رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الخوف الحقيقي على الشريعة ليس من خصومها على كثرتهم وعلو صوتهم، لكنه من أنصارها الذين ابتذلوها وأهانوها.
(1)
يوم الجمعة الماضي حين خرج بضعة ألوف من الرجال والنساء إلى ميدان التحرير مطالبين بتطبيق الشريعة في هتافاتهم ولافتاتهم، نشرت جريدة الأهرام تقريرا تحت العنوان التالي: 40 مليون مصري في خطر. وفيه أن 50 في المائة من قرى مصر محرومة من الصرف الصحي، وتأكل وتشرب من الزراعات والمياه المختلطة بمخلفات الصرف، وتطاردها الأمراض والأوبئة الفتاكة. ولحل هذا الإشكال مطلوب توفير نحو 80 مليون جنيه، وعمل يستغرق زمنا يتراوح ما بين 10 و15 سنة.
في الصباح ذاته نشرت الجريدة تقريرا مطولا عن الديون التي تكبل القرار الوطني في مصر، ذكرنا بأننا ورثنا عن النظام السابق بلدا مدينا ومقصوم الظهر، وأن الدين العام المحلي وصل في شهر مارس من العام الحالي 1183 مليار جنيه، وأن كل مواطن مصري أصبح مدينا بمبلغ 14232 جنيها.
إخواننا وأخواتنا الذين خرجوا إلى الميدان يومذاك أداروا ظهورهم للحاصل في البلد. لم يقرأوا أخباره ولا تحسسوا أوجاعه ولا سمعوا بأحزانه. لم يكن أحد منهم مشغولا بما يحدث على الأرض، وإنما ظلوا مهجوسين بشيء واحد هو تلك الوصفة السحرية التي اختزلوها في ثلاث كلمات هي «تطبيق شرع الله». وهو ما يمكن أن يكون مفهوما إذا ترجم إلى فعل ينفع الناس ويضيف شيئا يخفف عنهم بعض أوجاعهم وأحزانهم، لكنك تفاجأ بأن المطلوب لقيام شرع الله أن ينص عليه في الدستور بصياغات صريحة مختلفة. كأنها مسألة أدبية ولغوية تحسمها الصياغة، ولا علاقة لها بالواقع أو بالتاريخ.
ما لاحظته أن أغلب الذين ارتفعت أصواتهم منادين بتطبيق شرع الله ومتصورين أن شرع الله كان غائبا عن مصر طوال السنين التي خلت. هم من دخلوا إلى الساحة حديثا، بعدما قبعوا في الظل طويلا. وعاشوا منكفئين على أنفسهم، فلم يفقهوا شيئا من الواقع، ولذلك فإنهم لم يحتكوا بمحيطهم ولا بالعالم من حولهم. وهذا الانكفاء انعكس على فهمهم للدين. فلم يروا مقاصده أو قيمه وجوهره، وإنما اختزلوه في النصوص والطقوس وبعض المظاهر التي تتعلق بالمحرمات أو بالهيئة والزي.
يؤيد ذلك أن الذين استعادوا وعيهم وأدركوا شيئا من الواقع المحيط بهم لم يخرجوا في مظاهرة الجمعة، وهو ما لاحظناه في غياب الإخوان والدعوة السلفية وما لمسناه في خطاب قادة الجماعة الإسلامية، متمثلا في قول الدكتور ناجح إبراهيم عضو مجلس شورى الجماعة وقوله عن الذين تظاهروا مطالبين بتطبيق الشريعة إنهم «مزايدون يدغدغون مشاعر الناس».
(2)
هؤلاء الوافدون الجدد الذين قدموا من وعاء النصوص والطقوس هم أكثر من يسيء إلى الإسلام ويشوه صورته. وتجربة حركة طالبان في أفغانستان يصعب نسيانها، وما يفعله أقرانهم في مالي وبعض دول غرب إفريقيا هذه الأيام يجدد سلبيات التجربة الأفغانية، من حيث إنهم اعتبروا أن معركتهم ضد الأضرحة وليس ضد الفقر والجهل والتخلف. ولهؤلاء نظائر في تونس الآن لم يهتموا باستعادة البلد لحريته وزوال الطغيان عنه، ولم يكترثوا بالأزمة الاقتصادية التي يواجهها من جراء تراجع السياحة وتعثر الاستثمارات الأجنبية، ولم ينشغلوا بإعادة بناء البلد وتحقيق حلم نهضته. ولكنهم زايدوا على الجميع في الصياح مطالبين بتطبيق شرع الله من خلال إعلان الحرب على دور السينما والملاهي الليلية ومحال بيع الخمور، واعتبروا من خالفهم في ذلك كفارا ومفرطين في شرع الله. وقد وصفهم الشيخ عبد الفتاح مورو أحد مؤسسي حركة النهضة هناك بأنهم «متطفلون على التدين»، وانتقدهم قائلا: لقد كفرتمونا (يقصد قادة الحركة وفي مقدمتهم الشيخ راشد الغنوشي وأقرانه المؤسسون) في حين سكتم على «بن علي» (الرئيس السابق) ولم تكفروه.
