رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يعتبر نجيب فاضل، الشاعر والمفكر البارز، ذا أهمية كبيرة لفهم تجربة حزب العدالة والتنمية الحالية، والأساس الفكري والاجتماعي الممتد من الفترة العثمانية إلى الجمهورية والذي ساهم في جلبهم إلى السلطة. نجيب فاضل، الذي لا يعتبر معروفًا كثيرًا في العالم العربي، يُعد شخصية فكرية مهمة في تركيا خلال القرن العشرين. ولد نجيب فاضل عام 1904 في عائلة عثمانية من عائلات النخبة التقليدية، وتعود أصول عائلة قيصاكورك إلى أبناء ذو القادر الذين استقروا في مرعش بعد السلاجقة. تلقى الطفل نجيب فاضل تعليمه الأول على يد جده، ثم حصل على تعليمه الابتدائي والثانوي في المدارس الأجنبية التي كانت رائجة في تلك الأيام. خلال سنوات دراسته للفلسفة في جامعة السوربون الفرنسية، ترك نفسه ينغمس في عوالم الترفيه والجموح وعاد إلى تركيا تحت تأثير الثقافة الغربية.
وعندما عاد نجيب فاضل إلى تركيا، انخرط في حياته المهنية كموظف حكومي في عدة بنوك. خلال هذه الفترة، استكشف الأوساط الأدبية من خلال اهتمامه بالشعر والمسرح. قدّم نجيب فاضل قصيدة شهيرة له في سن مبكرة جدًا بعنوان «الأرصفة» في عام 1923، وبسرعة دخل عالم الأدب في إسطنبول. نجيب فاضل، الذي يولي أيضًا أهمية لمجالات الفن الأخرى، كتب أيضًا أعمالًا نثرية ومسرحية، منها مسرحيته «توهوم» أو «البذرة» التي نشرت في عام 1935 وأخرجها المخرج الشهير محسن أرطغرول. كما تم عرض مسرحيته الشهيرة الأخرى، «خلق رجل»، في العديد من المسارح.
نجيب فاضل، الذي أصبح لاحقًا معروفًا كمعلم، شغل منصب مدرس في المدارس الفرنسية والأمريكية في إسطنبول، حيث قدم دروسًا في مجال الفلسفة في أكاديمية إسطنبول للفنون الجميلة. في سن الخامسة والثلاثين، التقى بشيخ الطريقة النقشبندية عبد الحكيم الأرواسي وأظهر اهتمامًا متزايدًا بالصوفية والتدين. خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، شهدت تركيا ضغوطًا ناتجة عن حكم الحزب الواحد على المعارضة والطوائف الدينية. اضطر نجيب إلى ترك الخدمة المدنية عندما اتجه نحو الطريق الصوفي وبدأ في تجربة روحانية أكثر مثالية ومعارضة للنظام الحاكم.
وعلى عكس الصحفيين في تلك الفترة الذين زعموا أن الحرب العالمية الثانية لن تندلع، كان نجيب فاضل ينتمي إلى معسكر معاكس، حيث كان يعتبر أن الحرب كانت وشيكة. أصدر مجلة «بويوك دوغو»، أي الشرق الكبير، وهي أعظم إرث له بعد الحرب، في عام 1943. استمر اصدار «الشرق الكبير» بطابعها السياسي والفكري والأدبي، بأبعاد مختلفة، أغلبها أسبوعية (وأحيانًا يومية أو شهرية)، حتى عام 1978، وأصبحت رمزًا لنضال تركيا من أجل هوية مستقلة وإسلامية. يفهم من الرسائل التي كتبها نجيب فاضل إلى رئيس الوزراء مندريس في الخمسينيات أنه تعرض لضغوط كبيرة في الفترة السابقة وطلب الدعم في مواجهة الصعوبات المالية والسياسية التي قد يواجهها في الفترة الجديدة.
هو كان يرى ضرورة الانتصار الفكري على مشروع الغرب الممثل بالمالية مثل اليوم.
