رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صدر تقرير لجنة شيلكوت حول العراق The Iraq Inqiryبعد انتظار سبع سنوات، وهو بالمناسبة التقرير الحكومي الأهم حتى الآن والذي قام بمراجعة ملف الحرب على العراق عام 2003 وأجرى تقييما لمبررات الحرب وضرورتها إلى جانب الطريقة التي اعتمدت في صناعة القرار السياسي وأخيرا النتائج التي ترتبت على الغزو.
شمل التقرير على 2.6 مليون كلمة واحتوى على 1500 وثيقة وكان خلاصة دراسة سبع سنوات ولقاء 120 شاهدا، وقد كنت التقيت مع اللجنة مرتين الأولى في لندن والثانية في بغداد خلال زيارة اللجنة.
اعتبر التقرير الحرب بأنها لم تكن ضرورية وبأن إدارة العراق ما بعد الغزو كانت فاشلة، كما تم شن الحرب في غياب التوافق الدولي وتجاهل متعمد لدور مجلس الأمن كما اتخذ القرار متأثرا مرة بتقارير استخبارية مظللة ومرة بتضخيم متعمد لقدرات العراق في أسلحة الدمار الشامل.
لم نلتفت كثيرا للتقرير نحن أصحاب القضية في العراق وتعاملنا معه بالإحباط وخيبة الأمل، ليس فقط لأن ما يشغلنا أكثر هو الوضع الكارثي الذي بتنا عليه في العراق وهو بالمناسبة نتيجة مباشرة للغزو بل لأن التقرير أهتم بالشأن البريطاني أكثر بكثير من اهتمامه المفترض بالنتائج، بل إن صحيفة التايمز اعتبرت التقرير بمثابة "حرب بلير الشخصية" ولهذا أثار التقرير جدلا في بريطانيا كأي مسألة داخلية تستقطب في العادة اهتمام الأحزاب والشعب البريطاني، حيث اعتبرت صحيفة التلغراف التقرير بمثابة لائحة اتهام شاملة للسياسات البريطانية في الفترة التي سبقت الصراع وتداعياته.
التقرير بإيجاز انتقد قرار الذهاب للحرب وسلط الضوء على القصور في الجوانب الإجرائية والخلل في أداء المؤسسة الحكومية المعنية بموضوع الحرب والغرض في رأيي كان ينصرف إلى تحسين وتطوير الأداء الحكومي فحسب، من خلال إصلاح المؤسسة الحكومية البريطانية من أجل تحصينها من مغبة الوقوع في خطأ مماثل في المستقبل، وفي حديثه في برنامج "بلا حدود" قال ترافيرس"إن تقرير تشيلكوت كان له أثر حتى قبل إعلانه، وهو ما جعل من غير المرجح مشاركة بريطانيا في حرب أو عمل عسكري مستقبلا، وبالتالي أدى إلى خسارة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون التصويت في البرلمان بشأن مشاركة عسكرية في سوريا"، إلى جانب ذلك تغافل التقرير نقد قرار الحرب من الناحية القانونية أو الشرعية أو تحميل بريطانيا والولايات المتحدة النتائج الكارثية التي ترتبت على ذلك القرار.
لقد ذكرت صحيفة الجارديان تقرير تشيلكوت بأن محصلته كانت: دولة دمرت (إشارة إلى العراق) وثقة تهدمت (إشارة إلى بريطانيا) وسمعة تحطمت (إشارة إلى بلير)، بمعنى أن الضحية في المقام الأول كان العراق ورغم ذلك فإن التقرير لم يول المسألة العراقية كما أسهب في المسائل الوطنية البريطانية.
من وجهة نظرنا كعراقيين لقد كنا نتطلع أن ينصفنا التقرير في مسائل ثلاث: إدانة الغزو واعتبار الحرب لا شرعية ولا قانونية واعتبار توني بلير مجرم حرب ثم تحميل الدول الغازية كلفة إعادة البناء وتعويض الخسائر المادية والبشرية، لكن التقرير لم يشر إلى أي من هذه المسائل التي من دونها يبدو التقرير باهتا ومنحازا.
