رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الإخوان سجلوا نجاحا يجب أن يفضي لفرض شرعيتهم
البعض أخذ على "الإخوان المسلمون" ما قاله الدكتور "عصام العريان أحد قادتهم ونائب أمين عام حزب" الحرية والعدالة – الذي أسسوه في مصر بعد الثورة ؛ بأنه يوافق على أن يتولى رئاسة الجمهورية في مصر قبطي نصراني إذا نص الدستور على ذلك! واعتبروه تنازلا كبيرا أفقدهم أهم مبادئهم الذي هو " المرجعية الإسلامية " واستبدلها بمرجعية " الدستور " الذي صاغه البشر وصار أغلى وأولى عندهم من شرع الله تعالى.. وهذا وإن بدا نقدا محضا واتهاما خالصا إلا أنه يحمل في طواياه نوعا من الثقة فيهم على أساس توقع الأحسن منهم..
ومع أنني لست في وارد الدفاع عنهم لأي سبب.. فأنا أرى أن القضية تتعلق بمفاهيم يجب أن توضح وبزوايا نظر لا يجوز أن تجهل وأراها قضية وعي عام وفهم عام يحتاجه الإخواني كما يحتاجه كل إصلاحي إسلاميا كان أو غير إسلامي.. وأطرح رؤيتي لموقف " الإخوان المسلمون " ولما قاله " العريان " كرؤية شرعية وفكرية لا حزبية ولا من قبيل الدفاع عنهم أو عنه.. وأرى أنه لا يجوز أن يؤخذ ما قاله الرجل على عواهنه من غير تدقيق..
والحقيقة أن الإخوان وهم يطلبون شرعية وجود – كما هم الآن – لن يكونوا الإخوان بعد أن يدخلوا البرلمان ويسطروا وجودهم وقوتهم بالقلم العريض.. والقضية هنا ليست أنهم سيغيرون جلدهم أو أنهم يخدعون أحدا.. ولكنها لعبة القوة والضعف ولكل حالة أحكامها الشرعية وما يقبل أو يطلب منهم الآن يختلف عما يقبل أو يطلب من بعد.. والحقيقة أيضا أن أي قبطي في مصر لن يفكر في الترشح لمنصب الرئيس ويعلم أنه إن ترشح لذلك فلن يكتب له النجاح (وهذا قاله " العريان " في معرض الدفاع عن قوله) وعلى ذلك فمحصلة الخلاف والنتيجة العملية النهائية له هي صفر في صفر..
وأتساءل: على فرض أن موقف " العريان " هو موقف " الإخوان المسلمون " هل قولهم هذا يأتي في معرض محاولة الإقناع برئيس نصراني لمصر ؛ أم هو في معرض الإقناع بشرعية وجود الإخوان؟ وهل كان الحديث عن دستور مؤقت موجود بالفعل بل مفروض بالفعل وعلى " الإخوان " وغيرهم ؛ أم عن دستور دائم لا يمكن تغييره؟ (ربما يجدر التنويه هنا إلى حقيقة " معركة الدستور والاستفتاء " التي يخوضها الإخوان في مصر ولا يتنبه الكثيرون لمرماها البعيد.. فالإخوان يريدون برلمانا يكون لهم فيه قوة واسعة يضع دستورا يتوافق مع مبادئهم، في حين أن الآخرين يريدون دستورا على مقاسهم ويصنع برلمانا على مقاسهم أيضا وقبل المغالبة غير المضمونة العواقب مع الإخوان).
" الإخوان " يريدون بقولهم هذا إقناع الناس بسلميتهم ومدنيتهم، وإقناع المتخوفين بخطأ وظلم ما أشيع لعقود من أن الإخوان متطرفون، وأنهم ما إن يحكموا حتى يقيموا محاكم التفتيش ويقتلوا المخالفين ويثيروها طائفية ومذهبية صماء عمياء.. نعم هو تنازل ولكنه لا يضير ما دام من طرف اللسان ويخرس خصوما متربصين ويعفي من مواجهات ربما تنقلب على إنجازات الثورة كلها.. وهو تنازل لكنه يشبه قول الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في مجادلة الكفار (.. وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون، قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم) سورة سبأ الآيات: 24، 25، 26. أرأيت كيف قَبِل القرآن باحتمالية أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق؟ أرأيت كيف رضي القرآن أن يتساوى في هذه الاحتمالية مع الكافرين؟ أرأيت كيف رضي القرآن أن ينسب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصف " جريمة " في مقابل نسبة " عمل " فقط لخصومه؟ وفي المحاجّة أيضا ؛ ألم يقص علينا ربنا عز وجل مهادنة إبراهيم أبي الأنبياء عليه وعليهم السلام لقومه في الإيمان بالنجم ثم القمر ثم الشمس وصولا للتوحيد بعد هدم حجة الخصماء؟ فهل ضار إبراهيم عليه السلام أن يعطي تنازلا محدودا زمانا ولفظا ليصل بعده للتوحيد الخالص؟ وإذن فهي ضرورات المحاجّة التي قد تفضي إلى محظورات " نظرية " وليست تنازلات مجانية أو مساومات على المبادئ كما يتوهم أصحاب بعض الأفهام التي تنقصها التوعية وسعة النظر ويعوزها فن الاستدلال أكثر من الإخلاص والإيمان وحفظ النصوص..