تم سجن نجيب فاضل بسبب بعض كتاباته، حيث استمر في الإنتاج الأدبي والفكري في ظل المشهد السياسي التركي المتقلب بين الديمقراطية والانقلابات. واحدة من القضايا التي أدت إلى سجنه كانت دفاعه عن أن السلطان عبد الحميد لم يكن سلطانًا سيئًا. خلد تجربته في السجن من خلال قصيدته «رسالة من الزنزانة إلى محمد» كُتِبت هذه القصيدة إلى محمد، الذي كان يُعْتَبَر ابنه الحقيقي ويرمز إلى شباب تركيا. في هذه القصيدة، وصف النظام القمعي بأنه وجه «عابس»، ولكنه لم يتخل عن أمله ومثالياته حتى وهو في السجن، قائلاً: «لا تظنوا أن هذه العجلة ستبقى على المطبات بشكل دائم“
أسس نجيب فاضل جمعية الشرق الكبير عام 1950، على غرار حزب سياسي وقام بإلقاء مؤتمرات في الأناضول. كانت فترة حكم الحزب الديمقراطي في تركيا خلال الخمسينيات فترة حيوية وإنتاجية في المجال الفكري والأدبي. شهدت هذه الفترة نشاطًا ملحوظًا في كتابة الشعر، والمسرح، والنصوص، والقصص، والروايات، والمذكرات، والأعمال الدينية والصوفية، والدراسات السياسية والتاريخية. وكما كان متوقعًا، قدمت عملية الحرية الديمقراطية في فترة مندريس فترةً مثمرةً من حيث الإنتاج الفكري والأدبي لنجيب فاضل.
نجيب فاضل، بلا شك، يُعد أحد أقوى الشعراء في تاريخ تركيا الحديثة، وفي الاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين لميلاده، منحته مؤسسة الأدب التركي لقب «سلطان الشعراء»، أي أعظم شاعر تركي على قيد الحياة. على الرغم من أن شعره يحمل طابعًا عثمانيًا، إلا أنه يعتبر من بين أقوى الشعراء الذين يفضلون الوزن المقطعي الأكثر مرونة بدلاً من وزن العروض الذي كان سائدًا في العصر العثماني. قام بتجميع قصائده في ديوانه ”الشقاء“. في قصائده، يتناول نجيب فاضل بشكل متكرر موضوع المشاعر مثل الخوف، إلا أنه في الوقت نفسه يعبر عن تقديره للحرية الروحية ويوجه انتقادات حادة للتمسك بالمادية والانهيار الأخلاقي.
نجيب فاضل كان دائماً في حوار مستمر مع الطبيعة والمكان من حوله، مثل الكائنات الحية: الأرصفة، البحر، الأشجار، المنازل، الطرق، الجدران... ومع ذلك، لم يرَ الإنسان كباقي الكائنات، بل كان يعرِّف الإنسان بأنه «ذو وعي فائق» و»ممثل للوديعة الإلهية»، وهو ما يضعه في مكان خاص، يقول: «توقفوا أيها الحشود»، مُذكِّرًا إياه بمسؤولياته. وبشكل خاص، يظهر موضوع مسؤولية المفكر المضطربة بوضوح في قصائده. في قصيدتي «المحاسبة» و»دستان» أي الملحمة، يستخدم لغة السخرية للتعبير عن استيائه من محاولات التلاعب باللغة التركية، حيث يقول: «هناك أمر للعندليب: تعلم اللغة من الوقواق“.
نجيب فاضل كتب العديد من القصص بجانب قصائده ومسرحياته المعروفة. جمع في كتابه «قصصي» 52 قصة من إبداعه، ورغم أن رواياته مثل «الكذبة في المرآة» و»ورقة الرأس» لم تحظ بنفس الاهتمام كباقي قصائده ومسرحياته، إلا أنها أظهرت تنوعًا في إبداعه. في كتابه «نسج الأيديولوجية»، كشف فاضل عن وجهة نظره حول القضايا الثقافية، الاجتماعية والسياسية. حتى أنه كان يقوم أحيانًا بنقل المعلومات الدينية من خلال التنكر في شخصيات علماء الدين، محاولًا ملء الفراغ الذي خلفه حظر التعليم الديني في تركيا. بعض أمثلة أعماله في هذا السياق هي «الإيمان والعمل» (1964)، «حضرة علي» (1964)، «الدائرة النبوية» (1968)، «النور النازل إلى الصحراء» (1969)، «أطلس الإيمان والإسلام» (1981)، و»الفكر الغربي والصوفية الإسلامية» (1982).
العدالة بين سرعة الأمس وتعقيد اليوم
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا تُعرض على القضاة فيستمعون إلى الخصوم مباشرة، ويفهمون أصل الخلاف،... اقرأ المزيد
732
| 30 يوليو 2026
العودة إلى الدبلوماسية والحوار
يعكس التصعيد المتسارع في وتيرة الاعتداءات وتوسع دائرة العمليات العسكرية في المنطقة حجم التحديات التي تواجه الأمن والاستقرار... اقرأ المزيد
90
| 30 يوليو 2026
قرارات صَنعت مؤسسة
عندما تصنع قراراً ايجايباً ذا هدف وأثر لوزارة أو منظمة اعلم أنك تسير في الطريق الصحيح. ففي ظل... اقرأ المزيد
147
| 29 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستاذ علم الاجتماع في جامعة قطر
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
6327
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1569
| 26 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1131
| 29 يوليو 2026