رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
واضح أن رئيس الوزراء العراقي " نوري المالكي " وحزبه ومن يشايعهم يتوهمون أنهم في مأمن من الربيع العربي ؛ ربما لأن لهم حجما وثقلا من دعم طائفي كبير يتمتعون به في الشارع والبرلمان فيوهمهم ذلك بأنهم في مأمن من السقوط على طريقة الثورات العربية أو بالديمقراطية والانتخابات، وربما لارتكانهم للسطوة الإيرانية المتغلغلة في الحالة العراقية واعتمادهم على الحماية الأمريكية واستشعارهم بقوة التحالف معها وما ترتب على ذلك من قوة التواجد في الجيش والأجهزة الأمنية وإرهاب الخصوم فيوهمهم ذلك أن لا أحد يستطيع منازلتهم طائفيا أو سياسيا أو عسكريا، ولعل خفوت الروح الطائفية عند أهل السنة وما يتراءى في الظاهر من التجانس والتكامل الاجتماعي داخل البنية الوطنية طيلة عقود مضت يجعلهم يظنون أنهم في غفلة من التاريخ صار متاحا لهم ما كان ممنوعا لمئات السنين دون ضجة أو مقاومة تذكر.. وربما وربما..
لهذا وجدنا نوري المالكي وحزبه وأشياعه يتصرفون باستخفاف بل باحتقار للمكون السني خصوصا وتحديدا على مستوى العملية السياسية داخليا وعلى مستوى صورة نظام الحكم وعلاقاته الإقليمية والدولية.. رأينا ذلك يتجسد في عدم توازن علاقاته بإيران وحزب الله والنظام السوري في مقابل علاقاته بالمنظومة العربية والإقليمية، ورأيناه في كيفية ونوعية إدارته للحكم وارتكازه على طائفته خصوصا في الوظائف العامة وأجهزة الأمن والجيش، ورأيناه في استهدافه لمناطق السنة ورموزهم وشخصياتهم ورجالهم ونسائهم حتى لم يسلم من ذلك شركاؤه في العملية السياسية كالهاشمي والعيساوي.. كما رأيناه في موقفه تهريبه أموال العراق وبتروله وفي الفواتير الطائفية التي يدفعها لإيران وسوريا وروسيا.. ولعلنا لم ننس بعد تعليقات المالكي على مظاهرات واحتجاجات محافظات الأنبار والموصل وصلاح الدين التي لم يجد في كل حكمته الدبلوماسية وخبراته اللغوية ما يصفها به إلا " الارتزاق بمائة دولار " وأنها مظاهرات حقيرة ووسخة " وإلا وصف المحتجين بالغوغاء وأعداء العملية السياسية والتنظيمات المسلحة والجماعات الإرهابية وأزلام النظام السابق.. وأقول:
أولا وبداية: لا بد من تسمية الأشياء بأسمائها وتشخيصها بأوصافها لأن الحالة العراقية صارت قاب قوسين أو أدنى أن تلحق بحالات أخرى للأسف انساقت إلى التصعيد الطائفي في منطقتنا.. وإذن فلنشخص الحالة العراقية ولا نتحرج من تفصيل الكلام في الطائفية البغيضة التي تحوم حول العراق اليوم وتكاد تكسر بابه كما حامت حول غيره وكسرت.. وحتى لا يظن ظان أنني أتحدث بنفس طائفي أذكر بأنني طالما كتبت في الدفاع عن حزب الله اللبناني والنظام السوري وعن إيران وتحديدا عن برنامجها النووي في سياق الدفاع عن جبهة المقاومة ونصرة القضية الفلسطينية وإنصافا لما كنت أراه الحق والحقيقة وحتى لا تخلو الساحة من المقاومة وصرفت في سياق ذلك النظر عن اتجاهها الروحي أو مذهبها العقدي واعتبرت احتفاظها بالسلاح واستقطابها الدعوم حقا سياديا ومنطقيا لمواجهة عدو تحت يده - تقريبا - كل أنواع وتشكيلات ومخازن أسلحة العالم.. لذا فإن تحدثت عن الطائفية اليوم ومثلي كتّاب آخرون لا يتهمون في مصدرهم ولا في موردهم فلأننا نسعى للتحذير منها وحتى لا نكون كالمريض يتجاهل علته حتى تفتك به.. وليس لأننا عرفنا شيئا لم نكن نعرفه ولا لأننا لا نعرف ما صنعت أو ما هدمت الطائفية تاريخيا، ولا لأننا نجهل حجم وعمق الخلافات الفقهية والعقدية بين المذهبين.. ولكن من جهة الانشغال بالأهم عن المهم وبالممكن عن المستحيل ومن قبيل التسديد والتقريب ومن قبيل التصويب على الحرب الكبرى مع العدو المشترك والأخطر، ولأننا نأخذ الناس بظواهرهم ونترك سرائرهم ليوم تُوفّى فيه (كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)..
