رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس غريباً أن يتحدث القرآن عن اليهود مطولاً في سورة البقرة، التي نزلت معظم آياتها بالمدينة المنورة، والحديث عنهم بتفاصيل وحوادث ووقائع وقصص بعد عشر سنوات من بدء نزول القرآن، وكشف طبائعهم وأساليب تعاملهم مع أنبيائهم بل مع الله تعالى، إنما لسبب وجيه هو محور حديثنا اليوم.
المسلمون لم يكن يهمهم وهم مستضعفون في مكة، سوى كيفية الثبات على دينهم الجديد، ولذلك تلاحظ أن معظم الآيات المكية كانت تصب في هذه الناحية. تثبيت العقيدة وتقوية الإيمان بالله والصبر على الأذى، مع ما لذلك من جزاء طيب بالآخرة. هكذا كان وضعهم طيلة عقد من الزمان. حتى إذا ما هاجر جُلّهم إلى المدينة هرباً من بطش وقسوة ووحشية النظام الحاكم في مكة، بعد أن تركوا خلفهم كل ما يملكون، وصاروا بعد ذلك في حكم ما نسميهم اليوم بطالبي اللجوء السياسي، وما استدعى ذلك إلى مشاركة شعب آخر في معاشه وحياته ونظامه، بدأت الآيات المدنية تتنزل وفيها تفاصيل كثيرة تنظم شؤون حياتهم، كان المهاجرون بحاجة ماسة إليها أكثر من الأنصار الكرام.
أهم ما نريد تأملها ونحن في شهر التأمل والتدبر، هي تلك التفاصيل التي تحدث عنها القرآن في سورة البقرة والمتعلقة بالبيئة الجديدة للمهاجرين، وتعريفهم بشعب تلك البيئة، حيث التنوع البشري والعقدي والفكري الذي كان قائماً آنذاك بالمدينة المنورة، وكيفية التعامل معها، والدولة المسلمة تسير خطواتها الأولى، ولم يشتد عودها بعد.
بيئة المسلمين الجديدة
لاحظ معي أن سورة البقرة منذ بدايتها وهي تتحدث عن ثلاثة مكونات أساسية في بيئة المدينة المنورة. المؤمنون، وهم الفئة الأولى التي لم يتحدث القرآن عنها إلا قليلا، ثم يتوسع في الحديث عن فئة جديدة ظهرت بالمدينة مع استقرار المقام للمهاجرين أو اللاجئين السياسيين، وهي فئة المنافقين التي لم تستدع الظروف المكية أن تظهر، حيث لم تكن للإسلام دولة تستدعي منافقتها، لكن اختلف الوضع بالمدينة فظهرت فئة المنافقين التي أعلنت إسلامها في العلن، وأخفت ما في قلبها من بغض وكراهية شديدة للمسلمين. ثم أفاض القرآن كثيراً في الحديث عن الفئة الخطرة آنذاك، بل ستكون هي الفئة الأخطر للمكون المسلم في كل زمان ومكان، وبالتالي استدعى الأمر بيان الكثير من التفاصيل لذلك الجيل وبقية الأجيال المسلمة القادمة إلى آخر الدهر.
بنو قريظة والنضير وقينقاع وخيبر، قبائل يهودية استوطنت المدينة، وتفوقت على العرب الأميين في علوم كانوا يتفاخرون بها على العرب، منها علمهم بخبر نبي آخر الزمان، وقد كانوا يأملون، أو بعضهم كان يتوقع أن يكون هذا النبي منهم، حتى إذا كان عربياً قرشياً من بني هاشم، أعلنت تلك القبائل عن وجهها القبيح سريعاً وبدأت بالعداوة، الظاهرة منها والباطنة، وكفرت بما أنزل الله على نبينا الكريم - صلى الله عليه وسلم - فكانوا أول كافر به، رغم علمهم بمجيئه.
القرآن يكشف حقيقة اليهود
بدأت سورة البقرة في ذكر قصص بني إسرائيل، وكأنما تخاطب يهود المدينة وتذكرهم بما كان عليه أسلافهم مع نبي الله موسى وغيره من الأنبياء، وتذكرهم بقصصهم المتنوعة في الخباثة والتحايل والخداع، واستمرارهم في نقض العهود والمواثيق مرة بعد أخرى، رغم كثرة الابتلاءات والمصائب التي حلت بهم بما كسبت أيديهم، فما كانوا يقومون من عثرة حتى يقعوا في حفرة، وهكذا لم تكن تنفعهم كل تلك الكوارث وتكون رادعاً وسبباً في تغيير طبائعهم جيلاً بعد جيل.