مع ذلك نتمنى أن يحظى اقتراح جيرمي كوربين زعيم حزب العمال القاضي بإدانة توني بلير ومحاسبته بالدعم البريطاني المطلوب، واستثمار ذلك كنافذة يمكن من خلالها المطالبة بالتعويض.
إن ما يهمنا أكثر هو تحميل الغزاة كامل المسؤولية عن نتائج الغزو ومآلاته وتحميلهم تبعات إعادة ترميم العراق وبنائه، وطالما أقر التقرير بفشل (الأجهزة الاستخبارية والجيش والقيادة السياسية) إذا لابد من تحميل بريطانيا والولايات المتحدة النتائج الكارثية التي ترتبت على الغزو.
وبالمناسبة كان بلير قد اعترف بأخطائه في مؤتمر صحفي عقده بعد نشر التقرير بقوله (أنا أتحمل كامل المسؤولية وأعبر عن ألمي وأسفي وأقدم اعتذاراتي) وهو كان يشير إلى إدارة العراق في فترة ما بعد الغزو والخسائر التي تحملتها العوائل البريطانية "179 قتيل والمئات من الجرحى" إضافة بالطبع للخسارة الهائلة التي تحملها العراق وعلى هذا الأساس وبصرف النظر سواء كانت الأخطاء مقصودة أو غير مقصودة فإن بريطانيا تصبح مسؤولة عن مضامين تلك الأخطاء وترميم ما نتج عنها من خراب ودمار في مختلف جوانب الحياة والسيادة ومن بينها تحرير العراق من الغزو الإيراني.
وربما يسأل البعض أين أخطأت الدول الغازية في العراق لو افترضنا فيها حسن النية في تنفيذ ما وعدت به؟ والجواب على ذلك ابتداء من قرار الحرب على العراق الذي لم يكن مبررا ذلك أن الحرب لم تكن ضرورية لأن العراق في ذلك الوقت لم يكن يشكل أساسا أي تهديد للمصالح البريطانية ولا الغربية ولا حتى الدول المجاورة، وحتى لو كان هذا هو الحال فقد كان أمام حكومة بلير خيارات سياسية لم تستنفذها عشية شن الحرب على العراق، هكذا خلص التقرير.
حكومة بلير لم تستنفذ الوسائل السياسية والدبلوماسية وذهبت لحرب لم تكن ضرورية بل حتى لم تكن شرعية ولا قانونية، وعندما حصل الغزو فإنه تم عن قصد تجاوز الهدف المحدد والمعلن وهو إسقاط نظام إلى تدمير وتفكيك دولة قائمة، الغزاة وعدوا بشيء لكنهم نفذوا شيئا آخر.
لقد أخطأت الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا عندما قررتا الحرب على دولة ذات سيادة خلاف القانون الدولي وفي غياب قرار مجلس الأمن، كما أخطأتا لاحقا في إدارة العراق ما بعد الغزو، ولهذا كان الخطأ مضاعفا.
أخطاء ما بعد الغزو - إن كانت حقا أخطاء ولم تكن جزءا من أجندة سرية – هي أخطاء لا حصر لها ولعل أبرزها النهب والتخريب المنظم بعد أيام من الغزو، تصفية الكوادر العلمية النادرة، تصفية قادة الجيش السابق وخيرة طياريه على وجه الخصوص، ثم حل الجيش وغياب العدالة الانتقالية وتسليم السلطة لأحزاب وشخصيات تم انتقاؤهم ليس على أساس الوطنية والكفاءة إلى جانب تأسيس نظام حكم على أساس المحاصصة والتنسيق السري مع إيران وإجبار العرب على الغياب عن المشهد العراقي، اعتذر توني بلير عن الأخطاء رغم أنه لم يعتذر عن الحرب نفسها، وطالما حصلت أخطاء فإنه لا مفر من محاسبة المخطئ إضافة لكذبه إذ اعتبرت التلجراف البريطانية أن الاتهام الرئيسي ضد بلير هو أنه كذب متعمدا على الشعب والبرلمان بشأن التهديد الذي يشكله صدام مباشرة لبريطانيا والغرب، وأضيف بل كذب على العالم أجمع في كل ما يتعلق بالحرب على العراق.