ثانيا: في هذا السياق التوضيحي والتصريحي لا بد من التذكير بحقيقة ليس من الموضوعية تجاهلها عند نظر هذه القضية مهما أعطت من انطباعات سلبية غير مقصودة ؛ هي أن الشيعة حققوا انتصارات منذ الثورة على الشاه وحرب الثماني سنوات مع صدام ثم إسقاطه والوصول للحكم في أكثر من بلد ما جعل المالكي كما النظم في إيران وسوريا ومعهم حزب الله اللبناني يحسون بأنهم قادرون على حسم كل مسائل الخلاف مع أهل السنة والثارات المتأخرة والمنتظرة التي يحدثون بها أنفسهم ويربون عليها أجيالهم ليل نهار منذ ألف وأربعمائة سنة.. فأعلنوا ما كان دائما تقية ومداراة وجاهروا بما كان مخبوءا من أحكام مذهبية خاصة جدا وعدائية جدا فخربوا الكثير من العلاقات مع الجوار.. في حين أن الأصوب كان في أن يزيدوا مطامنة وتواضعا ومجاملة للسنة وأن يتذكروا أن لكل نصر من تلك الانتصارات معادلاته ومتغيراته التي لا تحسم دائما بغفلة أهل السنة عن النوازع الطائفية ولا بالارتكان على احتلال أجنبي كالأمريكي مثلا..
ثالثا: السيد المالكي كان أعلن عشرات المرات في سياق الحديث عن الصراع بين الأمة والعدو الصهيوني أن العراق الجديد مكتف بحدوده الوطنية وأنه لن يتدخل في شأن أحد.. ومع أن هذا الموقف يعتبر تقصيرا جليا بحق القضية الفلسطينية ومقتضيات الأخوة الدينية والقومية والإنسانية، ويصنف في الانسجام مع المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة وفي عراق ما بعد صدام تحديدا إلا أننا كنا نعول على أنها أزمة لا تلبث أن تمر ولا يلبث العراق أن يعود لمساره وحاضنته العربية والإسلامية.. ما فاجأنا هو أن المالكي وخلافا لما تعهد به عشرات المرات خرج عن حدود العراق ولكن ليس للقيام بدور وطني وقومي وإسلامي في الصراع الاستراتيجي للأمة ولكن لدعم نظام بشار أسد الطائفي البغيض المأفون الذي يدمر سوريا ويقتل شعبها ويهتك أعراض حرائرها،
رابعا: على المالكي ومن يدعموه داخل العراق وخارجه أن يروا المشهد السياسي بالأخص في العراق من زوايا أربعة1- من زاوية أن أهل السنة بجملتهم لم يفطنوا بعد للصراع الطائفي ولم يغرقوا بعد في الفتنة المذهبية ؛ ولكنها الشرارة التي إن انطلقت فلن ينجو منها أحد ولن يقر قرار لا لمشروع شيعي ولا سني ولا لدول ولا لأحزاب حتى تأكل الأخضر واليابس.. جدير التذكير هنا بالمستشرق الصهيوني الأمريكي " برنارد لويس " الذي عاش حتى الآن أكثر من تسعين سنة ينظّر ويبشر بضرورة إشعال الحروب الطائفية في منطقتنا كضمانة 2- أن الشعوب لا تحكم بالحديد والنار وأن أي نظام تسقط قيمته الأخلاقية والوطنية بالمعنى الجامع هو نظام محكوم بالزوال مهما ظن أنه متأبد أو أنه آمن، ومهما اعتمد على معادلات بقاء خارجية أو داخلية رأينا ذلك في الاتحاد السوفييتي ثم رأيناه في نظم الساقطِين " علي، وابن علي، ومبارك، والقذافي حتى الآن " وما النظام السوري ببعيد لا عن الزمان ولا عن المكان ولا عن النوع وبالتأكيد ولا عن المصير.. وعلى المالكي أن يقرر في ضوء ذلك إن كان يريد حكما مستقرا أو سقوطا وتفككا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8730
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2832
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2679
| 30 أكتوبر 2026