العداء الذي أظهره اليهود للجماعة المسلمة منذ تلك الأيام حتى يوم الناس هذا، يختلف عن عداوات كل الأمم الأخرى للإسلام والمسلمين. حيث تجد الحقد والحسد والكراهية متأصلة ومتجذرة فيهم، بل يبدو أنه تم توارثها جيلاً بعد جيل حتى اليوم. فما يجري في غزة مثلاً، لا يختلف عما حاكه يهود بني النضير ضد النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - أو خيانة بني قريظة للمسلمين ومن قبلهم قينقاع حتى خيبر.
يهود الأمس هم يهود اليوم وقد ظهروا في صورة عصرية وقد ازدادوا بعداً عن شريعة موسى، بل كل شرائع السماء، كما كان أسلافهم بالمدينة أو قبل ذلك بقرون عدة، فصاروا صهاينة، لا لهم في الأديان ولا الأخلاق ولا القيم، بل ازدادت عداوتهم ووحشيتهم وإجرامهم ضد الجماعة المسلمة في غزة، وفي خططهم النيل من كل مسلم أينما كان، إن استطاعوا.
لذلك تجد أن كثرة الحديث عن بني إسرائيل في القرآن، ما هو إلا لتتنبه الجماعة المسلمة في كل عصر إلى خطورة هذه الفئة الحقودة من البشر مهما تغيرت صورهم وأفكارهم، فهم مع هذه الأمة من سيئ إلى أسوأ. وإن من الحماقة والسذاجة أن يأمنهم أحد من هذه الأمة، فإن كان نبيهم العظيم موسى عليه السلام لم يسلم منهم ومن خبثهم وطبيعتهم غير السوية، فهل مع غيره أفضل حالاً؟.
بنو النضير من جديد
ما يجري في غزة هو طبق الأصل مما خطط له زعماء بني النضير ومن بعدهم بني قريظة ضد الجماعة المسلمة في المدينة. إنهم على الدرب نفسه والفكر ذاته. هدفهم استئصال شأفة المسلمين وإبادة خضرائهم. إنهم اليوم مستمرون في مشروع الإبادة الجماعية ضد غزة، التي تعتبر أوضح وأشرس مقاومة سنية ضد مشاريعهم، وذلك بمسح عمرانها والتخطيط لإعادة احتلالها بمعية أمريكية غربية وبعض منافقي العرب. إنهم يقتلون ويأسرون وينهبون باسم التوراة المحرفة. لا فرق عندهم بين الأطفال والنساء وكبار السن. الكل سواء في الذبح والتصفية. ولذلك يمكن القول بأن هذا الاحتلال المجرم، هو إعادة لسيناريو قصص بني النضير وقريظة مع المسلمين من جديد.
أمثال هؤلاء، وطبيعتهم قد كشفها الله للأمة منذ بداية قيامها، لا يجب أن يتم التعامل معهم بلين أو سياسة، وإضاعة الوقت في مفاوضات عبثية لاهثة ومستنزفة للجهود والأوقات، في رحلات مكوكية بين عواصم عربية وغربية، فيما جيشهم الجبان المدعوم أمريكيا وغربياً، يدمر الأحياء بمن فيها من بشر وشجر، ومن ثم يقوم برصف الطرقات المؤدية للمخطط الأمريكي الخبيث المتمثل في بناء ميناء في غزة تحت غطاء المساعدات الإنسانية، وهي في الحقيقة ليست سوى تهيئة الأرضية المناسبة لتهجير من بقي حياً في غزة نحو الخارج، تمهيداً لاحتلال الجزء المقابل للميناء، أو شمال القطاع الذي سيكون ضمن مشروع أكبر هو الاستيلاء على منابع غاز غزة، التي سالت لها لعاب شركات دولية عديدة.
لقد ظهرت تقارير كثيرة تفيد بأن دولة الاحتلال المجرمة كانت تخطط لوضع يدها على خيرات المسلمين تلك، فانكشفت أمور كانت خافية مستترة بسبب طوفان الأقصى، الذي فضح كل تلك المخططات وكشف عن وجوه المجرمين الدوليين، من أعراب وأعاجم، ورومان وهندوس وغيرهم من المتعاونين مع يهود بني قريظة والنضير، نتنياهو وبن غفير وغيرهم، الذين لم يظهر لهم من يعاملهم المعاملة المستحقة، كما لقي سلفهم بالأمس، حُيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وغيرهما، وهي المعاملة المفقودة اليوم للأسف.
إن إيماننا ويقيننا بالله، رغم كل هذه الصور القاتمة الحالية، أنه سبحانه لن يضيع أجر المجاهدين، وأن المكر السيئ، كما قرر سبحانه، لا يحيق إلا بأهله، وما أكثر الماكرين واللئام حولنا! وحسبنا الله ونعم الوكيل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8946
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4863
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4224
| 23 سبتمبر 2026