رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

خولة البوعينين


[email protected]
@Khawlalbu3inain

مساحة إعلانية

مقالات

222

خولة البوعينين

المُدرَك لا يعود !

13 أكتوبر 2026 , 12:00ص

الإدراك انكشافٌ وجودي تتبدّل على إثره علاقة الإنسان بما يعيشه.. فقد يعاين المرء الشيء دهراً دون أن يلامس حقيقته، حتى إذا وفدت لحظة التجلي استنارت دلالته، فيستبين أن حضور الأشياء لا يستلزم الإحاطة بمعانيها، وأن طول العهد بالمعايشة لا يضمن عمق الرؤية!

فكم من موقفٍ حُمل على أنه (رفض)، ثم أسفرت الأيام عن أنه (عجز)، وكم من مسلكٍ عُزي إلى الطبع، ثم اتضح أنه استجابةٌ لظروفٍ عارضة.. فالحدثُ في ذاته واقعٌ لا يتبدّل، وإنما يتغيّر وجه النظر إليه، لتتسع الشقة بين حقيقة ما وقع وبين ما ألبسته النفس من ظنونٍ وتأويل.. ومن هنا تنشأ حقيقة أن (المُدرَك لا يعود)، إذ يستحيل الارتداد إلى حجب الجهل الأولى بعد وقوع الانكشاف.. فالإنسان الذي انجلت له حقيقةٌ ما، لم يعد مطابقاً للذي كان يجهلها، وقد ينسى أو يتجاهل، لكنه لا يملك محو حقيقة أنه عرف يوماً ما كان محجوباً عنه !

بيد أن هذا لا يعني بلوغ الغاية، ووصول واستيفاء المقصد، فالوعي البشري يعتريه النقص، واليقين المستحدث قد لا يكون إلا (وهم أرحب) يقبل المراجعة، إذ لا يدرك المرء جوهر الشيء وإنما يدرك زاوية رؤيته له.

وهنا يمكن للمرء أن يميز بشكلٍ حاسم أن ما يستحيل نكوصه هو الوعي بالمعرفة وزوال الجهل الأول، أما السلوك فمظنة ارتدادٍ إلى سيره القديم تحت وطأة خوفٍ أو عادة.. لكنها عودةٌ قد سُلبت براءتها !.. إذ يكرر المرء خطأه وهو يراقب عثرة نفسه صامتاً، ومحروماً من عزاء الجهل المريح الذي كان يحميه سابقاً من اللوم والتبكيت.

فمجرد العلم بمنشأ السلوك لا يهب النفس سلاح التجاوز الفوري، إذ بين رؤية الصواب والتحوّل إليه عقباتٌ شتى لا تختصرها المعرفة النظرية وحدها،

إنما في كثيرٍ من الأحوال يتحوّل الوعي الفائق إلى رقيبٍ دائم، فيحاكم الإنسان نفسه على كيفية مراقبتها ويغدو أسيراً لمحاولة السيطرة على ذاته.. فيحيل نفسه إلى سجون أخرى !

ولعلّ كمال النضج لا يكمن في تقصي كل أثرٍ بغرض تقويمه، بل في أن تتّسع الصدور لاستيعاب ما ينكشف لها دون تحويل الوعي إلى محكمة تفتيشٍ جديدة للذات. فالإدراك يتيح إمكاناً جديداً للاختيار وإن تراخى تفعيله، وفقدان الجهل يعني أنه حتى لو عاد السائر إلى الطريق الأول، فإنه يحمل معه احتمال رؤيةٍ لم تكن تلوح له من قبل !

لحظة إدراك:

لعل المُدرَك لا يعود لأن الوعي حين يهتك حجب المعنى، لا يقف على عتبات الحياة بالجهل الأول نفسه.. بيد أن المرء لا يحوز بذلك إحاطة بكل شيء، ولا ينال فكاكاً من وقر ما وعاه، إنما يتّسع مدى البصر، فيغدو ما كان محسوماً مستقراً في النفس مأوى للمراجعة، وما كان يُرى حتماً مقضياً طيعاً للفهم من سياق آخر.. ولربما كانت أجل مزايا الإدراك الأعمق وأرفعها، أنه يفسح مدى الرؤية للطريق ونحن نسير فيه، دون أن يهبنا بالضرورة منتهاه!

مساحة إعلانية