رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الجميع في انتظار الحدث الثقافي الأبرز الذي يشرق من عام لآخر. ويحرص الأفراد والعائلات من القراء والمثقفين على حضور معرض الكتاب سنوياً، ذلك لأسباب عدة، منها اقتناء الكتب المفضلة والجديد منها، والمشاركة في الفعاليات المختلفة التي تختلف من عام إلى عام. يقول نجيب محفوظ: “الكتابة هي الطريقة التي نعبر بها عن أنفسنا وهوياتنا».
ويأتي شعار معرض الكتاب لهذا العام: “من النقش إلى الكتابة”. فالكتابة والقراءة ليستا ترفاً، إنما ضرورة للحياة لا تقل أبداً أهمية عن الهواء والماء.
ويأتي ذلك تجسيداً لأن الكتابة هي التعبير الإنساني الأصيل للإنسان والمجتمع الذي يعيش به، فالكتابة تُعدّ وسيلة البشر الأولى للحفاظ على فكرهم وتوثيق تاريخهم، كما أنها الذاكرة الحية للأمم، كما يقول أحد المفكرين. فمن خلال الكتابة نكتشف العوالم المختلفة التي عاشت في العصور القديمة، وهي التي تنتقل بنا عبر الزمن والمكان، ونعيش من خلالها حياة الأشخاص الآخرين..
كما أن شعار هذا العام يمثل رحلة الكتاب بصورة أعمق وتوثيق الكتابة والتاريخ على مرّ العصور، والتي تُعدّ من أهم وسائل نقل التاريخ.
فالكتابة هي العلامة التي تعيد تشكيل الواقع الحاضر، وتعبر عن حضارة كل عصر من ناحية إنسانية، وثقافية، واجتماعية وفكرية.
الكتب أصبحت أدوات تشهد على العصر، فالانتقال من النقش إلى الورق، ومن الورق إلى الرقمنة، هو دليل واضح على التقدم.
فقد تطورت أدوات الكتابة من الحجر إلى الألواح الطينية، إلى الورق، حتى وصلنا إلى العصر الرقمي
ومع هذا التقدم في الكتابة، تطورت طرق عرض الكتاب أيضاً، فأصبحت معارض الكتاب منصة لنشر الوعي الاجتماعي والتبادل الثقافي الذي يساهم في بناء مجتمع قارئ ومتنور. إنها فرصة لاكتشاف المواهب الجديدة ودعمها، واستحضار العقول التي تصوغ الحرف بذكاء وتمنحه الحياة.
وفي هذا السياق، لا يسعنا إلا أن نشيد بالدور البارز الذي تقوم به وزارة الثقافة، بقيادة وزير الثقافة سعادة الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني، في إنجاح هذا الحدث الثقافي الوطني. فقد أظهرت الوزارة التزاماً كبيراً بدعم الحراك الثقافي، وبتقديم معرض الكتاب بحلة تليق بمستوى الطموح الوطني والإنساني، من حيث التنظيم، وتنوع الفعاليات، واستقطاب دور النشر، وتوسيع دائرة الحضور المحلي والدولي. إن هذا النجاح ليس وليد المصادفة، بل نتيجة رؤية ثقافية واعية تتعامل مع الكتاب ككائن حي، ومع القارئ كمواطن له الحق في المعرفة والاختيار والدهشة.
إن معارض الكتاب الثقافية تتيح الفرصة لاكتشاف عوالم ثقافية مختلفة، كما تعتبر مناسبة لتبادل الثقافات والانفتاح على الآخر. ويظل التنوع الثقافي أهم ما يميز هذه المعارض، من حيث اختلاف اللغات والاتجاهات والمشارب الفكرية.
وإلى جانب ذلك، تتيح المعارض فرصة اللقاء بالمؤلفين، ما يعني لقاء العقول التي تكتب وتنقش على صفحات الحياة والفكر.
ومما لا شك فيه أن الفعاليات المصاحبة ساعدت في خلق فضاءات أوسع من التفاعل، مما أسهم في فتح آفاق التفكير والنقاش بين المثقفين والجمهور من خلال الندوات التي تناقش المواضيع المعاصرة.
فاليوم أضحى المعرض حدثاً ذا أهمية، يمنح أفراد المجتمع فرصة التشجيع على القراءة، لمختلف الأعمار بشكل عام، ويمنح العائلة فرصة لزيارة المعرض وتعويد الأبناء على الاطلاع والاختيار، ما يساهم في تعزيز الثقافة العامة للجميع.
ويغطي المعرض مجموعة هائلة من العناوين المختلفة في موضوعاتها وأقسامها، بالإضافة إلى أن وجود الكتب في متناول اليد يساعد على تصفحها ويحفّز على القراءة.
في نهاية المطاف، الكتابة هي النافذة التي نطلّ منها لنرى العالم والمجتمعات المختلفة، وفي أزمنة متفاوتة، بعيون متعددة. ومن خلالها أيضاً يمكن الحديث عمّا هو أعمق في هذه الأزمنة من زاوية تجعلها تلامس القلوب إن شعار “من النقش إلى الكتابة” عميق جداً، فهو يسلّط الضوء على الرحلة الإنسانية الفكرية والاجتماعية عبر الزمن، وتبقى الكتابة الأداة التي تشكل هوية المجتمع عبر الأجيال… كل هذا بيني وبينكم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2136
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
954
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
732
| 04 فبراير 2026