رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التسامح بالنسبة لي ليس مجرد قيمة أخلاقية عابرة، بل هو جوهر إنساني يُضفي على الشخصية بُعدًا روحيًا راقيًا، إنه الزينة التي تكتمل بها الأخلاق، والعنصر الذي يعيد التوازن إلى العلاقات، ويُصلح النفوس، ويمنح المجتمعات فرصة للاستمرار في أمان وسلام، أرى أن ما يجعل التسامح في نظري «زينة الفضائل» حقًا، هو قدرته على أن يجمع بين الحب والرحمة والعدل والغفران والعلو عن الصغائر، ليخلق من الإنسان كيانًا أرحب وأسمى.
التسامح ليس ترفًا ولا ضعفًا كما يظنه البعض، بل ضرورة وجودية ومجتمعية، وعلامة نضج روحي وفكري..المتسامح لا يعني أنه مغلوب على أمره، بل هو في الواقع شخص قوي، قادر على أن يملك زمام مشاعره، ويقاوم رغبة الانتقام أو رد الأذى، ويمنح نفسه مساحة للنمو الداخلي، والمجتمع الذي يشيع فيه التسامح، هو مجتمع قادر على تجاوز خلافاته، ومهيأ لبناء مستقبل أكثر إشراقًا.
لطالما آمنت أن التسامح هو خيار الشجعان، أن تسامح يعني أنك اخترت طريق النور بدلًا من الظلام، وأنك فضّلت أن تبني جسورًا نحو الآخرين بدلًا من أن ترفع جدرانًا في وجوههم، المتسامح إنسان صاحب قلب نقي وشجاعة حقيقية، لأن العفو يحتاج إلى قوة داخلية تفوق رغبة اللوم والقصاص.
من واقع تجربتي، أدركت أن للتسامح أشكالًا متعددة، تبدأ بالتسامح الفكري، حين نمنح الآخر حق الاختلاف، ونقبل بأن يكون له رأي لا يشبه رأينا، في التسامح الفكري يتحقق المعنى الحقيقي للحوار، وتُصان قيمة التنوع، ويصبح المجتمع أكثر نضجًا وانفتاحًا، الاختلاف في الرأي لا يهدد قناعاتنا، بل يمنحنا فرصة لاختبارها وتطويرها،÷ لذلك، كل نقاش حر هو خطوة نحو التقدم، وكل عقل متسامح هو لبنة في بناء مجتمع متوازن.
أما التسامح الديني، فأراه من أرقى صور الرحمة الإنسانية، أن نؤمن بأن الأديان جميعها تدعو للخير، وأن التعددية سنة من سنن الله في خلقه، هو إدراك لا يحتاج إلى تنازل عن العقيدة، بل إلى احترام قناعات الآخرين. الإسلام نفسه قدّم لنا أسمى صور التسامح، حين قال تعالى: «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ»، و*»لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ»*، فالدين لا يُفرض بالقوة، بل يُحتضن بالقناعة والمحبة.
وإذا انتقلنا إلى المعاملات اليومية، سنجد أن التسامح فيها يسهّل الحياة، ويقلل من الاحتكاكات والنزاعات. التسامح في البيع والشراء، وفي العلاقات الأسرية، وفي العمل، ومع الأصدقاء، هو ما يجعل الحياة أكثر سلاسة وأقل توترًا، وقد عبّر النبي صلي الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى». التسامح هنا ليس مجرد سلوك، بل عبادة تُقرّبنا من الله وتُريح أرواحنا.
لكنني أجد أن أعظم أشكال التسامح، وأكثرها صعوبة، هو التسامح مع النفس. كم مرة حمّلنا أنفسنا ما لا تطيق؟ كم مرة جلَدنا ذاتنا على خطأ مضى، أو قرار لم يُثمر؟ أعترف أنني كثيرًا ما كنت قاسيًا على نفسي، وكنت أظن أن اللوم المستمر هو الطريق للإصلاح، لكنني مع الوقت أدركت أن التسامح مع النفس ليس ضعفًا ولا هروبًا، بل شفاء حقيقي، وبداية جديدة، لا يمكن أن نُسامح الآخرين بصدق، ونحن نحمل في دواخلنا ألمًا غير معالَج من ذواتنا.