أما نتائج الأخطاء التي مازالت ماثلة في المشهد العراقي فهي كثيرة ومتنوعة وتشمل مختلف الجوانب الأمنية والمؤسساتية والقيمية؟ إلا أن التحدي الأكبر هو الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والانقسام المجتمعي الحاد والفساد المستشري وشيوع حالة العنف والنفوذ التخريبي غير المسبوق لإيران.
وفي هذا الصدد جاءت شهادة صحيفة "إندبندنت" بقولها، إن ذبح الأبرياء العراقيين، الذي تواطأت فيه بريطانيا، كان أكبر خطأ في التاريخ العالمي الحديث، ولا يمكن أن يُغفر أبدًا"، شهادة نحن بأمس الحاجة إليها لكن من حقنا أن نسأل وماذا بعد؟
أمامنا كعراقيين فرصة البناء على الاستنتاجات التي خلص إليها التقرير واستثمارها لغرض الحصول على قرار قضائي يجرم توني بلير وجورج بوش ويلزم الدولتين بالتعويض أولا وبمساعدتنا في بناء دولة حديثة مستدامة لكل العراقيين على أساس المواطنة ثانيا، لا أمل في مجلس الأمن، ولهذا الحاجة ماسة لفريق من المحامين الدوليين المتخصصين، ومتى ما تجاهلت الحكومة العراقية ذلك وهو المتوقع فلابد أن تتحمل المنظمات الحقوقية المعنية بحقوق الإنسان والمتعاطفة مع الشعب العراقي ذلك.
الخراب والدمار، التحديات التي تواجهنا في العراق تثقل كاهل العراقيين وتتجاوز إمكاناتهم في إعادة البناء والتعمير لهذا لا مفر من دخول المجتمع الدولي على الخط ولاسيَّما الدولتين المعنيتين بحرب لم يكن لها مبرر كما ذكر التحقيق لإصلاح ما أفسدته.
أخيرا، ربما يسأل البعض – وقد سئلت هذا السؤال كثيرا - رغم انتقاداتك لكنك شاركت في حكومة صنعها المحتل على عينه فكيف تبرر هذه المشاركة؟ لا أنكر ذلك وسبب مشاركتي كان يستند على قناعتي بأن المشاركة كانت ضرورية للعراقيين كي يعيدوا صناعة بلدهم الجديد بأيديهم كعراقيين ولا يتركون هذه المهمة للغزاة ولا يسمحون للآخرين وعلى وجه الخصوص إيران بالتدخل. النظرة كانت صحيحة في حينه على أساس القناعة بأن هناك فرصة حقيقية للعمل لكن ثبت بمرور الوقت أن المهمة تتجاوز إمكاناتنا وأن هذه القناعة لم تكن في محلها والفرصة لم تكن متاحة أصلا لبناء عراق.. الأمل، وهو أمر يدعو لأسف بالغ.
طريق الشرق السريع... والعراق الذي تأخر !
في التاسع من يونيو حزيران الجاري، وقع وزيرا النقل في كل من المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية مذكرة... اقرأ المزيد
369
| 17 يونيو 2026
عبد الله بن حمد العطية.. تميز وقدوة
لا تُقاس قيمة الرجال بطول أعمارهم، ولا بثرائهم، ولا بعدد المناصب التي شغلوها، ولا بحجم المسؤوليات التي تحملوها،... اقرأ المزيد
582
| 31 مايو 2026
هل قتلت إيران سرديتها حول "الأمن الجماعي الخليجي"؟
إلى جانب ما عرض من معلومات صادمة عن خلايا تخريب وتجسس …!! وهي أنشطة لا تمارسها إلا دولة... اقرأ المزيد
774
| 15 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
16341
