طريق الإصدارات الجديدة، تعكس مميزات السوق والبيئة الاقتصادية والمالية للدول، بما فيها دور وحجم القطاع الخاص ودخول الاستثمار الأجنبي للسوق والمصادر البديلة في التمويل والإطار المؤسسي، كالرقابة والإشراف وإجراءات المقاصة والتسوية والحفظ المركزي، ذلك من جانب، ومن الجانب الآخر الإطار التشريعي والتنظيمي الذي يحكم المستثمرين (محلي - أجنبي).
يمكن النظر إلى هذه المؤشرات من زاويتين، الأولى تهتم بها البورصات وتتعلق بقياس درجات أدائها انطلاقا من مقاييس نشاط ونضج السوق المالية.
والثانية يهتم بها المستثمرون لمعرفة درجة أداء الأسواق من منطلق استثماري ويرتبط ذلك بالعوائد، وتتلخص ضمن أربع مجموعات رئيسية، هي:
حجم السوق: ويقيسه مؤشران هما:
رسملة السوق: يحسب النسبة بين قيمة الأوراق المالية المسجلة للتداول إلى قيمة الناتج المحلي الإجمالي، والمعنى الاقتصادي لهذا المؤشر أنه يدرس، بشكل خاص، قدرة الاقتصاد على تعبئة رؤوس الأموال عن طريق السوق المالية، لأنه بكل بساطة يعني أن حجم السوق مرتبط إيجابيا بالقدرة على تعبئة رأس المال والتنويع والمخاطرة.
عدد الشركات المسجلة: مقياس يعبر أيضا عن حجم السوق ولو أنه يهمل، إلى حد ما، الاختلافات في قيم هذه الشركات، وتدل الزيادة في هذا المؤشر على تطور الثقافة المالية في هذه السوق وزيادة اعتماد الشركات على التمويل المباشر ويرجع ذلك إلى تطور الثقافة المالية بهذه الأسواق.
السيولة: يقصد بها سهولة بيع وشراء الأوراق المالية، وبدون تكاليف وهناك مؤشران لدراسة العلاقة بين السيولة والنمو الاقتصادي:
معدل التداول: يقيس التداول المنظم لأسهم الشركات نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي ويعكس السيولة بالنسبة للاقتصاد ككل وهو مقياس مكمل لمقياس حجم السوق، فقد تكون السوق واسعة لكن غير نشطة.
معدل الدوران: هذا المؤشر عبارة عن النسبة بين قيمة مجموع الأسهم المتداولة محليا ورأسمال السوق المحلي الذي هو عبارة عن مجموع قيم الأسهم المسجلة، فهذه النسبة تقيس قيم تداولات الأسهم نسبة لحجم سوق السهم، فقد تكون السوق صغيرة مقارنة بحجم الاقتصاد، لكنها عالية السيولة وتدل على القيمة العالية لدورة رأس المال وتكاليف التعامل منخفضة.
تركز السوق: تقاس درجة تركيز السوق بحساب حصة أكبر عشر شركات في رسملة السوق أو في قيمة التداول والمعنى الاقتصادي لهذا المؤشر هو ملاحظة مدى هيمنة الشركات الكبرى على رسملة السوق وبالتالي مدى تأثر السوق بالتغيرات في قيم أوراق هذه الشركات.
نسب تذبذب الأسعار: وهي تقيس النسبة بين التداول وتذبذب الأسعار، خاصة الأسواق المالية السائلة التي تكون قادرة على ضمان تداولات ثقيلة دون تذبذب كبير بالأسعار والتي تعتبر مؤشرا جيدا لتطور الأداء نتيجة وصول المعلومات للأسواق.
ثامنا: مؤشرات الأداء المرتبطة بعوائد الأسواق المالية الناشئة
يهتم بها المستثمرون لمعرفة درجة أداء الأسواق من منطلق استثماري ويرتبط ذلك بالعوائد وهي معايير اعتمدتها بعض المؤسسات الاستثمارية العالمية لتسهل عملية الاستثمار على الأسواق المالية، وهناك مؤشران:
المؤشر الاستثماري لمؤسسة التمويل الدولية (IFCI): يظهر المرودية المتوسطة للأسواق لفترة معينة، ويعتمد هذا المؤشر على حساب رسملة عينة كبيرة من الأسهم على عدد معين من الأسواق في الدول النامية.
