رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صدر الشهر الماضي عن الدائرة الإدارية الأولى بمحكمة التمييز الكويتية حكمًا قضائيًا يحق لنا أن نصفه بـ"التاريخي"، لكونه عزز حق التقاضي المكفول دستوريًا، وأكد اختصاص القضاء في إلغاء القرار الصادر بإسقاط الجنسية عن المواطن أو سحبها منه، وذلك على الرغم من أن قانون دائرة المنازعات الإدارية الكويتي نص صراحة على عدم اختصاص المحكمة في مسائل الجنسية، كما أبعد عن مجال اختصاصها أعمال السيادة.
وقبل التعليق على الحكم المذكور، من الفائدة أن نبين بأن أوروبا شهدت في النصف الأول من القرن العشرين ترحيلا جماعيا وحرمانا غير عادل من المواطنة وتمييزا لأسباب عرقية لمئات الألوف من الأشخاص، والتي تعد الأضخم في تاريخ أوروبا. هذه المأساة الإنسانية كانت وراء تقرير مبدأ "عدم تجريد المواطن من جنسيته تعسفًا" في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي أصبح نبراسًا انتهجت بنهجه مواثيق واتفاقيات عالمية وإقليمية أخرى تعنى بحقوق الإنسان. إسقاط الجنسية أو سحبها عن المواطن لم يعد مأساة خجل منها التاريخ في عهد الظلمات، فطوى صفحته سريعًا. تجريد المواطن من جنسيته للأسف الشديد عقوبة لا تزال تمارس في محيطنا دون ضمانات أو شفافية أو الحق في التقاضي أمام قضاء محايد ينظر في قرار سحب الجنسية ليرى إن وافق القانون، أو أن التجرد تم تعسفًا.
وعودة إلى حكم محكمة التمييز الكويتية، نبين بأن الوقائع التي صدر الحكم بناء عليها تمثلت في أن أحد المواطنين الكويتيين الذي سبق أن اكتسب والده الجنسية الكويتية في عام 1962، وولد هو كويتيًا بعدها في عام 1965 وتزوج بامرأة كويتية وأنجب منها بنين وبنات كويتيين، صدر في حقه مرسوم في عام 2014 يقضي بسحب الجنسية الكويتية منه وممن كسبها معه بطريق التبعية. اتجه هذا الشخص متظلمًا للإدارة المعنية، ولكنه لم يتلق أي رد. وعدم الرد على التظلمات للأسف الشديد يُفهم منه أحيانًا أن الجهة المعنية لا تريد أن يُستغل ردها على التظلم ضدها في المستقبل إما إعلاميا أو قضائيًا، وقد يفهم منه أيضا أن الإدارة في موقف ضعيف لا تمتلك حياله السند القانوني المناسب فتتبع سياسية "التطنيش"، لاسيما وأنها تعلم بأن قراراتها محصنة ولا معقب عليها. كما قد يفهم من عدم الرد على التظلم بأن الإدارة لا تهتم بمعاناة هذا المتظلم، وما نجم عن قرارها في شأنه من مأساة له ولعائلته.
وإسقاط الجنسية أو سحبها عن المواطن كارثة لا يمكن أن توصف أو يعطى لها صورة تقريبية تحدد درجة قساوتها إلا صورة ذلك الشخص الذي احتل وطنه وأبعد عنه ليبقى بلا وطن وبلا حماية. فسحب الجنسية عن المواطن كسحب الحياة منه، وفي أغلب دول الخليج العربي فقدان الجنسية سبب في فقدان الوظيفة، أي لقمة العيش. كما أن فقدان الجنسية يعد سببًا في استرجاع الدولة للقرض أو لتسوية منحة الأرض الذي بني عليها، أي بلا مأوى. علاوة على فقدان العديد من الحقوق الأساسية كالتعليم والرعاية الصحية، بل إن الأمر قد يصل إلى الحرمان من الإقامة على وجه الأرض التي كانت له وطنًا وأصبح اليوم غريبًا عنها بقرار محصن عن نظر القضاء.
هذا الشخص الذي سحبت منه الجنسية لجأ إلى محكمة أول درجة لتنصفه، ولكن للأسف حكمت المحكمة بعدم اختصاصها ولائيًا بنظر الدعوى، فلم يقبل الحكم فولى وجهه نحو محكمة الاستئناف، لكنها قضت بتأييد الحكم المستأنف، أي أنها قضت كذلك بأن المحكمة غير مختصة ولائيًا بنظر الدعوى. ما حدا بالشخص المسحوبة جنسيته أن يتعلق بآخر أمل قضائي لديه في حياته الدنيا، فرفع دعواه أمام محكمة التمييز فأصدرت الحكم الذي نحن بصدده، والذي وصفناه بـ"التاريخي".