التسامح مع النفس يبدأ بالاعتراف دون قسوة، بفهم أن كل خطأ يحمل درسًا، وأن كل تجربة تُشكّلنا بطريقة أو بأخرى، لقد تعلّمت أن أتوقّف عن مقارنة بدايتي بمنتصف طريق الآخرين، وأن أقول لنفسي في كل محاولة: «أنت تحاول، وهذا كافٍ»، هذا الحديث الداخلي الإيجابي ليس شعارًا، بل دواء نفسي، ومفتاح للثقة بالنفس.
ومن هنا، أقول بيقين: نعم، نحن بحاجة ماسة للتسامح مع أنفسنا. لأجل السلام الداخلي، لأن العقل لا يهدأ والقلب مُثقَل باللوم، ولأجل التقدّم، فالتعلم لا يحدث في ظل جلد الذات، ولأجل الاتزان العاطفي، لأن من يُسامح نفسه، يتصالح مع من حوله، ويعيش بعاطفة متزنة غير متوترة.
ويكفي أن ننظر إلى القرآن الكريم لنُدرك كم دعا الإسلام إلى التسامح والعفو، فها هو يقول: «وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا * أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ»، وفي أروع مشهد قرآني، يُجسّد نبي الله يوسف عليه السلام التسامح المطلق حين يقول لإخوته الذين ظلموه: «لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ * يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ»، وهكذا يعلّمنا القرآن أن القوة ليست في الانتقام، بل في العفو.
فلماذا نحتاج إلى التسامح؟ لأننا نتوق إلى المحبة الحقيقية، ونبحث عن السلام، ونرغب في أن نعيش دون أعباء الماضي المؤلم، التسامح يمنحنا حرية من الذكريات السلبية، ويخلّصنا من الحقد، ويقرّبنا من الطمأنينة النفسية، هو الخطوة الأولى نحو راحة لا تُشترى، بل تُبنى بالتسامح، وبالإيمان، وبالنية الطيبة.
حين نسامح، نحن لا نغيّر الماضي، لكننا نختار الحاضر، ونمنح أنفسنا أملًا جديدًا في المستقبل، التسامح لا يُحرر من نُسامحه فقط، بل يحررنا نحن أولًا، هو البذرة التي تُثمر سلامًا، والنور الذي يُضيء عتمة القلوب، هو رسالة حياة، وعهد نُجدد به إنسانيتنا كل يوم.
ولعل أجمل ما يمكن أن نبدأ به، هو أن نسامح أنفسنا أولًا، ثم الآخرين. فالحياة أقصر من أن نضيعها في الحقد والغضب. ولعلّ في كلمة واحدة تختصر كل المعنى: فلنكن متسامحين، نصنع عالمًا أرحم، وأجمل، وأقرب إلى الله.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• ناشطة اجتماعية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3801
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1350
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف تمر في ظاهرها عادية، لكنها تترك أثرًا غير عادي: انسحاب مفاجئ، قرار بلا توضيح، أو تصرف يُدار بصمت وكأنه لا يستحق التفسير، وهنا نقف في تلك المساحة الدقيقة: هل نبتسم ونتجاوز؟ أم نتوقف ونقرأ ما يحدث كما هو؟ أولًا: حين تختصر الإدارة في (ردة فعل) الإدارة ليست قرارًا سريعًا، ولا موقفًا لحظيًا يُتخذ تحت تأثير الانفعال، حين تتحول أدوات التواصل المهنية إلى حظر أو انسحاب مفاجئ من مساحات العمل، فإننا لا نتحدث عن إدارة موقف، بل عن ردة فعل شخصية تم تغليفها بشكل مهني، وهنا تبدأ المشكلة، عندما تُدار المؤسسات بذهنية الأفراد لا بأنظمة العمل. ثانيًا: السلطة بين التنظيم والاستحواذ السلطة في جوهرها أداة تنظيم، لكنها قد تنزلق بهدوء إلى مساحة أخرى: الاستحواذ، إزالة لوحة، تغيير محتوى، طلب تغييب اسم أو هوية، أو إعادة تقديم عمل بوجه مختلف، كلها ممارسات لا تكشف فقط عن قرار، بل عن تصور داخلي بأن الصلاحية تعني القدرة على إعادة تشكيل كل شيء، وهنا لا تكون المشكلة في الفعل، بل في توسع مفهوم السلطة خارج حدوده. ثالثًا: نقل الأفكار حين يصبح (الإلهام) انتقائيًا في بيئات العمل الناضجة، تُبنى الأفكار وتُوثق، ويُشار إلى مصادرها بوضوح، لكن في بيئات أخرى، تتحول الأفكار إلى مواد قابلة لإعادة التقديم: برنامج يُتابع، مشروع يُلاحظ، ثم يظهر لاحقًا بصيغة مختلفة وفي سياق آخر دون تاريخ أو مرجعية، هذه ليست عملية تطوير، بل إعادة إنتاج بلا اعتراف. رابعًا: التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي لا تحتاج بيئة العمل إلى اختبارات معقدة لتُقاس، يكفي أن ننظر إلى التفاصيل: إعلان يفتقر للدقة، صياغة ضعيفة، أخطاء لغوية واضحة، وهوية غير متماسكة، هذه ليست هفوات، بل مؤشرات على مستوى التعامل مع العمل نفسه، فمن لا يُحسن التفاصيل لن يُحسن الصورة الكبرى. خامسًا: فوضى الاستعراض حين يطغى الشكل على الجوهر في بعض البيئات، يتحول العمل من بناء حقيقي إلى فوضى استعراض: كثرة إعلان، قلة إتقان، حضور شكلي، وغياب للعمق، وهنا لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما يُعرض. وهذا أخطر التحولات حين يصبح الظهور أهم من القيمة. سادسًا: التجاهل بين الذكاء والخسارة ليس كل موقف يستحق الوقوف عنده، لكن ليس كل موقف يُسمح بتجاوزه، التجاهل يكون ذكاءً حين لا يترك أثرًا، لكنه يصبح خسارة حين يُفسر على أنه قبول أو يُستخدم كمساحة لتكرار نفس السلوك، وهنا يتحول السكوت من قرار إلى سماح غير معلن. سابعًا: التقييم.. حين يفقد حياده! ومن أكثر الممارسات إرباكًا، حين يُستخدم (التقييم الدوري) كمدخل مفتوح لكل تفاصيل العمل، يُطلب الاطلاع الكامل، وتُفحص المستندات، وتُراجع الآليات بدقة، تحت عنوان مهني منضبط، لكن الإشكال لا يبدأ هنا، بل فيما بعده، حين يظهر ما كُشف عنه بحسن نية، في سياقات أخرى، ولدى جهات كنت تعمل معها أصلًا، بصياغة مختلفة، وغياب واضح للمصدر، هنا، يفقد التقييم حياده، ويتحول من أداة ضبط إلى أداة عبور، تتجاوز حدودها المهنية، وتطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تقييم فعلي أم إعادة تموضع على حساب الآخرين؟ ثامنًا: إدارة الموقف لا التفاعل معه القوة المهنية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الشخص على إدارة المشهد كاملًا، أن تعرف متى توثق، متى تتحدث، متى تتجاوز، ومتى تضع حدًا، هذا هو الفرق بين حضور عابر وحضور يُفرض احترامه. في العمل، ليست كل ضحكة تعني الرضا، ولا كل سكوت يعني الحكمة، بعض المواقف إن تجاوزتها تتكرر وكأنها حق مكتسب، وبعض التصرفات إن لم تُقرأ كما هي تُعاد بصيغة أقوى، لذلك، السؤال لم يعد هل أضحك أم أسكت، بل: هل أُدير الموقف أم أتركه يُدار ضدي؟
993
| 29 أبريل 2026