مؤشر مورجان ستانلي (MSCI): يقيس أداء الأسواق المالية في البلدان النامية بنفس مبدأ المؤشر السابق، ولكنه لا يغطي نفس العدد من الأسهم ولا نفس العدد من الأسواق.
تطبيقات الاقتصاد الحر في المجتمع الاستهلاكي الخليجي
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); بـمـنـاسـبـة انعقاد أسبوع المستهلك الخليجي الذي أقيم في مملكة البحرين تحت شعار (خليجنا... اقرأ المزيد
3556
| 09 مارس 2016
مؤشرات التصنيف الائتماني للمركز الاقتصادي الخليجي
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); تهتم كل دراسة أو تقرير خاص حديث عن تقويم الأوضاع الاقتصادية والمالية الخليجية... اقرأ المزيد
1935
| 24 فبراير 2016
مستقبل الشعـوب يتصدر القمة العالمية للحكومات
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); بدأت أعمال فعاليات القمة العالمية للحكومات في دورتها الرابعة في دبي بالإمارات العربية... اقرأ المزيد
906
| 15 فبراير 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كل عام وقبل العودة إلى المدارس يبدأ الاستعداد المعتاد في كل بيت، ملابس جديدة، حقائب، أحذية، كتب، أقلام، أجهزة، ومستلزمات دراسية. لكن هل هذه هي استعدادات العودة إلى المدارس؟ قبل أن تسأل ابنك: ماذا ينقصك للمدرسة؟ اسأله: لماذا تدرس؟ سؤال بسيط جدًا، لكنه قد يكون أهم من كل ما ستشتريه له طوال سنواته الدراسية فهنا الجوهر. لماذا تدرس؟ ماذا تريد أن تصبح؟ ما المجال الذي تحبه؟ ما الذي تجيده؟ أين ترى نفسك بعد الدراسة وكيف ؟ هذه الأسئلة أهم اليوم من أي وقت مضى، لأن العالم تغيّر، وسوق العمل تغيّر، وحتى مفهوم التعليم نفسه يجب أن يتغيّر لدينا. العالم اليوم مليء بالشهادات بل إن الحصول على الشهادة أصبح في بعض الأماكن أسهل وأرخص من مصاريف سنوات الدراسة، ولم تعد الشهادة وحدها ذلك المفتاح الذي يفتح أبواب الوظائف كما كانت سابقاً. الآلاف يتخرجون كل عام والآلاف يسجلون كما نشاهد هذه الايام. بكالوريوس وماجستير ودكتوراه … الخ ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في سوق العمل اليوم هو: ماذا تستطيع أن تفعل؟ فالعالم لايبحث عن الشهادة وصاحبها، بل عن الكفاءة واهلها. يبحث عن الإنسان الذي يفهم، ويحلل، ويبتكر، ويتواصل، ويتعلم بسرعة، إنسان يتعامل مع المتغيرات، ويحل المشكلات، ويملك مهارة حقيقية يحتاج لها الواقع. ثم جاء التحدي الأكبر.. الذكاء الاصطناعي. وهو ليس قصة من المستقبل، بل واقع نعيشه الآن. مهام ووظائف كثيرة تغيرت وتقلصت بسبب التقنية والذكاء الاصطناعي، ووظائف أخرى ستتغير بصورة أكبر خلال السنوات القادمة وستنتهي وفي المقابل ستولد مجالات ووظائف جديدة لم نكن نعرفها. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لأي عالم نُعِد أبناءنا؟ هل نُعد الطالب فقط ليحفظ كتابًا، ويجيب في ورقة الامتحان، ويحصل على درجة عالية، وينتقل من صف إلى صف حتى يحصل في النهاية على شهادة؟ وماذا بعد ؟ فغالب ما يتعلمه الطالب في الحقيقة لا يعمل به في الحياة الطبيعية. ثم ماذا؟ قد يتخرج بعد سنوات ليكتشف أن العالم الذي أعددناه له قد تغيّر! لذلك يجب ألا يكون هدفنا أن يحصل أبناؤنا على الشهادات فقط، وإنما أن يمتلكوا المهارات والقدرات والوعي والفهم وهذا ما تتجه له الدول المتقدمة. علّم ابنك كيف يبحث. كيف يفكر. كيف يناقش. كيف يتحدث أمام الناس. كيف يكتب. كيف يستخدم التقنية. كيف يتعامل مع الذكاء الاصطناعي ويستفيد منه بدل أن يخشاه. كيف يتعلم مهارة جديدة بنفسه. كيف يحول فكرته إلى مشروع. وكيف يعرف نقاط قوته وضعفه. وانتبه يا ولي الأمر أنت لا تجهز ابنك لاختبار نهاية الفصل. أنت تجهزه لسوق عمل سيدخله بعد سنوات، وقد يكون مختلفًا جذريًا عن سوق العمل الذي تعرفه أنت اليوم. فلا تجعل كل اهتمامك بدرجته، واسأله أيضًا ماذا تعلّم. ولا تسأله فقط: كم حصلت؟ اسأله: ماذا أصبحت تستطيع أن تفعل؟ ولا تخطط له على أساس الوظائف التي كانت ناجحة في جيلنا، بل ساعده على اكتشاف العالم الذي سيعيش هو فيه. نعم التعليم مهم. والشهادة مهمة. والمدرسة والجامعة كذلك. لكن الشهادة بلا مهارة ورقة، والتعليم بلا فهم حفظ، والمعرفة التي لا يستطيع صاحبها استخدامها لن تصنع له مكانًا في عالم شديد التنافس وسريع التغيّر. لذلك عندما تبدأ هذا العام في تجهيز أبنائك للعودة إلى المدارس.. لا تبدأ بالحقيبة. ولا بالحذاء. ولا بالملابس. ابدأ بالسؤال: يا ابني … لماذا تدرس؟ فإذا عرف لماذا يدرس، وماذا يريد، وما الذي يحتاج إلى تعلمه ليصل إليه.. فقد اشتريت له أهم مستلزمات الدراسة دون أن تدفع ريالًا واحدًا.
5856
| 25 أغسطس 2026
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل صباح، أم أنه وقت يمكن أن نستثمره مع أبنائنا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده ونحن نشاهد المبادرة الجميلة «وصل عيالك» التي أطلقتها مشكورة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، لتشجيع أولياء الأمور على توصيل أبنائهم إلى المدارس. وأرى أن هذه المبادرة تؤكد وعي الجهات الاجتماعية بأهمية التفاصيل الصغيرة في حياة الأسرة، فقيمتها الحقيقية تتجاوز بكثير مسألة إيصال الطالب من باب المنزل إلى باب المدرسة، إلى معنى أعمق بكثير؛ وهو استثمار هذا الوقت في الاقتراب من أبنائنا، والاستماع إليهم، والحديث معهم، واستعادة شيء أصبح نادرًا في حياتنا المعاصرة: الحضور الحقيقي مع أبنائنا. نعيش اليوم حياة سريعة ومزدحمة، الأب والأم لديهما أعمال والتزامات ومواعيد، والهاتف لا يتوقف، ورسائل العمل تلاحقنا حتى خارج أوقات الدوام، وأصبحت الأسرة أحيانًا تجتمع في مكان واحد، لكنها لا تجتمع فعلًا؛ كل شخص حاضر بجسده وغائب بذهنه. لذلك قد تكون عشر دقائق أو ربع ساعة في السيارة مع ابنك، وأنت حاضر معه فعلًا، أهم من ساعات طويلة تقضيها بجانبه وأنت منشغل بهاتفك أو عملك أو عالم آخر بعيد عنه. وهنا تكمن روعة الطريق إلى المدرسة. في الصباح الباكر يكون ذهن الطفل هادئًا بعد قضاء راحة ونوم، وأنت بجواره في مساحة صغيرة لا تلفاز فيها ولا مجلس مزدحم ولا مقاطعات كثيرة. تحدثه، وتسأله: ماذا لديك اليوم؟ ما المادة التي تحبها؟ ما الذي يزعجك في المدرسة؟ ماذا تتمنى أن تصبح؟ من أقرب أصدقائك؟ ولماذا تحب هذا المعلم ولا ترتاح لذاك؟ لا تجعل المشوار تحقيقًا يوميًا معه، بل اترك الحديث يأتي بعفويته. فقد تبدأ القصة بجملة بسيطة جدًا يقولها طفلك في السيارة، ثم تكتشف خلفها عالمًا كاملًا لم تكن تعرف عنه شيئًا. وربما تسمع من ابنك في السيارة شيئًا لن يقوله لك وهو جالس أمامك في البيت. فالطفل أحيانًا لا يحتاج إلى جلسة رسمية عنوانها «تعال أريد أن أتحدث معك»، بل يحتاج إلى لحظة آمنة وعفوية يشعر فيها أنك قريب منه وتسمعه دون محاكمة أو استعجال. وبين إشارة مرور وأخرى قد يخبرك عن صديق يضايقه، أو معلم يحبه، أو موقف أخافه، أو فكرة تشغله، أو حلم يريد الوصول إليه.أما رحلة العودة من المدرسة فلها حكاية أخرى. يركب ابنك السيارة وقد عاش عدة ساعات بعيدًا عنك، محملًا بالمواقف والأسئلة والضحكات وربما الغضب والحزن أيضًا. يريد أن يخبر أحدًا بما حدث: «اليوم المعلم قال لنا…»، «فلان فعل كذا…»، «تعرف ماذا حدث في الفصل؟»، «اليوم حصلت على درجة…». قد تبدو لنا هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه حياته التي يعيشها الآن.وكلما اعتاد أن يجد أذنك في الأشياء الصغيرة، زادت احتمالية أن يبحث عنك عندما تأتي الأشياء الكبيرة. وهذه في رأيي إحدى أجمل رسائل مبادرة «وصل عيالك»؛ أن تذكرنا بأن التربية ليست دائمًا محاضرات طويلة ولا جلسات مخططًا لها، وأن بناء العلاقة مع الأبناء قد يحدث في تفاصيل صغيرة جدًا كنا نظن أنها مجرد وقت ضائع في الطريق. لكن من المهم جدًا ألا نحول جمال هذه الفكرة إلى لوم للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون توصيل أبنائهم. فالبيوت تختلف، وظروف العمل تختلف، وأوقات الدوام تختلف، وهناك من يعتمد على الحافلة المدرسية أو السائق، وهناك أم أو أب يبدأ عمله قبل بداية المدرسة أو يعمل في مكان بعيد، وعدم توصيل الأبناء لا يعني أبدًا التقصير في حقهم فهم يكدحون من اجل هذه العائلة ومستقبل الابناء.المبادرات الجميلة يفترض أن تفتح لنا أبوابًا لا أن تصدر علينا أحكامًا. الرسالة الأوسع والأهم هنا: ابحث عن وقت تكون فيه حاضرًا فعلًا في حياة ابنك.إن استطعت أن يكون ذلك في الطريق إلى المدرسة، فلا تهدر هذه الدقائق. أغلق إشعارات الهاتف واترك الهاتف جانبًا لانه من أسباب دمار العائلة وإشغالها، واسمعه اكثر من ان تكلمه لأن أبناءنا، خصوصًا في سنوات النشأة، لا يحتاجون منا إلى عدد كبير من الساعات بقدر حاجتهم إلى لحظات يشعرون فيها أن آباءهم وأمهاتهم موجودون من أجلهم فعلًا. وقد تكون عشر دقائق في طريق المدرسة قصيرة جدًا في حساب الزمن، لكنها في ذاكرة ابنك، وفي علاقتك به، طريق طويل يستحق أن نسلكه.