| 17 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة، ليس لأنه مجرد فرق في الأسعار، بل لأنه يطرح سؤالًا أكبر عن حماية المستهلك وحدود حرية التاجر ومسؤولية الجهات الرقابية. ادخل أحد المجمعات التجارية في قطر، وابحث عن هاتف أو ساعة ذكية أو سماعة أو جهاز إلكتروني محدد، واحفظ اسمه ورقمه ومواصفاته جيدًا، ثم لا تشتره من أول متجر. تحرك فقط عشرات الأمتار إلى متجر آخر داخل المجمع نفسه. راح تفاجأ بأن الجهاز نفسه، بالموديل نفسه، والسعة نفسها، والمواصفات نفسها، يباع بسعر مختلف، وأحيانًا لا نتحدث عن عشرة أو عشرين ريالًا، بل عن فروقات قد تصل إلى مئات الريالات! والسؤال هنا: لماذا؟ ما الذي تغير في السلعة خلال عشرات الأمتار؟ وهل أصبحت حرية التجارة تعني أن يضع كل متجر الرقم الذي يريده؟؟ نحن نتفهم المنافسة، ونتفهم العروض، واختلاف تكاليف التشغيل والاستيراد والضمان والخدمات المصاحبة، ومن الطبيعي اقتصاديًا ألا تكون جميع الأسعار متطابقة حرفيًا، لكن عندما تتسع الفجوة في السلعة الإلكترونية ذاتها بشكل يثير الاستغراب، فمن حق المستهلك أن يسأل: أين ينتهي اختلاف السعر الطبيعي، وأين تبدأ المبالغة؟ والأهم: أين الرقابة؟ هل حماية المستهلك معنية فقط بكيس الأرز وعلبة الحليب وزجاجة الزيت؟ هل لأن الإلكترونيات ليست من السلع التي نشتريها يوميًا يصبح سعرها شأنًا مفتوحًا لا يستحق التدقيق؟ بل ربما تكون الرقابة على هذه المنتجات أكثر أهمية، لأن المستهلك قد يخسر في عملية شراء واحدة مئات الريالات بسبب جهله بسعر السوق، خصوصًا كبار السن أو من لا يجيدون مقارنة الأسعار إلكترونيًا أو من يثقون بأن وجود المتجر داخل مجمع تجاري معروف يعني تلقائيًا أن السعر يقع ضمن نطاق عادل. ولست هنا أطالب بأن تتحول الأسواق إلى نسخة واحدة، ولا أن يمنع التاجر من المنافسة أو الربح، فالربح حق، والمنافسة أساس التجارة، واختلاف الأسعار موجود في كل أسواق العالم. لكن هل هناك سقف للمبالغة؟ هل تراقب الجهات المختصة الفروقات الكبيرة بين أسعار المنتج نفسه؟ هل هناك آلية ترصد سعر السلعة الإلكترونية في السوق وتكشف القفزات غير المبررة؟ وهل يُطلب من التاجر تفسير الفارق الكبير إذا تجاوز السعر السائد للمنتج بصورة لافتة؟ هذه أسئلة تستحق إجابات واضحة. والأغرب أن التكنولوجيا التي جعلت مقارنة الأسعار ممكنة خلال ثوانٍ كشفت للمستهلك حجم الفوارق. قد تقف أمام جهاز سعره في متجر 2,500 ريال، ثم تكتشف وأنت لا تزال أمام البائع أن الجهاز نفسه يباع في مكان آخر بمبلغ أقل بكثير. هنا لا ينبغي أن تكون النصيحة الوحيدة للمستهلك: (ابحث وقارن قبل أن تشتري). نعم، على المستهلك أن يكون واعيًا، ولكن ماذا عن مسؤولية السوق نفسه؟ وماذا عن الفئات التي ذكرنا من كبار سن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم؟ حماية المستهلك لا تعني فقط التأكد من أن السعر مكتوب على الرف، بل يفترض أن تعني أيضًا وجود سوق واضح وعادل لا تتحول فيه قلة معرفة المشتري إلى فرصة لزيادة السعر عليه. وربما حان الوقت لدراسة إنشاء منصة رسمية أو نظام إلكتروني لمقارنة أسعار السلع الإلكترونية الأكثر تداولًا، يستطيع المستهلك من خلاله معرفة النطاق السعري للمنتج لدى المتاجر المسجلة، فتتحول المنافسة من لعبة معلومات غير متكافئة إلى سوق أكثر شفافية. كما أن نشر نتائج الرقابة والفروقات السعرية الكبيرة سيجعل التاجر يفكر مرتين قبل أن يضع سعرًا يصعب تبريره. نحن أمام سوق متطور، ودولة قطعت شوطًا كبيرًا في الرقمنة وحماية المستهلك، ولذلك من غير المنطقي أن يبقى المشتري في بعض القطاعات معتمدًا على جولة بين عشرة محلات حتى يعرف كم تساوي السلعة التي يريد شراءها. لا نطالب بإلغاء الربح. ولا بإلغاء المنافسة. نطالب بشيء أبسط: الشفافية، والرقابة، ومعرفة أين ينتهي حق التاجر في التسعير، وأين يبدأ حق المستهلك في الحماية من المبالغة. لأن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: إذا كان المنتج واحدًا، والمجمع واحدًا، والبلد واحدًا، والفرق مئات الريالات.. فمن يراقب السعر؟
