رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

192

د. جاسم الجزاع

قطر والوساطة الوقائية

14 يناير 2026 , 02:28ص

في علم الإدارة، لا تُقاس كفاءة القائد بقدرته على إطفاء الحرائق بعد اشتعالها، بل بقدرته على منعها من التمدد والأفضل منع الاشتعال في بدايته، وهذا ما يُعرف في الأطروحات الإدارية بـ «التدخل الوقائي» أو ممكن أن نسميه في عالم السياسة خصوصاً في هذه المقالة بـ «الوساطة الوقائية»، والتي تعنى بـ «التدخل الهادئ في لحظة حاسمة»، حين تكون الخلافات لا تزال داخل البيت المؤسسي الواحد، وقبل أن تتحول إلى صراع كبير يهدد البنية العائلية كلها، لذلك نجد أن في البيئات المؤسسية المغلقة نسبيًا، كالتكتلات الإقليمية المتشابهة مثل طبيعة دول الخليج العربي المتشابهة في المرجعية الثقافية، تصبح الوساطة الداخلية أكثر تعقيدًا من الوساطة الخارجية، لأنها تمس التوازنات الحساسة والكرامة السياسية بقدر ما تمس المصالح.

وفي سياق أوسع لهذا الحديث، لا يمكن فصل هذا التوتر الإقليمي عن المناخ الدولي المشحون الذي أعقب حادثة اختطاف الرئيس الفنزويلي وما رافقها من صدمة سياسية وأخلاقية، فالعالم اليوم يعيش لحظة ارتباك عميق وفقد ثقة -كبير جداً - بالقانون الدولي، وبدت لهم حقيقة أن القوى العظمى نفسها لم تعد تلتزم به حين يتعارض مع مصالحها، وهذا السلوك الانتقائي للقوى العظمى، حيث يُطبَّق القانون على الضعفاء ويُعلَّق عند الأقوياء، فتزداد أسهم تعرية النظام الدولي من أي توازن أخلاقي فعلي والتزام حقيقي بالمبادئ، وحوّل القانون الدولي إلى أداة قوة لا مرجعية عدل، فأمام هذا الواقع، يصبح استمرار العرب في التعامل كدول منفردة مجرد مخاطرة إستراتيجية، إذ إن غياب التكتل العائلي الإقليمي يجعل كل دولة عرضة للضغط أو التجاوز، ومن هنا، نجد أنه لا يبدو الحديث عن قدرٍ من الاتحاد العربي أو التنسيق السيادي ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية في عالم لم يعد يعترف إلا بالكتل القادرة على حماية نفسها، لا بالقانون الذي يُنتهك عند أول اختبار للقوة.

والتوتر الإقليمي اليوم لا يقتصر على خلافات بين الحلفاء داخل البيت الخليجي، بل يتغذّى أيضًا من مشهد أكثر خطورة يتمثل في ما يجري داخل إيران الآن من اضطرابات ومظاهرات مفتوحة على احتمالات مجهولة للمراقبين كلهم، والسؤال هنا لا يتعلق بتأييد نظام أو معارضة آخر،، ولكن دعونا ننظر بحساب المآلات ونتساءل: هل يخدم سقوط النظام الإيراني مصلحة الخليج فعلًا، أم يفتح فراغًا إستراتيجيًا لا يُعرف من يملؤه؟ أترك الإجابة للقارئ، ولكن يجب أن نتذكر أن في لحظات الانهيار الكبرى، لا يكون البديل دائمًا أفضل، وقد تتحول الفوضى إلى مدخل لتمدّد قوى أخرى، في مقدمتها المدّ الصهيوني، حيث يختلط الشر بالخير وتضيع البوصلة. 

وتاريخيًا، في أزمنة الاضطراب العالمي، نجد أنه لم تكن الدول الأكثر ضجيجًا وتفاعلاً هي الأقدر على البقاء، بل تلك التي حافظت على هدوئها النسبي واستقرارها المنضبط، وأدارت الخلافات بفعالية عالية، ومن هنا لا يمكن فهم التحرك القطري بوصفه مناورة سياسية، بل كقراءة سياسية واقعية تؤمن بأن تفكك البيت الخليجي سيكون كلفة لا يربح فيها أحد.

مساحة إعلانية