5262
| 01 سبتمبر 2026
-أخطر دروس المأساة السودانية أن الدولة لا تحتمل جيشين -كانت بيني وبين البشير مساحة من الصراحة تجاوزت أحياناً حدود اللغة الدبلوماسية - قطر لها مع السودان قصة طويلة من العلاقات والعمل الإنساني والثقافي - السودان أكبر من محنته وأبقى من مليشيا وأغنى من أن تختصره حرب - مليشيا الدعم السريع وجدت خارج السودان من راهن عليها ومدّها بأسباب القوة - السودان جمع عناصر التاريخ والجغرافيا والثروة ولم يستطع تحويلها لاستقرار يليق به - بعض الأشقاء تقاطعت مصالحهم مع إسرائيل ووقفوا ضد مصالح أمتهم - أنظر بتفاؤل إلى مجلس التنسيق السعودي – السوداني وأراه خطوة تستحق الدعم للسودان في نفسي مكانة لا تصنعها السياسة وحدها، ولا تفسرها الجغرافيا، وإنما صنعتها علاقة طويلة بدأت منذ سنوات شبابي الأولى، وعززتها معرفة برجاله وثقافته، وزيارات متكررة إلى أرضه، حتى أصبح السودان بالنسبة إليّ أكثر من بلد عربي شقيق؛ أصبح جزءاً من ذاكرة شخصية ومهنية امتدت أكثر من نصف قرن. عندما تأسست وزارة الخارجية القطرية عام 1972، وأُلقي على عاتق شباب قطريين، كنت واحداً منهم، أن يحملوا مسؤولية تأسيس بعثات دولة حديثة العهد بالدبلوماسية، كان السودان حاضراً معنا منذ البدايات. فقد كان محجوب مكاوي، وكيل وزارة الخارجية السودانية السابق، أول خبير في وزارة خارجيتنا، وكان من الطبيعي أن يكون عدد من الخبراء الذين استعانت بهم سفاراتنا الناشئة من السودانيين. ثم عرفت السودان من زاوية أخرى وأنا سفير شاب في باريس، قليل الخبرة كثير الرغبة في التعلم. رشح لي صديقي سفير السودان في باريس بشير البكري الشاعر السوداني صلاح إبراهيم ليعمل معي. وكان نعم السند، وتعلمت منه الكثير. وهكذا دخل السودان تجربتي الدبلوماسية من باب الثقافة أيضاً، وهو باب لم يغلق بعد ذلك. ومن اللمسات السودانية التي لا تُنسى وجود الطيب صالح وفترته في الدوحة؛ فقد كان من أوائل من عملوا في مسيرة الإعلام والثقافة في بلدنا، وارتبط اسمه بتجربة مجلة «الدوحة» وبمرحلة مهمة من الحضور الثقافي السوداني في قطر. ونحن في قطر نعتز بأن بلادنا احتضنت رجالاً بمكانة الطيب صالح، ونقدر ما أسهموا به، مع غيرهم من الكفاءات العربية، في مسيرة نهضتها وبناء مؤسساتها. وزرت السودان مرات عدة عندما كنت وزيراً للثقافة، لكن بعض الزيارات لا تغادر الذاكرة. حضرت مرة مهرجاناً كبيراً لثقافات قبائل السودان، وهناك رأيت بعيني ما لا تستطيع الكتب أن تنقله: تنوعاً مذهلاً في العادات والتقاليد، واللغات واللهجات، والموسيقى والأزياء، وفي طرق التعبير عن الحياة والإنسان. وأدركت أن السودان يملك ثراءً ثقافياً هائلاً، وأن ما وقف بين هذا الثراء وبين المكانة العالمية التي يستحقها لم يكن نقصاً فيه، بل قسوة الظروف التي عاشها السودان. وفي مناسبة أخرى حضرت تكريماً للطيب صالح، وكانت فرصة للتعرف إلى عدد من أبرز مثقفي السودان. وعلى امتداد تلك السنوات نشأت لي صداقات مع شخصيات