5046
| 17 أغسطس 2026
-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم نضعه على الهامش - ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ - أدعو لأفق إستراتيجي لا يبقى فيه اليمن إذا استعاد استقراره خارج منظومة مجلس التعاون - علي عبد الله صالح قرر منحي أعلى وسام يمني لكنه أرجأ تسليمه لي لزيارة قادمة لم تتم - صنعاء مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس - اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى لا يحتاج اليمن إلى من يبحث له عن مكان في التاريخ؛ فمكانه سبقنا إليه القرآن الكريم حين حدثنا عن سبأ وما أنعم الله عليها: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، وسبقنا إليه الحديث النبوي الشريف: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية». وبين «البلدة الطيبة» و«الحكمة اليمانية» يمتد تاريخ بلد لا يمكن أن نقرأ تاريخ العرب والإسلام ثم نضعه على الهامش. سبأ ومأرب وحِمْيَر ليست أسماء من ذاكرة بعيدة، وإنما شواهد على حضارة ضاربة في القدم، وعلى أرض عرفت العمران والزراعة والتجارة. ولم يكن حضور اليمن في الإسلام عابرًا أو متأخرًا؛ فقد وفدت قبائله إلى رسول الله ﷺ ودخل أهله في الإسلام، وبعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن معلّمًا وقاضيًا. ومن اليمن خرج رجال وقبائل حملوا الإسلام والعربية معهم إلى الأمصار، وأسهموا في الفتوحات وفي بناء المجتمعات العربية والإسلامية التي نشأت بعدها. وظل اليمن حاضرًا في حواضره العلمية والتجارية والثقافية، من صنعاء وزبيد إلى حضرموت وعدن. وجيلي عرف اليمن من التاريخ، ثم عرفه من السياسة. فقد كنا نتابع منذ شبابنا التحول من الملكية إلى الجمهورية، والتدخل المصري لمساندة النظام الجمهوري الجديد، وما أعقب ذلك من أحداث جعلت اليمن حاضرًا بقوة في المشهد العربي. كنا نسمع بأسماء رجاله ونقرأ عن صراعاته وتحولاته، قبل أن تتيح لي الظروف أن أعرف اليمن عن قرب، وأن أعرف كثيرًا من رجاله. وكانت نقطة التحول في علاقتي المباشرة باليمن عام 1994، عندما جرت محاولة فصل الجنوب عن الشمال. كنت يومها وزيرًا للإعلام في دولة قطر، وكان لقطر موقف واضح في مساندة وحدة اليمن، في وقت كانت فيه مواقف خليجية أخرى مختلفة. وكان الإعلام أحد ميادين تلك المواجهة السياسية، حتى انتهت الحرب ببقاء الوحدة. وفي تلك المرحلة، ومن قبلها ومن بعدها، أتيح لي أن أعرف وأعمل مع عدد من الشخصيات اليمنية البارزة على اختلاف مواقعها واتجاهاتها؛ عرفت حسن اللوزي، الذي كان وزيرًا للإعلام، وجار الله عمر، الذي كان وزيرًا للثقافة، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، والرئيس علي ناصر محمد الذي بدأت علاقتي به في دمشق، ومحسن العيني، أحد أبرز الشخصيات اليمنية، الذي عرفته زميلًا سفيرًا في واشنطن واستمرت علاقتنا حتى وفاته، ومحمد سالم باسندوة الذي عرفته زميلًا سفيرًا في الأمم المتحدة قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء، والدكتور عبدالكريم الإرياني، وغيرهم