أغلب الذين خرجوا في مصر يوم الجمعة من أولئك المتطفلين على التدين الذين يتطلعون إلى إضافة بما لا يخالف شرع الله على كل نص في الدستور. ولا يرون في القانون سوى الحدود الشرعية، التي هي عندهم علامة إقامة الدولة الإسلامية أو تأسيس الخلافة، بعَلَمها الأسود الذي يقال إنه كان يرفع في غزوات النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ولا يهم بعد ذلك كيف سيكون حال الاقتصاد والتعليم والصحة والإسكان، أو أي شيء آخر في حياة الناس.
المشكلة لا تكمن في هذه النماذج فقط، وإنما تكمن أيضا في إعلام غير بريء يهلل لتلك المقولات والنداءات، فيروج لها ويقدمها بحسبانها إرهاصات «الأسلمة» التي تتجه إليها مصر، حاملة إلى الناس أجواء الشقاء والبؤس.
لك أن تتصور مثلا شعور المواطن العادي حين يقرأ في صحيفة الصباح الصادرة في 26/10 العنوان الرئيسي التالي: الإخوان والسلفيون اتفقوا على تقييد مواد الحريات بعبارة: بما لا يخالف شرع الله. أو تقرأ في الجريدة ذاتها عنوانا رئيسيا للعدد الصادر في 8/11 يقول: إلغاء المساواة بين الرجل والمرأة في الدستور. بسبب من ذلك فلا غرابة إذا ما وقع المحظور واتسع نطاق الخوف من شرع الله. وهو خوف أزعم أنه بات ينتاب قطاعات لا يستهان بها من المسلمين حتى المتدينين منهم، فما بالك بغير المسلمين.
(3)
اعتذرت ثلاث مرات في الآونة الأخيرة عن عدم المشاركة في برامج تليفزيونية دعيت إليها لمناقشة تطبيق الشريعة الإسلامية. ونصحت من سألني في حوار صحفي أن يركز في أسئلته على ما يجري على أرض الواقع، وأن يكف عن التساؤل عن النداءات التي تتردد في الفضاء.
لا أتردد في القول بأن أغلب الهرج الذي يثار الآن حول صياغات تطبيق الشريعة الإسلامية فيه من المزايدة والهرج بأكثر مما فيه من الموقف الجاد والمسؤول. وأضيف 4 ملاحظات هي: الأولى أن الأغلبية الساحقة ليست ضد تطبيق الشريعة ولكنها تختلف حول المقصود بكلمة الشريعة وكيفية التقدم على طريق التطبيق المنشود. وهل تكون البداية مثلا بإطلاق اللحى أم بإطلاق الحريات، وهل يكون الطريق إلى ذلك بوعظ الناس أم بخدمتهم والحفاظ على كرامتهم.
الملاحظة الثانية أن الصلة وثيقة بين تطبيق الشريعة وبين الاستقلال الوطني. ذلك أن مرجعية القوانين تشكل أحد عناصر هوية المجتمع. ولذلك لم يكن مستغربا ـ بل كان مفهوما ومبررا ـ أن يلغى تطبيق الشريعة في مصر في العام التالي مباشرة لاحتلالها من قبل الإنجليز في عام 1882. ليصبح القانون الفرنسي بعد ذلك هو المصدر الأساسي للتشريع في البلد. وقد سعى فقهاء القانون المصريون بعد ذلك إلى تصحيح ذلك الوضع. حتى أصبح القانون المدني الذي وضعه الدكتور عبد الرزاق السنهوري مستلهما في أغلبه من الشريعة الإسلامية. وإدراك تلك الصلة الوثيقة بين الشريعة وبين استقلال الهوية الوطنية يكشف عن مدى تهافت وعبثية الهرج المثار حول الشريعة بالمفهوم السائد في الوقت الراهن.
