رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عرف العالم العديد من ألوان الحروب التقليدية والاقتصادية والثقافية والمعرفية والنفسية، وأكثر أنواع هذه الحروب أثرا هي حرب الهوية، تلك التي تصنع أخدودا عميقا بين الوطن والإنسان، وتفتح الباب إلى حالة انفصام بين معتقدات الإنسان التي تشكل الهوية الرابطة والجامعة له مع غيره ممن يعيشون معه فوق أرض الوطن جغرافيا، ويدركون معا تاريخ حياتهم فوقها بصدق الإدراك له، ويؤمنون بدينهم كما سعوا بحثا عنه عبر التاريخ تفسيرا لمعنى الوجود والخلق، وحسبما وصلتهم رسالاته السماوية، ولا يخلطون بين الرسالة في جوهرها والتفسيرات الوضعية لها، وهذه الهوية تميز الشعوب عن بعضها بعضا، فبقدر اشتراك الشعوب بالعيش فوق الأرض، غير أن التمايز بين الشعوب واقع نشأ من تمايز مكونات الهوية ذاتها. وما كانت الحروب بألوانها رغبات بشرية مجردة، فأولى الوصايا العشر ألا تقتل، وحرمة النفس البشرية مقدسة، ولكن الحروب هي صراع مصالح أيا كانت ألوان تلك الحروب أو شرعية تلك المصالح، دفاعا عن وجود أو أطماع تنتاب العلاقات بين البشر.
والحرب على الهوية الوطنية الجامعة لأمة، تسلخ الإنسان من مكوناتها، فلا أرض ينتمي إليها ولا وضوح وجلاء للمعتقدات وتتضارب صور التاريخ في رأسه وتتعدد التأويلات فيصير البشر كالزغب تتقاذفه نسمات الريح، وكلما اشتدت الريح تعاظمت حالة انعدام الوزن، فيفقد الأرض ولا يدرك انتماءه إليها، ويفقد الانتماء لمن حوله وتأخذ بعقله أوهام وخرافات لا وجود لها، أوهام وخرافات انقلبت على العقل فتنقلب على كل ما يجب إدراكه.
المشهد في مصر الآن يعاني من حالة من التشرذم الاجتماعي والسياسي والديني، ولم تكتفِ كل شرذمة بانعزالها عمن حولها لا تسمع غير نفسها، ولكن كل منها أصابته حالة من الانفصام، فهي تعتقد غير ما تقول، وما تقول غير ما تفعل، ولم تعد الشراذم مرشحة للعلاج، ولكنها أصابت الوطن ذاته بحالة الاغتراب عن تاريخه وعصره ومكوناته، وصار في حاجة إلى عودة الروح.
كانت البدايات مبكرة فيما نعاصره، وكما كانت الحالة في عصور الضعف في تاريخنا، عندما يمحو الفرعون اسم سابقه ويضع اسمه، المطلب محو ما سبق بفعل مادي ولكن الفعل المادي لا يمحو الذاكرة، وجل ما يمكنه هو محاولة التشويش من حولها، فيصنع شرخا في مصداقية الفرعون الجديد، ولا يملك الأخير غير الكذب والادعاء ليفرض ما يراه الفرعون الإله الجديد. ولم تستسلم الذاكرة وأبدعت إحالة التاريخ إلى حكمة شعبية هي زاد الهوية وعامل استقرارها على مر العصور، كلما ألم بالوطن خطب استعادتها، وزادت الخطوب من إبداعاتها لتزداد صلابتها، وتمكنت الهوية من الصمود أمام صنوف الغزوات الخارجية، ونجحت أن تأخذ منها ما تملكه من معرفة تخصب به إدراكها، وتدعم شخصيتها، وتصنع لنفسها إستراتيجية المصالح والنفوذ والأمن، وتحدد أدواتها.
المشهد في مصر الآن عبثي لا يرقى إلى مستوى التحديات التي تحيق بالوطن، مشهد يستلزم "عودة الوعي" وبلغة الثورة يستلزم "ثورة في الثورة"، لمراجعة بديهيات الهوية الوطنية، ليعرف كل حجمه وقدره ويلزم دوره إن كان له دور في مهام وتحديات يواجهها الوطن وليس عبئا عليها..
