رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هتفت أخت لي وهي مزهوة ومعجبة بمشروع سوق سيف مدينة الوكرة القديمة التراثي وإبداعات مقاهيه وهي تشيد متندّرة في ذات الوقت:
"مشروع المدينة التراثية وسوقها مشروع خيالي ورائع وواعد، ولكن يبدو انه مشروع سمنة مفرطة قادمة لأهل الوكرة وسيّاح قطر" .
ضحكنا معاً على تعليقها الساخر والواقعي في آن واحد، وأنا اعلم أنها من كبار رواد السفر والمدن العالمية ومن ذويقي المقاهي فيها، ولكنها رياضية بالدرجة الأولى إذ تطرقها مشيا رائعا، وقد أخذتني يوما ما بقدمينا — كوني أحب المشي مثلها — من مقاهي روما القديمة في "رو دي كوندوتي" إلى "الفاتيكان" مشيا على الأقدام نذرعها ذهابا وإيابا.
ولعل الشيء بالشيء يذكر، فالمقاهي الجميلة على سِيف الوكرة تبهرك باغراءات لا تقاوم، ولكن لم تزامنها مترادفات بنى تحتيّة تحفظ أرواح السكان ومرتاديها والمارّة من خطر عبور الطرق العامة ومغبّة الدهس التي تمثل مدخلها الوحيد في الوكرة، فضلا عن دورها في تشجيع السكان والزوار والسياح على مفهوم تسعى له الرؤية الوطنية للقيادة الحكيمة وهو ممارسة الرياضة التي جُعل لها في قطر يوم خاص، نأمل ان يكون تكامليا في المشاريع والتنفيذ لا "يوم يتيم" فحسب ، الامر الذي يشجع الناس على المشي من بيوتهم لقطع الشارع العام للوصول للبحر وغيره من الطرق بانسيابية تامة.
المشروع رااااائع والمثل العربي:
"قطعت جهيزة قول كل خطيب " ينطبق على الرؤية السديدة للقيادة الحكيمة في إحياء الروح التراثية التي أثبتت نجاحا باهرا، فقد حققت مدينة الوكرة الترثية وسوقها المقام على السيف اقبالا كبيرا وملحوظا رغم عدم اكتماله، وانه لم يفتتح رسميا بعد.
إن ما يستحق الشكر والتقدير للدولة هو إعطاؤها الفرصة للقطريين ولأبناء كل منطقة لإطلاق أفكارهم وإبداعاتهم في المقاهي وفي المتاجر المزمعة التي حفزت ذهنية القطريين لوضع لمساتهم الإبداعية التي طالما أخفيت وغيبت ولم تجد لها يدا تشجعها او تعطيها الفرصة.
وقد بهرتنا حقا إبداعات من بدأ، فقد وصلت أصداؤها العالمية خصوصا بعد تعليقات الانستغرام، فوسائل التواصل الاجتماعي اليوم وفرت لنا تغذية رجعية مباشرة حول ردود الفعل وآراء الجماهير من تعليقات إيجابية تشيد بإبداع القطريين في مقاهٍ ومحلات تحمل أفكارهم البكر وتصاميمهم الفذة التي طالما تغنينا بمثيلاتها في دول الجوار، حتى هتف المعلقون: "غلبتونا يا هَلْ قطر" .
أحب وطني وأشعر حقيقة أنه لا يضاهي أوطاننا العربية شيء ليس تعصبا لانتمائنا، ولكنني أؤمن ان المدينة روحٌ، وهذا ما تتميز به مدننا العربية، وهو ما سعت رؤية قيادتنا الحكيمة لتنفيذه في كافة مدن قطر من منطلقات الاهتمام بالهوية الأصيلة.
روحانية المدن شكلت لها نقاط التقاء عاطفي وتواصل جعلت قلوبنا تنطلق مع أقدامنا إلى الشاطئ من قلعة الوكرة ومن كل المنافذ لنجد أنفسنا وسط الشارع العام وهو عصب الحياة في الوكرة — كونه يربط الدوحة بمسيعيد، المدينة الصناعية — وهو شريان رئيس خطر ومزدحم دون ان يوضع لنا جسر عبور أو حتى إشارات مشاة مرحلية مؤقتة ما دام السوق قد افُتتح قبل اكتمال مراحل البنى التحتية في الانفاق والجسور.
وعن تجربة فقد عبرت الشارع العام مرتين وانا أشعر وكأنني في لعبة "سوبر ماريو"، فأتشهد وأقرأ البسملة واهلل واحوقل خوفا من أن تدهسنا السيارات، اذ لا يوجد حل مؤقت لمن يريد ان يتمتع بجمال المدينة مشيا على الأقدام فيضرب عصفورين بحجر، التمتع بارتياد البحر ومقاهيه وسوقه ورياضة المشي منعا للخمول الخليجي المعتاد.