الملاحظة الثالثة أن مرجعية الشريعة ـ أو مبادئها ـ للقوانين لا تتعارض مع اعتبار الأمة مصدر السلطات، لأن التفرقة واجبة بين مصدر التشريع ومصدر السلطة. وكون القانون الروماني مصدرا للقوانين في الدول الغربية الأوروبية، لم يلغ حق المجتمعات في إقامة أنظمتها الديمقراطية، وكذلك الحال في المجتمعات الإسلامية، التي لها أن تستلهم قوانينها من شريعتها، في حين تعمل إرادتها الكاملة في اختيار السلطة التي تمثلها.
الملاحظة الرابعة أننا لا نتحدث عن خلافة إسلامية يعتز بها الجميع ويحن إليها البعض باعتبارها مظلة حمت الأمة. ولكننا نتحدث عن نظام ديمقراطي يعبر عن هوية الأمة فيحقق مصالحها العليا ويحترم قيمها الأساسية. والذين يعتبرون الخلافة النظام الوحيد المعبر عن النظام الإسلامي، يتزيدون ويبتدعون، لأننا نفهم أن الإسلام لم يحدد شكلا لنظام الحكم، ولكنه حدد قيمة للنظام السياسي، تمثلت في الشورى، التي يمكن أن تصاغ على أي نحو، لأن الوظيفة أهم من المصطلح.
(4)
يعرف أهل القانون جيدا أن مجرد النص في الدستور على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي يكفي في تحديد دور الشريعة ومرجعيتها. والمادة الثانية المقررة في دستور 1971 التي تحدثت عن مرجعية مبادئ الشريعة تؤكد المعنى وتعززه. وكل ما عدا ذلك من صياغات إضافية تعبر عن ذات المعنى تعد تكرارا لا لزوم له، ومزايدة من جانب المتطفلين على التدين وعلى القانون. ولعل كثيرين يذكرون أن الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة في تونس قبل بالاكتفاء في نص الدستور الجديد على الهوية الإسلامية للدولة، بعدما أثار البعض لغطا حول ضرورة النص على الشريعة، معتبرا أن تحديد الهوية يكفي في تحديد مكانة الشريعة والإسلام في النظام الجديد، وهو النص الذي حقق التوافق بين مختلف القوى السياسية، وقطع الطريق على احتمالات الخلاف والشقاق في الساحة الوطنية.
أستغرب أيضا من الذين صاغوا مشروع الدستور سعيهم إلى محاصرة مبادئ الشريعة في تعريف صاغوه هم بحيث لا يتجاوز «القواعد المعتبرة عند أهل السنة والجماعة»، وهم بذلك ضيقوا واسعا كما يقول الأصوليون. وأشم في هذه الصياغة رائحة السلفيين الذين لا يرون في الكون خصما غير الشيعة من أتباع المذهب الجعفري. ولا أفهم لماذا نحرم الفقه والتطبيق من خير لدى المذاهب الأخرى إعمالا للنص القائل بأن الحكمة ضالة المؤمن. وفي حدود علمي فإن قانون الأحوال الشخصية أخذ من المذهب الجعفري بعض ما وجده مفيدا وصالحا.
إن أسوأ ما في اللغط الحاصل حول الدستور الجديد أن بعض القوى الإسلامية المشاركة فيه مشغولة بإبراز الحضور الإسلامي بأكثر من انشغالها بتماسك الجماعة الوطنية، رغم أن العناد حاصل من الطرفين. وقد أشرت من قبل إلى دلالة القصة التي أوردها القرآن (في سورة طه) عما فعله بنو إسرائيل مع النبي موسى وأخيه هارون، حين غاب عنهم الأول وتركهم في عهدة أخيه، لكنهم خالفوه وعبدوا العجل أثناء غيابه. وبعد عودة النبي موسى أغضبه مسلكهم وعنَّف أخاه الذي سكت عليهم. فكان رد هارون أنه خشي أن ينفرط عقدهم إذا هو حملهم على التمسك بدينهم. الأمر الذي تفهمه موسى عليه السلام فسكت عما جرى مقدما وحدة القوم في ذلك الظرف على سلامة الاعتقاد.
قد يستطيع المزايدون أن يتبنوا حضورهم كما يشاءون في مشروع الدستور، لكنني أثق في أن ذلك لا يقيم الدولة الإسلامية، في حين أنهم سيسهمون في تفتيت الصف الوطني، وسيضاعفون من مخاوف الناس. وسيكون الإنجاز الوحيد الذي حققوه أنهم كسبوا نصا مكتوبا وخسروا كل ما عداه.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2642
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1045
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
687
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8742
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3510
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3072
| 30 أكتوبر 2026