وبينت محكمة التمييز في حكمها أن حق التقاضي مكفول للناس كافة، فلكل ذي شأن الحق في أن يلجأ إلى قاضيه الطبيعي للطعن في القرارات الإدارية النهائية، فالأصل أن تخضع أعمال وقرارات الإدارة لرقابة القضاء ويمنع تحصينها، فإن جاء القانون ومنع القضاء من نظر هذا الأمر فهو استثناء لا يجوز التوسع في تفسيره أو القياس عليه. ورأت محكمة التمييز في حكمها أن قانون دائرة المنازعات الإدارية الكويتي، أكد الأصل وهو إخضاع القرارات الإدارية لولاية المحاكم، وأنه إذ استثنى بعض القرارات من نظر القضاء ومنها القرارات الصادرة في مسائل الجنسية، فإن هذا الاستثناء يجب أن يكون في أضيق الحدود، وأن يقتصر فقط على القرارات الصادرة بمنح الجنسية أو رفض منحها. وهذا الاستثناء يمكن تبريره بكونه يتعلق بكيان الدولة وحقها في اختيار من يتمتع بجنسيتها في ضوء ما تراه وتقدره، غير أنه لا مبرر لاستثناء القرارات الصادرة بسحب الجنسية أو إسقاطها. استندت المحكمة إلى الدستور الكويتي، وهو كالعديد من الدساتير نص صراحة على أن الجنسية يحددها القانون ولا يجوز إسقاط الجنسية أو سحبها إلا في حدود القانون، وهو أمرٌ لا يتحقق إلا بالرقابة القضائية على عمل الإدارة.
ومن جانب آخر، بيّن حكم محكمة التمييز الكويتية بأنه لا محل للقول بأن القرار الصادر بسحب الجنسية يعد عملًا من أعمال السيادة التي لا يجوز للمحاكم نظرها. فمع غياب تعريف تشريعي لأعمال السيادة، تكون المحاكم هي المختصة بتقرير ما يعد من أعمال السيادة من عدمه. وقد جرى قضاء المحكمة بأن أعمال السيادة هي القرارات التي تصدرها الحكومة باعتبارها سلطة حكم وليس سلطة إدارة، أما القرارات التي تصدرها بصفتها سلطة إدارة ومنها قرارات إسقاط أو سحب الجنسية، فإنها يجب أن تصدر في إطار القانون المنظم لها، وتلتزم الإدارة بضوابطه وحدوده وتخضع بالتالي لرقابة القضاء. وبالتالي قضت محكمة التمييز الكويتية بقبول الطعن شكلًا وتمييز الحكم المطعون فيه وباختصاص المحكمة في نظر القرارات الصادرة بإسقاط أو سحب الجنسية.
هذا الحكم التاريخي لمحكمة التمييز الكويتية يجب أن يكون منهاجًا لجميع المحاكم في دول مجلس التعاون الخليجي، فتحصين القرارات الصادرة في مسائل الجنسية لم ينفرد به المشرع الكويتي فحسب، بل ذهب إليه المشرع في دول خليجية أخرى. فالمادة (11) من قانون السلطة القضائية القطري نصت صراحة على عدم اختصاص المحاكم بشكل مباشر أو غير مباشر في مسائل الجنسية، والمادة (4) من قانون الجنسية العمانية الجديد نص صراحة أيضا على أن "لا تختص المحاكم بالنظر في مسائل الجنسية والمنازعات المتعلقة بها".
إن تحصين أعمال الإدارة وقراراتها أمر تجاوزته دول العالم ونصت بعض دساتيرها صراحة على عدم تحصين قرارات الحكومة تحقيقًا لكفالة حق التقاضي وترسيخًا لدولة المؤسسات والقانون.
والله من وراء القصد.
كيف نقلل أهمية مضيق هرمز؟
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص... اقرأ المزيد
36
| 07 يونيو 2026
امتحانات الثانوية.. صناعة أجيال تبني الوطن
مع انطلاق اختبارات نهاية الفصل الدراسي الثاني للشهادة الثانوية للعام الأكاديمي 2025-2026، تبدأ مرحلة مفصلية في حياة آلاف... اقرأ المزيد
60
| 07 يونيو 2026
حين يتكلم الصمت.. تصل الطفولة إلى العالم
في لحظة ما، لا تعود الطفولة مجرد مرحلة عمرية، بل تتحول إلى سؤال كبير يطرق ضمير الإنسانية: كيف... اقرأ المزيد
54
| 07 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- أستاذ القانون العام بجامعة قطر
[email protected]
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
3048
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2586
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2190
| 02 يونيو 2026