رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس غريباً أن يتحدث القرآن عن اليهود مطولاً في سورة البقرة، التي نزلت معظم آياتها بالمدينة المنورة، والحديث عنهم بتفاصيل وحوادث ووقائع وقصص بعد عشر سنوات من بدء نزول القرآن، وكشف طبائعهم وأساليب تعاملهم مع أنبيائهم بل مع الله تعالى، إنما لسبب وجيه هو محور حديثنا اليوم.
المسلمون لم يكن يهمهم وهم مستضعفون في مكة، سوى كيفية الثبات على دينهم الجديد، ولذلك تلاحظ أن معظم الآيات المكية كانت تصب في هذه الناحية. تثبيت العقيدة وتقوية الإيمان بالله والصبر على الأذى، مع ما لذلك من جزاء طيب بالآخرة. هكذا كان وضعهم طيلة عقد من الزمان. حتى إذا ما هاجر جُلّهم إلى المدينة هرباً من بطش وقسوة ووحشية النظام الحاكم في مكة، بعد أن تركوا خلفهم كل ما يملكون، وصاروا بعد ذلك في حكم ما نسميهم اليوم بطالبي اللجوء السياسي، وما استدعى ذلك إلى مشاركة شعب آخر في معاشه وحياته ونظامه، بدأت الآيات المدنية تتنزل وفيها تفاصيل كثيرة تنظم شؤون حياتهم، كان المهاجرون بحاجة ماسة إليها أكثر من الأنصار الكرام.
أهم ما نريد تأملها ونحن في شهر التأمل والتدبر، هي تلك التفاصيل التي تحدث عنها القرآن في سورة البقرة والمتعلقة بالبيئة الجديدة للمهاجرين، وتعريفهم بشعب تلك البيئة، حيث التنوع البشري والعقدي والفكري الذي كان قائماً آنذاك بالمدينة المنورة، وكيفية التعامل معها، والدولة المسلمة تسير خطواتها الأولى، ولم يشتد عودها بعد.
بيئة المسلمين الجديدة
لاحظ معي أن سورة البقرة منذ بدايتها وهي تتحدث عن ثلاثة مكونات أساسية في بيئة المدينة المنورة. المؤمنون، وهم الفئة الأولى التي لم يتحدث القرآن عنها إلا قليلا، ثم يتوسع في الحديث عن فئة جديدة ظهرت بالمدينة مع استقرار المقام للمهاجرين أو اللاجئين السياسيين، وهي فئة المنافقين التي لم تستدع الظروف المكية أن تظهر، حيث لم تكن للإسلام دولة تستدعي منافقتها، لكن اختلف الوضع بالمدينة فظهرت فئة المنافقين التي أعلنت إسلامها في العلن، وأخفت ما في قلبها من بغض وكراهية شديدة للمسلمين. ثم أفاض القرآن كثيراً في الحديث عن الفئة الخطرة آنذاك، بل ستكون هي الفئة الأخطر للمكون المسلم في كل زمان ومكان، وبالتالي استدعى الأمر بيان الكثير من التفاصيل لذلك الجيل وبقية الأجيال المسلمة القادمة إلى آخر الدهر.
بنو قريظة والنضير وقينقاع وخيبر، قبائل يهودية استوطنت المدينة، وتفوقت على العرب الأميين في علوم كانوا يتفاخرون بها على العرب، منها علمهم بخبر نبي آخر الزمان، وقد كانوا يأملون، أو بعضهم كان يتوقع أن يكون هذا النبي منهم، حتى إذا كان عربياً قرشياً من بني هاشم، أعلنت تلك القبائل عن وجهها القبيح سريعاً وبدأت بالعداوة، الظاهرة منها والباطنة، وكفرت بما أنزل الله على نبينا الكريم - صلى الله عليه وسلم - فكانوا أول كافر به، رغم علمهم بمجيئه.
القرآن يكشف حقيقة اليهود
بدأت سورة البقرة في ذكر قصص بني إسرائيل، وكأنما تخاطب يهود المدينة وتذكرهم بما كان عليه أسلافهم مع نبي الله موسى وغيره من الأنبياء، وتذكرهم بقصصهم المتنوعة في الخباثة والتحايل والخداع، واستمرارهم في نقض العهود والمواثيق مرة بعد أخرى، رغم كثرة الابتلاءات والمصائب التي حلت بهم بما كسبت أيديهم، فما كانوا يقومون من عثرة حتى يقعوا في حفرة، وهكذا لم تكن تنفعهم كل تلك الكوارث وتكون رادعاً وسبباً في تغيير طبائعهم جيلاً بعد جيل.