كثير. رحم الله من توفاه الله منهم وأطال في أعمار الأحياء. ودعاني الرئيس علي عبدالله صالح إلى زيارة اليمن، فعرفته عن قرب ونشأت بيننا علاقة ود. وفي إحدى المرات قال لي إنه قرر منحي أعلى وسام يمني، لكنه سيؤجل تسليمه إلى الزيارة القادمة حتى يضمن عودتي إلى اليمن. ومرت الأيام، وتقلبت الأحوال، وتغيرت الدنيا، ورحل الرئيس، وبقي الوسام حيث كان. ولعل في هذه الحكاية الصغيرة شيئًا من حكاية السياسة نفسها: نؤجل بعض الأشياء إلى الغد، ثم يأتي الغد مختلفًا عما تصورناه. ولم تكن معرفتي باليمن مقصورة على السياسة ورجالها. عرفت بعض كبار مبدعيه، وفي مقدمتهم عبدالله البردوني وعبدالعزيز المقالح، ودعوتهما إلى المشاركة في فعالياتنا الثقافية. وفي زيارتي هذه رتبت الرئاسة جلسة أدبية فنية حضرها عدد من الأدباء والفنانين، لا تزال في ذاكرتي بما عكسته من ثراء الأدب والفن اليمنيين. وفي لحظة عفوية تبادلت ووزير الثقافة الزي؛ ألبسته العقال العربي، وألبسني العمامة والخنجر اليمنيين. صورة صغيرة، لكنها قالت يومها عن القرب بيننا أكثر مما تقوله كلمات كثيرة. اما اليمن الذي رأيناه فله حديث آخر.. رأيت في صنعاء فنًا معماريًا لا أعرف له شبيهًا؛ مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس. ورأيت في إب وما حولها طبيعة يعجز الوصف عن إعطائها حقها. صعدنا طرقًا متعرجة بين الجبال، ورأيت الفلاحات اليمنيات يتسلقن المرتفعات، يسقين الحقول ويقطفن الثمار، حتى وصلنا إلى غداء أقيم في قمة جبل تحيط به مناظر أقرب إلى الخيال. واستقبلنا عند مدخل المدينة وجهاؤها بملابسهم التقليدية المتنوعة، في مشهد من الألوان والهيبة والجمال، ثم جاءت المائدة اليمنية بما لا يقل ثراء عن المكان. وأقول ذلك وقد جلت العالم شرقًا وغربًا: في اليمن تنوع طبيعي قلّ أن تجده مجتمعًا في مكان واحد؛ شواطئ جميلة، وسهول ووديان، وجبال تكتسي بالخضرة، وأرض زراعية خصبة، وتراث عمراني نادر. ومن يرى كل ذلك يتساءل بألم: كيف استطاع هذا القدر من السياسة والصراع أن يفعل كل هذا ببلد منحه الله كل هذا القدر من الجمال؟ لقد حاصرت الحروب والسياسة اليمن طويلًا، حتى كاد ضجيجهما يحجب حقيقته وعظمته؛ فاختُزل بلد الحضارة والتاريخ والإنسان والجمال في أخبار الصراع، وغاب اليمن الحقيقي خلف أزماته. لكن أهمية اليمن لا تقف عند التاريخ والجمال والإنسان. فالجغرافيا منحته موقعًا لا يستطيع اليمنيون ولا جيرانهم ولا العالم تجاهله. إنه في جنوب الجزيرة العربية، ويشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط. وما جرى في السنوات الأخيرة أكد مرة أخرى أن اضطراب اليمن لا يبقى داخل حدوده، وأن أمن البحر الأحمر والملاحة والتجارة الدولية يتأثر بما يحدث فيه. ولهذا فإن تجاهل اليمن لا يضر باليمن وحده. من يترك جنوب الجزيرة العربية مضطربًا لا يستطيع أن يطمئن إلى استقرار بقيتها. لقد علمتنا تجارب العقود الماضية أن اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي تأتي ردًا على تطور هنا أو أزمة هناك. قد توقف معالجة طارئة جولة من الصراع، لكنها لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى. وما لم تكن هناك رؤية شاملة تعالج بناء الدولة ووحدتها واقتصادها وتنميتها، وتعيد للإنسان اليمني ثقته بمستقبله، فسنبقى ندور في دائرة إدارة الأزمات