أذكر أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سياق مشابه وموقف اضطراري رضي بمحو عبارة " محمد رسول الله " واستبدلها بعبارة " محمد بن عبدالله " في وثيقة الحديبية، وإنما كان ذلك بضغط من سهيل بن عمرو مفوّض كفار مكة لذلك الصلح! فهل يمكن اعتبار تنازله هذا انقلابا على إسلاميته أم تأولا واضطرارا؟ كذلك ألم يصلّ ثلاثة عشر عاما قرب الكعبة ومن حولها 360 صنما.. إلى أن جاء الوقت ليهدمها جميعا وأن لا يبقي منها صنما واحدا ففعل؟
البعض يستشهد بعزم أبي بكر الصديق رضي الله عنه على قتال المرتدين من أجل عقال – أو عناق – من الزكاة كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. ويقولون: أيهما أخطر على الإسلام ؛ منع عقال من الزكاة أم القبول برئيس نصراني على شعب أكثريته مسلمون؟ وأقول: أما أبو بكر فقد كان خليفة على دولة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن خليفة لحسني مبارك.. أيضا كان أبو بكر حاكما مفوضا أن يقبل أو أن يرفض ولم يكن في وارد البحث عن مكان تحت الشمس كما " الإخوان "! وأما الضرورة في واقعة العقال فقد كانت تقتضي المواجهة لا المهادنة فالمرتدون كانوا يتسلقون بمنع الزكاة لمنع غيرها وكانوا قد حالفوا أدعياء النبوة وجمعوا جيوشا لغزو المدينة وأعلنوا ردة شاملة حتى صار الخليفة الراشد بين أن تنفلت الأمور من يده أو أن يفرض احترام وأمن دولته.. عند ذلك قال قولته على سبيل الاستقصاء وإبداء العزم.. أما ما يقوله " الإخوان " في مسألة الرئيس فالضرورة تقتضيه ولا تقتضي نقيضه، والسلامة الإستراتيجية فيه وليست في سواه، وهم بذلك إنما يجنبون أنفسهم والإسلاميين من حولهم تهمة يتمنى كثيرون أن لا يتجنبوها وأن لا ينجوا منها..
البعض يتوهمون أن " الإخوان " اليوم أقوى منهم في أي وقت مضى وأن الثورة المصرية الحالية قد حصنتهم من الاستهداف وأن دعوى الاضطرار غير منطبقة.. وأقول: هذا توصيف صحيح وغير صحيح ؛ هو صحيح من حيث إن الإخوان سجلوا بالقلم العريض نجاحا يجب أن يفضي لفرض شرعيتهم، ولكنه ليس صحيحا في أنهم يستطيعون أخذ كل ما يريدونه دفعة واحدة وبالاستقلال عن غيرهم أو من دون أن يجتمع شملهم بشمل كل الثوار من حولهم.. ولولا ذلك لاستفرد الجيش بهم ولما بكى عليهم أحد.. وهنا لا يجوز أن نغفل عن جملة حقائق أهمها باختصار أربع: 1- أن التدخلات الخارجية (والأمريكية) بالذات ليست في غفلة عن الثورة وملاحقها وما يمكن أن تؤول إليه ويخطئ من يظن أنها سترضى بكل ما يريده الثوار، أو أنها عاجزة عن تسيير المجلس العسكري باتجاه الفتنة في لحظة ما.
2- يخطئ من يتوهم أن المشير طنطاوي قد صار بين ليلة وضحاها من الثوار وأنه لن يواجه الإخوان ضمن حيثيات بعينها (يعرفها الإخوان ويحتاطون لها بالذكاء في التعامل مع المطلوبات والممكنات).
3- إن حصلت مواجهة بين الإخوان والجيش تحت ذريعة انشقاقهم على الدستور وانفصالهم أيديولوجيا عن الثورة عندها سيكون الجيش في نظر كثيرين إنما استهدف جهة وليس كل الشعب وسيجد من يقف معه وكلنا نتذكر ما كانت مواقف الأحزاب السابقة يوم كانت ترفض توفير غطاء تنظيمي للإخوان في الانتخابات مع ما كان يعرضه الإخوان عليهم في سبيل ذلك.
4- غاية ما يمكن أن يراهن عليه من يستسهلون مواجهة مع الجيش هو أن يتفكك الجيش ولنا أن نتخيل خطورة ذلك ليس على الإخوان أو الثورة بل وعلى مصر كلها.. وهذا المثال والشاهد من العراق وما وقع ويقع فيه بعدما حل " بريمر " الجيش، وما يجري حاليا في ليبيا بعد انقسام الجيش عن كتائب القذافي مثال آخر وشاهد آخر..
آخر القول: الجميع يراهنون على انتهاء الفترة الانتقالية وأنها ستفضي لبرلمان يضع دستورا و " الإخوان المسلمون " من هذا الجميع، وهم بالتأكيد ليسوا ملائكة ولكنهم أيضا ليسوا جماعة شياطين.. وهم " يتكتكون " ويناورون في محتمل الصواب والخطأ وفي ميزان المصالح والمفاسد وفي مسموح الاجتهاد.. وما قاله عصام العريان إنما يأتي في هذا السياق، وليس من بنات أفكاره الخاصة ولا من هوى نفسه ولا هي لحظة ضعف.. ولكل مجتهد من الصواب أجره ونصيبه..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9858
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3468
| 22 أكتوبر 2026