العداء الذي أظهره اليهود للجماعة المسلمة منذ تلك الأيام حتى يوم الناس هذا، يختلف عن عداوات كل الأمم الأخرى للإسلام والمسلمين. حيث تجد الحقد والحسد والكراهية متأصلة ومتجذرة فيهم، بل يبدو أنه تم توارثها جيلاً بعد جيل حتى اليوم. فما يجري في غزة مثلاً، لا يختلف عما حاكه يهود بني النضير ضد النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - أو خيانة بني قريظة للمسلمين ومن قبلهم قينقاع حتى خيبر.
يهود الأمس هم يهود اليوم وقد ظهروا في صورة عصرية وقد ازدادوا بعداً عن شريعة موسى، بل كل شرائع السماء، كما كان أسلافهم بالمدينة أو قبل ذلك بقرون عدة، فصاروا صهاينة، لا لهم في الأديان ولا الأخلاق ولا القيم، بل ازدادت عداوتهم ووحشيتهم وإجرامهم ضد الجماعة المسلمة في غزة، وفي خططهم النيل من كل مسلم أينما كان، إن استطاعوا.
لذلك تجد أن كثرة الحديث عن بني إسرائيل في القرآن، ما هو إلا لتتنبه الجماعة المسلمة في كل عصر إلى خطورة هذه الفئة الحقودة من البشر مهما تغيرت صورهم وأفكارهم، فهم مع هذه الأمة من سيئ إلى أسوأ. وإن من الحماقة والسذاجة أن يأمنهم أحد من هذه الأمة، فإن كان نبيهم العظيم موسى عليه السلام لم يسلم منهم ومن خبثهم وطبيعتهم غير السوية، فهل مع غيره أفضل حالاً؟.
بنو النضير من جديد
ما يجري في غزة هو طبق الأصل مما خطط له زعماء بني النضير ومن بعدهم بني قريظة ضد الجماعة المسلمة في المدينة. إنهم على الدرب نفسه والفكر ذاته. هدفهم استئصال شأفة المسلمين وإبادة خضرائهم. إنهم اليوم مستمرون في مشروع الإبادة الجماعية ضد غزة، التي تعتبر أوضح وأشرس مقاومة سنية ضد مشاريعهم، وذلك بمسح عمرانها والتخطيط لإعادة احتلالها بمعية أمريكية غربية وبعض منافقي العرب. إنهم يقتلون ويأسرون وينهبون باسم التوراة المحرفة. لا فرق عندهم بين الأطفال والنساء وكبار السن. الكل سواء في الذبح والتصفية. ولذلك يمكن القول بأن هذا الاحتلال المجرم، هو إعادة لسيناريو قصص بني النضير وقريظة مع المسلمين من جديد.
أمثال هؤلاء، وطبيعتهم قد كشفها الله للأمة منذ بداية قيامها، لا يجب أن يتم التعامل معهم بلين أو سياسة، وإضاعة الوقت في مفاوضات عبثية لاهثة ومستنزفة للجهود والأوقات، في رحلات مكوكية بين عواصم عربية وغربية، فيما جيشهم الجبان المدعوم أمريكيا وغربياً، يدمر الأحياء بمن فيها من بشر وشجر، ومن ثم يقوم برصف الطرقات المؤدية للمخطط الأمريكي الخبيث المتمثل في بناء ميناء في غزة تحت غطاء المساعدات الإنسانية، وهي في الحقيقة ليست سوى تهيئة الأرضية المناسبة لتهجير من بقي حياً في غزة نحو الخارج، تمهيداً لاحتلال الجزء المقابل للميناء، أو شمال القطاع الذي سيكون ضمن مشروع أكبر هو الاستيلاء على منابع غاز غزة، التي سالت لها لعاب شركات دولية عديدة.
لقد ظهرت تقارير كثيرة تفيد بأن دولة الاحتلال المجرمة كانت تخطط لوضع يدها على خيرات المسلمين تلك، فانكشفت أمور كانت خافية مستترة بسبب طوفان الأقصى، الذي فضح كل تلك المخططات وكشف عن وجوه المجرمين الدوليين، من أعراب وأعاجم، ورومان وهندوس وغيرهم من المتعاونين مع يهود بني قريظة والنضير، نتنياهو وبن غفير وغيرهم، الذين لم يظهر لهم من يعاملهم المعاملة المستحقة، كما لقي سلفهم بالأمس، حُيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وغيرهما، وهي المعاملة المفقودة اليوم للأسف.
إن إيماننا ويقيننا بالله، رغم كل هذه الصور القاتمة الحالية، أنه سبحانه لن يضيع أجر المجاهدين، وأن المكر السيئ، كما قرر سبحانه، لا يحيق إلا بأهله، وما أكثر الماكرين واللئام حولنا! وحسبنا الله ونعم الوكيل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
18009
| 16 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1233
| 18 مارس 2026
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
1173
| 22 مارس 2026