سودانية كثيرة، بعضها استمر حتى رحيل أصحابها، ومنهم الرئيس عبد الرحمن سوار الذهب، ذلك الرجل الذي بقي اسمه في الذاكرة العربية مثالاً نادراً لمن امتلك السلطة ثم تخلى عنها طواعية. كنا نتبادل الزيارات في بيوتنا في الدوحة والخرطوم. وكذلك كانت لي صلة قوية بالدكتور حسن الترابي، الذي طالما التقينا وتناقشنا اتفقنا واختلفنا ولكن بقي الود حتى توفاه الله. وعرفت الرئيس عمر البشير، وكانت بيننا مساحة من الصراحة تجاوزت أحياناً حدود اللغة الدبلوماسية، وكان يتقبلها مني. وعندما ترشحت لمنصب المدير العام لليونسكو، حرص على أن يكون السودان عضواً في المجلس التنفيذي ليساند ترشيحي، ووقف السودان معي وصوّت لي في الجولات الأربع التي تصدرتها على بقية المرشحين. ثم جاءت اللحظة التي لا أنساها، حين أبلغني السفير السوداني قبيل الجولة الأخيرة بتغير الموقف. كانت صدمة شخصية وسياسية، وانتهت المعركة بفارق صوت واحد. ومع ذلك لم تغير تلك اللحظة نظرتي إلى السودان ولا محبتي لشعبه؛ فالدول والشعوب أبقى من المواقف العابرة. ولعل هذه العلاقة الطويلة هي التي تجعلني اليوم أنظر بألم مضاعف إلى ما أصاب السودان. فهذا ليس بلداً فقيراً في التاريخ حتى يبحث لنفسه عن جذور. على أرضه قامت حضارات وممالك عريقة، من كوش ونبتة ومروي إلى الممالك النوبية، وتعاقبت عليه حضارات وأديان وثقافات صنعت واحداً من أغنى التكوينات الإنسانية في منطقتنا. وليس السودان هامشاً جغرافياً أيضاً. إنه ملتقى العالم العربي بأفريقيا، وامتداد لوادي النيل، وصاحب ساحل مهم على البحر الأحمر، وجار لدول تتصل مصالحها مباشرة بأمنه واستقراره. وهنا تكمن إحدى مفارقات السودان الكبرى: بلد جمع التاريخ والجغرافيا والثروة، ثم لم يستطع أن يحول هذه العناصر مجتمعة إلى استقرار يليق بها. فالسودان يملك مساحات زراعية هائلة، وموارد مائية، وثروة حيوانية، وتنوعاً مناخياً يسمح بإنتاج زراعي واسع. ولو اجتمع الاستقرار مع الإدارة والتقنية والاستثمار، لما كان الحديث عن السودان بوصفه إحدى سلال الغذاء للعالم العربي مبالغة، وإنما احتمالاً اقتصادياً حقيقياً. لكن الأرض الخصبة لا تحمي نفسها، والمياه لا تبني الدولة، والموقع الاستراتيجي قد يتحول من نعمة إلى عبء إذا ضعفت الدولة وتكاثرت الأطماع حولها. وهنا أصل إلى واحد من أخطر دروس المأساة السودانية: الدولة لا تحتمل جيشين. قد تنشئ السلطة في ظرف معين قوة مسلحة خارج المؤسسة العسكرية، وتظن أنها أداة تستعين بها على مشكلة عابرة، لكنها تزرع بذلك داخل جسد الدولة قوة لها قيادتها ومصالحها وسلاحها. وما يبدأ أداة في يد الدولة ينتهي قوة تنازع الدولة نفسها. وهذا ما يجعل تجربة الدعم السريع درساً يتجاوز السودان. فقد نشأت هذه القوة في ظل النظام، ثم تضخمت قدراتها ومصالحها حتى انتهت إلى مواجهة الجيش السوداني، وتحولت البلاد إلى ساحة حرب دفع الشعب السوداني ثمنها من دمه وأمنه ومستقبله. لكن اختزال ما يجري في السودان في صراع بين قوتين