رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تقول العرب "وراء الأكمة ما وراءها"، وهي مقولة ذهبت مثلا في إفشاء المرء على نفسه أمرا مستورا.. فما الجديد في حوار واشنطن والخرطوم وما الشيء الذي يمكن أن يكون مخفيا أو مستورا؟. فجأة ضجت الخرطوم بأصوات الطبل وزحمت أجواؤها المعتكرة بزفير المعاناة المعيشية اليومية.. نعم هناك "نشوة" حكومية في الخرطوم بزيارة مسؤولين كبيرين للولايات المتحدة الأمريكية (مساعد الرئيس البشير وزير الخارجية) في إطار وصفته وزارة الخارجية السودانية بأنه "حلقة من حلقات الحوار" وذهب حزب المؤتمر الوطني الحاكم بعيدا وقال إن زيارة مساعد البشير خطوة من أجل تطبيع العلاقات مع أمريكا ورفع الحظر عن العقوبات.. بيد أن واشنطن علقت ببرود عندما نفت وزارة الخارجية الأمريكية تقديم دعوة لوزير الخارجية السوداني، وقالت إنها لم تغير سياستها تجاه الخرطوم، لكن واشنطن نفسها سبق أن أقدمت في العام 2001 على بادرة لاحتواء السودان في موقف يعد تحولاً عن سياسة المواجهة، حيث نقل القائم بالأعمال الأمريكية في السودان رسالة خطية إلى الرئيس البشير يهنئه فيها بفوزه في الانتخابات الرئاسية.
الثابت أن هناك دعوة أمريكية قدمت للمسؤولين السودانيين، لكن ما شكل وقيمة هذه الدعوة ونتائجها المنتظرة؟. وما بين "النشوة" السودانية و"البرود" الرسمي الأمريكي تكمن حقيقة وحجم علاقات البلدين التي ظل طابعها التوتر الدبلوماسي، بل بلغت ذروة التوتر عندما تطور الأمر إلى هجوم أمريكي في 20 أغسطس عام 1998 بصواريخ كروز من سفن حربية أمريكية متمركزة في البحر الأحمر على مصنع للأدوية بالعاصمة الخرطوم في عملية أطلقت عليها واشنطن اسم "عملية الوصول اللانهائي".. وقد اتهمت الولايات المتحدة السودان بأنه كان يساعد أسامة بن لادن العقل المدبر لهجمات السفارة الأمريكية في كينيا وذكر مستشار الأمن القومي الأمريكي – حينذاك - ريتشارد كلارك أن المخابرات وجدت علاقة بين بن لادن من جانب وبين مصنع الشفاء وخبراء غاز الأعصاب العراقي والجبهة الإسلامية القومية من جانب آخر.. وقبل الضربة العسكرية بعام قالت وزيرة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس بيل كلينتون، مادلين أولبرايت في العاصمة الأوغندية كمبالا موجهة حديثها للمعارضة السودانية، حيث طالبتها بضرورة توحيد صفوف المعارضة بكل مكوناتها، والعمل على إسقاط النظام في الخرطوم بكافة الوسائل السلمية والعسكرية.. وتضع واشنطن السودان ضمن لائحة الدول الراعية للإرهاب وتفرض عليه عقوبات اقتصادية قاسية، منذ العام 1997، حيث أثرت على قطاعات حيوية في مقدمتها الطيران والسكك الحديدية والنقل بشكل عام وأن خسائر تلك المقاطعة تتجاوز الـ(40) مليارا و(531) مليون دولار.
لاحقا وبعد عودته من الولايات المتحدة، بينما أعقبه إلى هناك مساعد الرئيس، خفض وزير الخارجية من سقف طموحات الخرطوم وقال: "كلمة تطبيع هذه هدف بعيد ونحن نحتاج إلى تصفية بعض الموضوعات العالقة وإيضاحها وبيانها وهذا لا يتم إلا عبر الحوار".. وأضاف: "زيارة مساعد الرئيس تعد تعبيرا عن موقف الإدارة الأمريكية لمواصلة الحوار مع الحكومة السودانية".. وكانت لوقت قريب قناعة وزير الخارجية تسير عكس اتجاه التفاؤل الحذر الذي يبديه اليوم، حيث ذكر في بيان له حول خطة وزارته للعام 2015 أمام البرلمان، أن علاقات السودان مع أمريكا لا تزال تراوح مكانها، وأن مبعوثي واشنطن يزورون الخرطوم ويجتمعون بالمسؤولين السودانيين ثم يعودون إلى بلادهم دون تحقيق أي تقدم حقيقي، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الأساسية. لذلك كله نجد من الصعوبة بمكان اعتبار الحديث عن الحوار بين البلدين فيه جديد باعتبار أن الحوار ظل مستمرا في أحلك الظروف وعبر وسائل مختلفة وطرق متعددة.. فما لم تكن هناك أجندة واضحة للحوار فإنه يكون حوارا بلا معنى.. فأين هي أجندة الحوار؟
لكن من المنظور الإستراتيجي أين تقف علاقات البلدين؟. خاصة أن اهتمام الولايات المتحدة بالسودان ليس أمرا جديدًا، حيث إن له بعدا تاريخيا، فلقد كانت عينها على السودان منذ العام 1910 حينما زار الرئيس الأمريكي الأسبق تيدور روزفلت الخرطوم زيارة رسمية.. فالحقيقة غير الغائبة أن السودان يقع في قلب الصراع الإستراتيجي الدولي تماماً، والصراع الإستراتيجي يدور حول الطاقة والمياه والصراع والأراضي الزراعية والموقع الإستراتيجي.. والنفط واليورانيوم المتوفران في السودان من المعالم الإستراتيجية التي يدور حولها الصراع الإستراتيجي واليورانيوم مرتبط بنظرية الطاقة الأعظم وهي نظرية للصراع الإستراتيجي ومن يمتلكه يمتلك القوة الأعظم ويسود العالم ويوجد في دارفور وفي جنوب كردفان، فضلا عن الأراضي الزراعية الواسعة وهي كذلك واحدة من معالم الصراع الإستراتيجي وقد استنفدت كل المساحات الزراعية في العالم في ظل فجوة اقتصادية زراعية عالمية. وهذا ربما شجع قيادات بالحزب الحاكم لتقول منتشية إن أمريكا أدركت أن مصالحها مع السودان لن تمر عن طريق أمر المواجهة الذي اعتمدته في السابق لإسقاط نظام المؤتمر الوطني وأن هذا الإدراك أخذ في الزيادة عقب انفصال الجنوب، حيث إن التفاهمات أصبحت أكثر بكثير وأن الرؤى المشتركة باتت تمثل حيزًا كبيرًا من العلاقات بين البلدين.
ليس من السهل أن تدع واشنطن وتتخلى عن سعيها لمنع نظام يوصم بتبني ما تعتبره إسلاما سياسيا في الخرطوم من أن يتمكن ويؤسس اتفاقات إستراتيجية مع الصين أو غيرهما فذلك يمثل خطرا عليها بامتلاك سلع إستراتيجية في الساحة الدولية. كذلك فإن السودان في قلب الإستراتيجية الصهيونية التي ترى أن استقرار السودان واستغلاله موارده بمعزل عن واشنطن يتنافى مع أمن إسرائيل. وعبّر تقرير صادر عن البنتاجون عام 1999 عن خطورة قيام حكم ذي طابع إسلامي، حيث سيتسبب في خلق حالة من البلبلة في المنطقة عكس ما تريد الولايات المتحدة بإحداث التغيير لكن على نسق علماني.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12141
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9918
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3471
| 22 أكتوبر 2026