رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أسابيع قليلة تفصلنا عن 30 يونيو 2013 الموعد الذي حدده القرار الأميري رقم (18) لسنة 2010 لتنتهي معه مدة مجلس الشورى المعين، فهل سيجدد له؟ أم سنشهد انتخابات مجلس الشورى بعد كل هذه السنوات من النص عليها! المادة (46) من النظام الأساس المؤقت المعدل (1972) أكدت قبل أربعين عاماً على أن ينشأ مجلس يتم تشكيله بالانتخاب العام السري المباشر بعد انتهاء مدة المجلس الأول والذي قدر ابتداءً أن يبقى معيناً لمدة سنة واحدة وفقاً للمادة (45) من النظام الأساس المؤقت، لكن ما إن اقتربت هذه السنة على الانتهاء عام 1973 حتى أُجري تعديل على هذه المادة مُد به عمر المجلس ليصبح 3 سنوات، وتكرر هذا الأمر ثانيةً فما أن اقتربت هذه السنوات الثلاث على الانتهاء عام 1975 إلا والمشرع يعاجل المواطنين بمد مدة المجلس المعين ويجعل عمره ست سنوات. أعقب هذين التعديلين قرارات أميرية متتابعة تطيل مدة المجلس دون إجراء تعديل على المادة (45) من النظام الأساس المؤقت المعدل، مستفيدةً في ذلك مما قررته هذه المادة بأنه "يجوز مد هذه المدة إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك". فصدرت قرارات المد في عام 1982 وعام 1986 وعام 1990 وعام 1995 وعام 1998 وعام 2004 وعام 2005 وعام 2007 وعام 2008، وأخيراً عام 2010 بمد مدة مجلس الشورى كذلك لغاية 30 يونيو 2013. ورغم كثرة هذه القرارات وتتابعها إلا أن أيٍ منها لم يوضح ما هي المصلحة العامة التي اقتضت التمديد.
في يوم 16 نوفمبر عام 1998 ألقى سمو الأمير خطاباً في افتتاح الدور العادي السابع والعشرين لمجلس الشورى جاء فيه "أنه آن الأوان لتطوير نظامنا الدستوري" وأن هذا الهدف "لا بد أن يساهم في تعزيز قدرة سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية على أداء مهماتها بكفاءة وفاعلية، ومن شأنه أن يرفع مستوى الأداء الحكومي ويزيد من قدرته على القيام بما هو مطلوب ومنشود في تقديم الخدمات العامة، ودفع عملية التنمية وخدمة الوطن والمواطن، إضافة إلى تعميق تجربتنا في تعزيز المشاركة الشعبية وتنشيط دورها في رسم سياسات الدولة وحسن تنفيذها"، و "من أجل تحقيق هذا قررنا بعون الله تشكيل لجنة من أهل الكفاءة والاختصاص لوضع دستور دائم للبلاد، يكون بنوده الأساسية تشكيل برلمان منتخب عن طريق الاقتراع الشعبي المباشر، لنتوج به سعينا نحو تكريس المشاركة الشعبية كأساس للحكم.."..
وفي 18 نوفمبر 2003 وعند افتتاح دور الانعقاد العادي 32 لمجلس الشورى ألقى سمو الأمير خطاباً جاء فيه: "إن الحدث الأهم على الساحة الداخلية، منذ أن التقينا في العام الماضي، هو الاستفتاء على مشروع الدستور الدائم الذي نال موافقة شعبية واسعة، تؤكد أن أحكامه جاءت ملبية لرغبات وتطلعات شعبنا في إقامة دولة المؤسسات المبنية على مبدأ الفصل بين السلطات، والتي تعتبر المشاركة الشعبية، ممثلة في مجلس الشورى المنتخب ركناً ركيناً فيها، كما تؤكد قناعة شعبنا بالمبادئ والأسس التي تضمنها ذلك الدستور".
وفي 5 أبريل 2004 وعند افتتاح منتدى الدوحة الرابع للديمقراطية والتجارة الحرة بين سمو الأمير في خطابه: "إن قطر قطعت خلال السنوات الماضية شوطاً على الطريق نحو تعزيز المشاركة الشعبية، وهو ما تجسد في أبريل المنصرم من خلال الاستفتاء على مقترح الدستور الدائم، الذي جاءت مواده لتكفل الحقوق، وتصون الحريات، وتبنى دولة المؤسسات وحكم القانون، وتمهد عن قريب لإجراء انتخابات برلمانية يشارك من خلالها المواطنون في تشكيل مجلس للشورى، يساعد على الارتقاء بمجمل العمل العام".
من خلال سلسلة الخطابات الأميرية أعلاه يظهر بكل وضوح بأنه آن الأوان في عام 1998 (تاريخ الخطاب الأميري الأول) لوضع دستور "يكون بنوده الأساسية تشكيل مجلس منتخب عن طريق الاقتراع الشعبي"، وأن سمو الأمير يرى بأن المشاركة الشعبية وإقامة دولة المؤسسات المبنية على مبدأ الفصل بين السلطات لا يمثل رغبات وتطلعات سمو الأمير فحسب بل رغبات وتطلعات الشعب القطري أيضا، وأنه يرى بأن المشاركة الشعبية متمثلة في مجلس الشورى المنتخب يعد الركن الركين للدستور الجديد، وأنه قريباً (وقد ألقي هذا الخطاب في 2004) سوف تجرى انتخابات برلمانية يشارك خلالها المواطنون في تشكيل مجلس الشورى المنتخب.