سودانيتين وحدهما لا يفسر المشهد كله. فحين تضعف الدولة لا تبقى أبوابها مفتوحة لأبنائها وحدهم؛ تدخل المصالح الإقليمية والدولية، ويصبح السلاح والمال والمقاتلون وشبكات الإمداد جزءاً من الحرب. ولم تكن المليشيا لتبلغ ما بلغته بقوتها الذاتية وحدها؛ فقد وجدت خارج السودان من راهن عليها، ومدّها بأسباب القوة، وربط مصالحه بما تسيطر عليه من موارد وثروات، وفي مقدمتها الذهب، حتى بدا أن بعض الأشقاء اختاروا المليشيا على الدولة، وتقاطعت مصالحهم ورهاناتهم مع إسرائيل، وتعاونوا معها ضمن حسابات أوسع في السودان والبحر الأحمر. وهكذا أصبح السوداني يدفع ثمن تحالف مصالح لا يقيم وزناً لوحدة بلاده ولا لثرواتها ولا لدم أبنائها. وإسرائيل لا تنظر إلى السودان أو القرن الأفريقي باعتبارهما ملفات منفصلة، وإنما تنظر إلى فضاء استراتيجي أوسع يمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب وأمن الملاحة وموازين القوى في المنطقة. ولذلك فالسؤال الأهم ليس دائماً: مع من تقف إسرائيل؟ بل: أين تكمن مصلحتها؟ ومن وقف مع إسرائيل فقد وقف ضد مصالح أمته ولا يُعفى الحكم في السودان من اللوم؛ فقد فتح الباب للذئب واستدعاه إلى عرينه، ظناً منه أنه بذلك يتفادى شره أو يستعين به لتحقيق مصلحة عابرة. لكن من يستدعِ الذئب إلى حقله قد يستعين به على خصمه، لكنه لا يملك أن يضمن أين يقف الذئب، ولا أن يحدد له فريسته. ولذلك تتحمل السلطة مغازلة اسرائيل. والسودان، بحكم موقعه على البحر الأحمر، ليس بعيداً عن أمن العرب. فمن ضفته الأخرى تقع المملكة العربية السعودية، بثقلها العربي والإسلامي والاقتصادي والسياسي. ولذلك أنظر بتفاؤل إلى مجلس التنسيق السعودي–السوداني، وأرى أنه خطوة تستحق الإشادة والدعم، وأرجو أن يتطور إلى شراكة استراتيجية تسهم في استقرار السودان وإعماره واستثمار موارده؛ لأن استقرار السودان مصلحة سعودية كما هو مصلحة سودانية، وأمن ضفتي البحر الأحمر لا يمكن فصل بعضه عن بعض. وكذلك مصر. فالعلاقة بين مصر والسودان ليست علاقة جوار عادية؛ إنها علاقة نيل وتاريخ وأمن ومصير. وقد عرف البلدان في مراحل من تاريخهما الحديث ارتباطاً سياسياً وثيقاً، وحمل الملك فاروق في مرحلة من المراحل لقب «ملك مصر والسودان». ومهما اختلفت الظروف السياسية منذ ذلك الزمن، فإن الجغرافيا لم تتغير: أمن السودان من أمن مصر، واستقرار وادي النيل لا يمكن تجزئته. ومن هنا كنت أتمنى أن يكون الدور المصري في دعم الدولة السودانية وجيشها أكثر قوة بما يتناسب مع حجم المصالح المصرية المرتبطة باستقرار السودان. أما قطر، فلها مع السودان قصة طويلة من العلاقات والدعم والعمل الإنساني والثقافي. ومن المشاريع التي أعتز بها المشروع القطري–السوداني للآثار، وهو مشروع ارتبط بمبادرة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، الذي عُرف بمحبة السودان والحرص على دعم شعبه. ولم يكن المشروع بعثة أثرية محدودة، بل عمل واسع لحماية ذاكرة السودان الحضارية. موّل