هذا مطلب بل ضرورة مدنية وتخطيطية نرفعها للجهة المختصة فضلا عن ضرورات أخرى تفاجئنا بها بل تعجبنا منها في التخطيط المدني، قد خُنقت مدينة الوكرة المختنقة سلفا ببركات بروة وازدان التي أوصلت تعداد سكان الوكرة رقما قياسيا وقد يزداد قريبا الى ما يقارب ١٠٠ ألف نسمة.
كما وُضع للمدينة التراثية وسوق الوكرة مدخل واحد فقط من جهة القادم من مسيعيد، ومخرج واحد فقط من جهة الخارج الى الدوحة. وهذا في رأيي تخطيط فاشل إذ يزيد من خنق المدينة ويعرقل انسيابية السير وحركته ويخنق شريانا رئيسا في قطر فيه مصالح اقتصادية واستثمارية للدولة حتى قبل السياحية.
الأجدر أن يكون الدخول والخروج من الجهتين، وأن يعاد تخطيط الطرق والمداخل والأسهم الأرضية في المسارات. لقد شهدنا الاختناق قبل التدشين الرسمي فما بالنا بعد التدشين واكتمال نصاب المدينة، فهل ستحْتضر؟.
هذا كما نريد ان نذكر بعددٍ من الامور الصغيرة التي تكدر صفو الرؤية التراثية والجمالية مثل: صناديق القمامة الخضراء على السّيف التي لم تواكب وضعها في حاويات تراثية خشبية توحد هوية المدينة فبدت كنشاز أو طحالب خضراء على السيف وهي تجاور روعة أخشاب السفن والمراصد الخشبية البحرية.
هذا ويبقى أملنا في نهاية المطاف في أن توفر إدارة السوق والجهة المختصة به في الدولة لأصحاب المقاهي والمحلات المبدعين مرافق ومواد تساعدهم على مواجهة متغيرات ومواسم أجواء قطر من غبار وأتربة وحرّ الصيف القادم — لا محالة — والذي يقتضي حتما حلولا ناجعة في وضع بلاستيك عازل للحرارة في مواقع الجلوس على جوانب كل مقهى مثل المتبعة في المقاهي العالمية ومقاهي بيروت، فضلا عن وضع مكيفات أو اي حلول معروفة لأهل البحر والبيئات الحارة تدعمها طاقة كهربائية مناسبة من اول جار للسوق — بو فنطاس — الذي لم يعجز عن الربط الكهربائي الخليجي لحل عجز في ضائقة كهربائية في دولة خليجية شقيقة وعزيزة منذ فترة قريبة حتى يعجز عن إمدادات ضرورية لمدينة سياحية واعدة من مدن قطر وحتى لا يكون كما يقول المثل:" عذاري تسقي البعيد وتخلي القريب". مع ضرورة إيجاد أفكار تشجع الارتياد الصيفي مثل نوافير المياه الرشاشة البحرية على السيف..
هذا فضلا عن ضرورة التنويه بحقّ قانوني مشروع وهو أن تساهم إدارة السوق والجهة المعنية في الدولة بحفظ حقوق الملكية الفكرية للمبدعين في السوق في المقاهي والمحلات الذين اجتهدوا وبنجاح ملحوظ في اخراج إبداعاتهم من بنات أفكارهم، فلابد من أن يحفظ لهم حقهم في تلك المنافسة المحمودة دون تقليد أو تنافس غير شريف والذي قد يسرق الأفكار والانجازات الواعدة.
مع تمنياتنا للجميع بمتعة روحية وجمالية في مدن واعدة سياحية ورياضية وجمالية دون خسائر تذكر في الأرواح ....
صيفًا سعيدا...،و "دئوا الشماسي"
التعليم في قطر والذكاء الاصطناعي في زمن ChatGPT
لا.. ChatGPT لا !! لا مرفوض … ممنوع! هذه ليست ردود أفعال مجتمع بين متعلم وغير متعلم أو... اقرأ المزيد
3156
| 11 سبتمبر 2024
درس الحروب.. احفظوا وثائقكم رقميا
تعطينا الحروب دروسا كل يوم، مع غمرة الألم نرى كيف يخرج الإنسان صامدا وغنيا في نفسه وإرادته ولكنه... اقرأ المزيد
1008
| 04 سبتمبر 2024
المقعد الأخير
ماذا يعني أن تكون في المقعد الأخير في المقهى أو المطعم؟ وماذا يعني أن تكون في المقعد الأول... اقرأ المزيد
1209
| 28 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3345
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
2526
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1215
| 01 أكتوبر 2026