إن قناعة سمو الأمير بالديمقراطية والمجلس المنتخب والمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار السياسي لم يفصح عنها داخلياً فحسب، بل نقلها سموه إلى المناقشة العامة لدورة 59 للجمعية العامة للأمم المتحدة في 11 سبتمبر 2004 إذ بين في خطابه أمامها أن "الإصلاح السياسي ومشاركة المواطن في صنع القرار لم تعد قضية اختيارية نأخذ أو لا نأخذ بها، وإنما باتت ضرورة، ولا أبالغ إذا ما قلت أنها تصل حتى إلى درجة الحتمية، بعد ما أظهرته المسيرة الطويلة للعلاقات الدولية من أن الدول التي أنجزت اقتصادياً كانت هي الأكثر حرصاً على تطبيق الديمقراطية، سواءً كانت من بلدان الشمال أو الجنوب".
فالإصلاح السياسي ومشاركة المواطنين في صنع القرار كما يرى سمو الأمير لم تعد قضية للنقاش، ولم تعد مسألة اختيارية للأخذ بها أو عدم الأخذ بها، بل هي مسألة إلزامية وحتمية وإن غيابها هو سبب المعاناة الاقتصادية والاجتماعية القاسية التي تتكابدها الدول التي تفتقر إلى ذلك.
الدستور الذي آن أوان وضعه في 1998 شكلت لجنة لإعداد مشروعه في عام 1999، وأخذت هذه اللجنة ثلاث سنوات لإنجاز عملها وتسليمه عام 2002، ليبقى حبيس الأدراج لمدة تقترب على السنة حتى يدعى المواطنين للاستفتاء عليه في 2003، ثم يبقى حبيس الأدراج ثانيةً ولمدة تتجاوز السنة لكي يصدر عام 2004، ثم يبقى حبيس الأدراج ثالثةً ولمدة سنة لكي يُنشر في عام 2005، وليخرج أخيراً إلى النور بعد سبع سنوات من تاريخ البشارة به عام 1998. ورغم هذا السنوات السبع العجاف فإن هذا المخلوق لم يخرج إلى النور بكامل جسده بل بقى ثلث مواده المتعلق بالمجلس المنتخب داخل الرحم المظلم وفقاً للمادة (150) من هذا الدستور. وقد مضت سبع سنوات أخرى على تاريخ بدء العمل بالدستور. هذا الثلث من الدستور ما زال مُغيباً! هذا الثلث هو الجزء الأهم الذي يميز هذا الدستور عن النظام الأساس المؤقت المعدل، والذي وصفه سمو الأمير في خطاباته أعلاه بأنه "الركن الركين" لهذا الدستور "وبنوده الأساسية".
وأخيراً في مطلع شهر نوفمبر من عام 2011 أعلن سمو الأمير في خطاب افتتاح دور الانعقاد الأربعين لمجلس الشورى القطري من على منصة هذا المجلس بأنه قرر أن تجرى انتخابات مجلس الشورى في النصف الثاني من عام 2013. وها نحن قد أوشكنا على الانتهاء من النصف الأول من عام 2013! فهل سيشهد النصف المتبقي من هذا العام انتخابات مجلس الشورى؟ إلى الآن لم يصدر قانون نظام انتخاب مجلس الشورى! ولم تُعد جداول الناخبين! ولم يصدر مرسوم الدوائر الانتخابية! وقد أوشك الصيف على الاقتراب. نتمنى أن يشهد النصف المقبل من هذا العام انتخابات المجلس، وإن لم يتحقق ذلك، فإنه يحق لنا أن نسأل عن المسؤول عن تأجيل تطلعات سمو الأمير وما يؤمن به وما يسعى إليه والذي صرح عنه في خطاباته سابقة الذكر، وأن نسأل عن المسؤول عن تأجيل تطلعات ورغبات الشعب القطري التي نقلها سموه إلى العلن؟
هذا والله من وراء القصد.
الحق في الإجازة السنوية
من الدعاوى التي فصل فيها القضاء القطري في السنوات السابقة، دعوى تمثلت وقائعها في أن أحد الأشخاص الذين... اقرأ المزيد
2484
| 26 ديسمبر 2024
بدل صيانة الأثاث
من الدعاوى التي عُرضت على المحاكم القطرية مؤخرًا، دعوى تمثلت وقائعها في أن أحد الموظفين العاملين في مؤسسةٍ... اقرأ المزيد
2391
| 19 ديسمبر 2024
الاستقالة الحكمية وشرط الإنذار المسبق
في إحدى الدعاوى التي فصلت فيها المحاكم القطرية في السنوات الماضية، دعوى تمثلت وقائعها في أن أحد الموظفين... اقرأ المزيد
1830
| 12 ديسمبر 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- أستاذ القانون العام بجامعة قطر
[email protected]
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4362
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3192
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1230
| 28 سبتمبر 2026