عجزت جماعة الإخوان عن هدم الدولة، بل إن خداعها للنفس أودى بأن يكشف الشعب حقيقة مقاصدها وتحالفاتها الداخلية المتغيرة حسب ما يقتضيه هدف التمكن من السلطة، وأيا كان الثمن، وهو ما استدعى تحرك فاق التوقعات ليطيح بسلطة الإخوان، ولم يبقَ أمامها غير الاستعانة بالخارج، وأدواته، واستخدام فيالق الإرهاب الديني ليوجه ضرباته في "كعب أخيل" المتمثل في سيناء والتي تحدد أبعاد القوة فيها اتفاقات كامب ديفيد وملاحقها العسكرية، بغير اكتراث بمضمون الهوية الوطنية والاستقلال الوطني، وخرجت نداءات الاستدعاء لأمريكا والناتو، موازية لنداءات الدم في الداخل، وفرضه واقعا جديدا للعلاقة بين المصريين في كل الربوع.
الحروب تستمد مسوغات شرعيتها من أهداف معلنة، شرعية، وقابلة للتحقق، وذات مصداقية تؤكدها الهوية الوطنية ومشروع الأمة للمستقبل كما تتجه إليها الوقائع، وتتناسب الأساليب والأدوات شرفا مع نبل المقاصد النهائية لها.
ولكن الجزء البادي للعيان من الحرب المستعرة، ليس سوى المعارك الافتتاحية لحرب قادمة ستؤثر بالقطع على عالم أحادي القطبية الذي تتصدره عسكريا أمريكا، وإن كانت معاركه الاقتصادية لا تدور لصالحها.
المعارك الافتتاحية الدائرة في مصر لا تحمل المسوغات التي تمنح الحروب شرعيتها، فهي تتحدث عن الديمقراطية، وعن الدين والإمارة الإسلامية، وتتحدث عن التعايش وعدم الإقصاء، وتتحدث عن حق التعبير السياسي والاحتكام للشعب، ولكنها معارك افتتاحية مدفوعة الثمن مقدما، حروب بالوكالة كما كان حكم الإخوان حكومة بالوكالة عمن يدفعون ويديرون ويحمون، سواء كانت أجهزة مخابرات تحت ستار حكوماتها أو أجهزة مباشرة، تخطط وترتب وتدفع وتدرب وتورد السلاح وترسل وفود الإنسانية والديمقراطية وتتحكم في إنتاج الآلة الإعلامية العالمية.
ما شهدته القاهرة من وفود للوساطة ترتدي مسوح الديمقراطية والخشية على السلام في مصر، هم ذاتهم مبعوثو الشيطان سواء كانوا يعلمون أم هم موظفون لهذا. وعندما يشهد مندوبو الشيطان لجماعة أو أفراد، فلا تأخذ بألسنتهم، ولكن خذ على أيديهم.
إن استباحة دم المصريين في كل محافظات مصر تحت دعاوى الشرعية، تعني بالإطلاق أن مطلب المشاركة معدوم، وأن القصد هو الإقصاء وإن كان بالقتل.
إن استباحة حرمة الكنائس ومنازل المسيحيين وأرواحهم، تحمل ذات المعنى، ولعل رسل الشيطان الغربي يشرحون لدافعي الضرائب في الغرب وأمريكا كيف استباحوا الدم المصري سواء كان مسلما أو مسيحيا.
إن ما يجري في سيناء هو معركة الوطن البديل للإرهاب العالمي، إنها معركة البقاء أو الفناء لهم ولأجهزتهم، هي معركة ميلاد جديد للدين والوطن والبشر. إنها معركة الوطنية والقومية معا بعد أن سقطت كل الأقنعة، وثبت كذب أولئك يدعون أنهم القيمون على الدين والإنسان.
إن متطلبات تحقيق خطة المرحلة الانتقالية تتطلب تجاوز حالة يد الإرهاب المطلقة الآن تقتل البشر وتخون الوطن، وتجد أن هذا كله حق إلهي لها.
الشعب يدرك حقيقة المواجهة وعمقها، وقابل بدفع الثمن، ويدفعه كل لحظة تمر به، وهو يدرك حقيقة وجود الجيش المصري وانتمائه، فهو جيش الشعب، كان الشعب دائما منشأة في مواجهة الغاصب، وكانت اللحمة بين الشعب والجيش هي ما أنتج أن مصر مقبرة للغزاة.
إن لحمة الشعب والجيش يجب أن تعي درس تفريط السياسة في نتائج المواجهة، كما فرطت السياسة في نتائج حرب 1973. وما زلنا ندفع ثمنه إلى الآن.