أربعين بعثة أثرية، منها اثنتا عشرة بعثة سودانية وطنية، وامتدت أعماله نحو ثمانمائة كيلومتر بين الخرطوم والحدود المصرية، وشملت المسح والتنقيب والحماية والترميم والصيانة، وتأهيل المواقع وتدريب الكوادر وإشراك المجتمعات المحلية. وأسهمت أعمال المسح في اكتشاف آلاف المواقع الأثرية الجديدة، ووصل العمل إلى عدد من أهم مواقع أهرامات السودان. ثم جاءت الحرب. انهارت المؤسسات، وتعطلت الإدارة، وتوقف كثير من العمل الأثري، وتعرضت مواقع ومتاحف ومجموعات أثرية للنهب والتدمير والتدهور. وهكذا أصبح المشروع الذي جاء ليساعد السودان على إنقاذ ماضيه هو نفسه أحد ضحايا الحرب التي دمرت حاضره. وما أشد المفارقة: أن تمد يدك لإنقاذ ذاكرة بلد، ثم ترى الحرب تهدد الذاكرة واليد التي تحميها معاً. لكنني لا أريد أن أكتب عن السودان مرثية. فالسودان أكبر من محنته، وأبقى من مليشيا، وأغنى من أن تختصره حرب، وأعمق من أن تختزله سنوات الفوضى. إن ما يحتاجه السودان ليس اختراع مقومات جديدة للنهوض؛ فهي موجودة فيه منذ زمن. يحتاج أولاً إلى دولة: دولة تحتكر السلاح، وجيش وطني واحد، ومؤسسات تعلو على الأشخاص والقبائل والمليشيات، وقرار وطني لا يرتهن للخارج أياً كان. ويحتاج إلى أشقائه العرب، ولكن ليس إلى تدخل يزيد انقسامه، بل إلى احتضان يساعده على استعادة وحدته وسيادته. يحتاج إلى مصر التي يربطها به النيل والتاريخ، وإلى السعودية التي يجمعها به البحر الأحمر والمصير، وإلى قطر التي ربطتها به علاقات ومشاريع ومواقف، وإلى كل عربي يدرك أن السودان المستقر إضافة إلى الأمن العربي، وأن السودان المنهك فراغ تتسابق القوى الأخرى لملئه. لقد عرفت السودانيين عن قرب، وعرفت فيهم العلم والأدب والكرم والذكاء والاعتزاز بالنفس. ورأيت بعيني ثراء ثقافتهم وتنوع مجتمعهم. ولهذا يصعب عليّ أن أصدق أن ما نراه اليوم هو قدر السودان. ليس قدره أن يبقى ساحة حرب، ولا أن تتحول أرضه الخصبة إلى أرض نزوح، ولا أن يصبح البحر الذي كان يمكن أن يكون جسراً للتجارة والتعاون باباً تتسلل منه الأطماع، ولا أن تصبح حضارات عمرها آلاف السنين رهينة بندقية لا تعرف قيمة حجر أثري ولا مخطوطة ولا متحف. السودان يستطيع أن يعود، لكن عودته تبدأ حين يستعيد السودانيون السودان نفسه: دولةً فوق المليشيا، ووطنًا فوق القبيلة، ومصلحةً وطنية فوق مصالح الخارج. وعندها فقط يمكن للأرض أن تعطي خيرها، وللنيل أن يمنح الحياة لا النزاع، وللبحر الأحمر أن يصبح جسراً لا ساحة تنافس، ولثقافة السودان أن تخرج إلى العالم كما تستحق. لقد عرفت السودان قبل هذه المحنة، ولذلك أعرف أن السودان الذي نراه اليوم ليس كل السودان. وتلك ربما هي الحقيقة التي ينبغي ألا ننساها ونحن نشاهد هذه المأساة: السودان لم يفقد أسباب النهوض؛ لقد فقد، لبعض الوقت، القدرة على جمعها في دولة. وحين تعود الدولة، سيكتشف العالم أن بلداً ظنه البعض ضحية دائمة كان يملك طوال الوقت أسباب عودته.
3972
| 30 أغسطس 2026