رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

168

د. جاسم الجزاع

القيم تحت المزاد العلني.. من يشتري المبادئ اليوم؟

07 يناير 2026 , 01:59ص

القيم في أصلها عناصر غير قابلة للتسعير أو المساومة، بل وُجدت لتكون مرجعية وبوصلة لسلوكياتنا وأفعالنا وممارساتنا، غير أن الواقع الإداري المعاصر يكشف تحوّلًا هادئًا لكنه عميق الأثر، نجده في انتقال القيم من كونها إطارًا ناظمًا للسلوك، إلى مورد يُعاد تشكيله وتمييعه بما ينسجم مع السوق، وتوقعات الجمهور، وضغوط القبول الاجتماعي والمجاملات، وهذا التحول لا يحدث دفعة واحدة، بل يتسلل عبر قرارات صغيرة يومية، وتنازلات غير مبرَّرة، ولغة إدارية حذِرة تخشى الصدام أكثر مما تخشى فقدان المعنى الجميل.

وفي هذا التحول، وحتى نكون صادقين، لا تُلغى القيم صراحة، بل تُعاد صياغتها، فتُختصر، وتُعمّم، وتُجرّد من حدّتها الأخلاقية، حتى لا تُربك الآخرين، ولا تُقلق الشركاء، ولا تُفقد المؤسسة حصتها السوقية أو زبائنها، ويصبح الحديث عن النزاهة، أو العدالة، أو المسؤولية الاجتماعية، حديثًا ناعماً، قابلًا للتأويل، ولا يطالب بثمن حقيقي، و تُذكر القيم في التقارير السنوية، وتُعلّق على الجدران، والحكايات لكنها تغيب عند لحظة القرار الصعب.

والإدارة هنا لا تكذب، ولكنها أيضًا لا تقول الحقيقة كاملة، فهي تتبنّى ما يمكن تسميته بـ«القيم القابلة للتمييع والتسييل»، فهي قيم لا تُلزم أكثر مما تسمح، ولا تُعارض الاتجاه السائد مهما كان متقلبًا وسلبياً، وفي سبيل ذلك، تتحول الأخلاق إلى لغة علاقات عامة ناعمة، وليس إلى معيار حقيقي بناء قرار صائب، والمهم ليس ما نؤمن به، بل كيف يمكن تسويق القيم التي نؤمن بها دون إثارة اعتراض أو خسارة رمزية.

فالخطر الإداري في تسييل وتمييع القيم لا يكمن فقط في فقدان المصداقية الخارجية، بل في تآكل المعنى الداخلي للمؤسسة سواء كانت اجتماعية أو حكومية، فحين يدرك العاملون أن القيم تتغير بتغير المزاج العام، يتعلمون درسًا ضمنيًا خطيراً جداً: أن المبادئ مؤقتة، والالتزام انتقائي، فعندها، لا يعود الانضباط نابعًا من قناعة، بل من المراقبة، ولا يعود الولاء أخلاقيًا، بل تعاقديًا باردًا بلا قناعة، ويمكن التهرب منه عند أول فرصة أفضل.

وتزداد خطورة هذا المسار حين تتحول القيم إلى أداة انتقائية، فتُستدعى حين تخدم المنفعة، وتُهمَّش حين تعيقها، وهنا تفقد المؤسسة قدرتها على بناء سردية قيمية متماسكة، وعند قراءة سير المؤسسات نجد أنه لم تسقط المؤسسات الكبرى بسبب غياب القيم، بل بسبب استخدامها للقيم كـ «مكياج» وأداة للتحسين الشكلي، فالقيمة التي لا تُختبر في لحظة الخسارة، ليست قيمة، بل هي شعار وهمي، والإدارة التي لا تتحمل الكلفة القيمية الأخلاقية عند التعارض مع السوق أو الحياة أو الناس، لا تمارس قيادة فعالة، بل تكيّفًا انتهازيًا قصير النفس لا يغني ولا يسمن من جوع.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار تعقيد الأمر وصعوبته، فالمؤسسات تعمل داخل مجتمعات متغيرة بشكل سريع، وأسواق بشرية وأذواق لا ترحم في حكمها المتذبذب، لكن الفارق الجوهري يظهر في السؤال الذي يُطرح داخل غرف صناعة القرار: هل نبحث عن صيغة تُنقذ القيم دون أن تعزلنا عن الواقع؟، أم نبحث عن صيغة تُنقذ القبول الاجتماعي ولو على حساب جوهرنا وقيمنا التي نؤمن بها؟

ففي النهاية، تظل القيم التي لا يمكن تمييعها هي وحدها القادرة على الصمود في ظل هذه المعركة، لأنها تمنح المؤسسة معنى يتجاوز اللحظة الآنية إلى قراءة مستقبلها وتثبيته وتحقيق أهدافها، فما الذي يبقى من المؤسسة حين تُصبح مبادئها وقيمها قابلة للتفاوض والتمييع؟

اقرأ المزيد

alsharq مناورات العدالة الصينية حول تايوان

في نهاية ديسمبر الماضي أجرى الجيش الصيني مناورات عسكرية حول تايوان هي الأضخم منذ 2022 انطلقت تحت مسمى... اقرأ المزيد

75

| 13 يناير 2026

alsharq بهجة الإنسان

تقول الدراسات إنه لكي يعيش المرء حياة مُرضية يجب أن يتوافر له ثلاثة أمور، هي المعنى والإنجاز والبهجة.... اقرأ المزيد

33

| 13 يناير 2026

alsharq التفاصيل.. قلب المعنى الإنساني !

قد نظن أحياناً أن الأثر يُصنع فحسب بالأفعال الكبيرة ! وأن المشاعر تُروى فقط بخطواتٍ مدوية، ونغفل عن... اقرأ المزيد

42

| 13 يناير 2026

مساحة إعلانية