بدل الخروج منها. كما أن اتساع المشكلات والانقسامات الداخلية يفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية. وهنا لا بد من كلمة صريحة إلى أهل اليمن أنفسهم: إن مستقبل اليمن لا يصنعه الآخرون، والمسؤولية الأولى تبقى على اليمنيين؛ أن يقدموا اليمن على ما عداه، وأن يتحرروا من الارتهان والارتباط بالأجنبي أيًّا كان، وأن يجعلوا وحدتهم الوطنية فوق اختلافاتهم. فالارتهان للخارج وصفة داء لا دواء؛ إذ يستعين بك ما دامت له فيك حاجة، فإذا انقضت حاجته انقضى اهتمامه بك، وبقي الوطن وحده يدفع الثمن. وليس المطلوب أن يختلف اليمنيون أقل، بل ألا يجعلوا من اختلافاتهم أبوابًا تعبر منها مصالح الآخرين. فالوحدة الوطنية لا تلغي التنوع، وإنما تحميه وتحمي اليمن معه. وفي المقابل، تقع على محيط اليمن مسؤولية لا تقل أهمية. فلا ينبغي أن ننظر إلى اليمن بوصفه عبئًا ينبغي تحمله، أو مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها. اليمن، إذا استقر وأحسن استثمار طاقاته، مكسب كبير للجزيرة العربية: بثروته البشرية، وموقعه، وأرضه، وإمكاناته الاقتصادية والزراعية والسياحية، وتاريخه وحضارته. والخطر ليس في اليمن، وإنما في أن نتركه للفقر والانقسام والاضطراب والتدخلات الأجنبية. ومن بين دول المنطقة تبقى المملكة العربية السعودية الأكثر اتصالًا باليمن جغرافيا وتاريخًا، والدولة المركزية في مجلس التعاون، واستقرار اليمن من استقرارها وأمنه من أمنها. وقد قدمت المملكة لليمن الكثير، لكنني أتطلع إلى أن يأخذ هذا الدور بعدًا استراتيجيًا أبعد؛ فلا يقتصر على التعامل مع الأزمات حين تقع، بل يقود، بالشراكة مع اليمنيين ودول المنطقة، مشروعًا طويل المدى يدعم وحدة اليمن واستقراره، ويساعد في تنميته وبناء مؤسساته، ويهيئه للاندماج المتدرج في محيطه الطبيعي في الجزيرة العربية. وإذا كنا نتطلع إلى المملكة العربية السعودية لتقف إلى جانب اليمن وتأخذ بيده نحو الاستقرار والاندماج، فمن حقها أيضًا أن تجد من اليمنيين تقديرًا لذلك، وأن تُقابل اليد الممدودة بيد ممدودة، والثقة بالثقة. لقد آن لنا أن نفكر في اليمن بمنطق المستقبل لا بمنطق الأزمة. ولِمَ يبقى اليمن، إذا استعاد استقراره وتماسكت دولته، خارج منظومة مجلس التعاون؟ ولماذا لا يكون الأفق الاستراتيجي هو تهيئته يومًا ليصبح جزءًا كاملًا من هذه المنظومة؟ عندها لن يكون الأمر مجرد إضافة دولة إلى مجلس قائم، وإنما خطوة نحو إطار أكثر تعبيرًا عن جغرافية المنطقة ووحدة مصالحها. وقد يأتي يوم نتساءل فيه: إذا أصبح اليمن جزءًا من هذه المنظومة، أفلا يكون «مجلس التعاون لدول الجزيرة العربية» اسمًا أصدق تعبيرًا عن حقيقتها الجديدة؟ هذه ليست دعوة عاطفية، ولا حلمًا يتجاهل صعوبات الواقع. إنها رؤية تنطلق من درس كررته الأحداث: اليمن مكسب كبير إذا احتُضن واستقر وأصبح جزءًا فاعلًا من محيطه، وخطر جسيم على الجميع إذا أُهمل وترك نهبًا للانقسام والفقر والتدخل الخارجي. لقد ظللنا طويلًا نسأل ماذا نستطيع أن نفعل لليمن. وربما حان الوقت لنطرح السؤال بصورة أخرى: ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ فاليمن لم يكن يومًا هامشًا في تاريخها، ولا ينبغي أن يبقى هامشًا في مستقبلها. لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن..
3900
| 23 أغسطس 2026