الدبلوماسية ذراع آخر للبندقية، وليست بديلا عنها. ومواجهة العدو الذي يحمل السلاح، وخلفه ترسانة أعداء الخارج ليست مهمة الدبلوماسية، ولكنها مهمة المقاتلين.
الحديث عن حرمة الدم، وعن حقوق الإنسان، تبدأ من حرمة الوطن، وأمن أبنائه ومستقبلهم.
إن الفجوة واسعة بين حركة الشعب والثورة وبين التعبير السياسي عنها.
إن مصر لا تبحث عن ديمقراطية صماء تعجز عن أن توفي الإنسان حقه وتكتفي بلعبة الكراسي الموسيقية على السلطة.
إن مبحث مصر عن نظام سياسي يعبر عن إرادة الأمة ليست صيغة معلبة تكتفي بالمظهر دون المضمون.
إن مصر الثورة لم تنهِ دعائم نظام الفساد الأسبق ولم تتطهر من رؤوسه وخياراته الاقتصادية والسياسية.
ومصر الثورة تحتاج أن تنتج رؤية واضحة لنظامها الاقتصادي الذي يمكنه أن يحقق التنمية والعدالة الاجتماعية، وهي ليست مهمة فرد أيا كان قدره، وهي مهمة سابقة على الدستور القادم كما ظللنا ننادي.
ومصر الثورة تحتاج إعادة تخصيب الحياة السياسية داخل الوطن، وأن تتجاوز حالة التصحر والجمود أمام قيادات بلا إبداع ولا ترى سوى ذاتها سبيلا للوجود، مهما ادعت من أفكار أو انتماء للوطن. إن حوار الشعب حول النظام السياسي الذي يرغب فيه يجب أيضاً أن يسبق صياغات الدستور الفنية، إن تجاوز هذه الخطوة لن يساعد على بدايات صحيحة لمهام الثورة.
إن الحديث الذي بلغ فيه التجاوز مدى لا يقبله عاقل بشأن العسكرية المصرية، لن يتوقف أو يصل إلى مرفأه دون عقد مؤتمر حول الأمن القومي وعلاقة الجيش والدولة.
إن الحديث عن عسكرة الدولة بمعنى أن كافة المناصب يجرى تعيين عسكريون بها، تعني بالضرورة غياب رؤية حول البناء الوظيفي للدولة، إن التسريح المبكر للضباط هو إنقاص من قدرة القوات المسلحة ويحرمها من خبرات تراكمت، ولكن واقع المواجهة الجديد يفرض استثمار قدرات الضباط وخبراتهم في بناء جيش وطني قوي، وهو في إطار البناء الوظيفي للدولة يتطلب رؤية حول الإمكانات البشرية التي يحتاجها النظام الوظيفي للدولة، والقدرة على قياسها، والوصول بها إلى زيادة القدرة التنافسية بالتدريب.
إن غياب التدريب الإداري للخريجين، يضعف من قدرة الأداء، والالتزام بمهام التدريب والإعداد ضرورة للتنمية، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه لتجاوز العجز الإداري ومواجهة الفساد.
إن الدخول العفوي للشعب في مواجهة الإرهاب يؤدي إلى ضياع للجهد والقدرة، إن الشعب مطالب بتكوينات "المقاومة الشعبية"، وهي تكوينات يمكنها دون السلاح أن تعيق حركة الإرهاب، وتحاصره، وتكشفه.
العديد من العناوين تفرض نفسها بعيدا عن ادعاءات التسامح، وتفرض تناولها بالجدية الواجبة حتى تحقق الانتصار في حركة الثورة.
الشعب رفض الجماعة السرية، تكوينا وامتدادا وتحالفات خارجية، ولم يرفض شخص الحاكم ويعزله فقط، وأي مناورة على الشعب في هذا الأمر ستفتح الباب وبحق لتكرار المثال العراقي والسوري في مصر.
والذين يفاوضون الآن حول الخروج الآمن لجماعة اقترفت من الجرائم ما تجاوز الخيانة العظمى، سيعكس الاتهام على من يعدون بما لا يملكون، لمن لا يستحقون.
إن إدارة المرحلة الراهنة في مصر، مطالبة بإعادة ترتيب العلاقات الخارجية لحساب الاستقلال الوطني وليس على حساب الأمن القومي أو إرادة الشعب. وليدرك الجميع أن الشعب حضر ولن ينصرف، وأن عودة الروح للإدارة والأشخاص مطلب جوهري لاستعادة الوطن من غربته.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4902
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4296
| 23 سبتمبر 2026