رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الاقتصاد العالمي مختلف جدا بين ما قبل الأزمة المالية العالمية واليوم. في سنة 2007، شكل الاقتصاد الأمريكي حوالي %30 من الاقتصاد العالمي و14% من التجارة الدولية. كان حجم الأسواق المالية الأمريكية يعادل 145% من الناتج، علما بأن ربعها كان مصرفيا. حجم القروض المالية للقطاع الخاص شكل في سنة 2007 حوالي 210% من الناتج في أمريكا مقارنة بـ 121% في منطقة اليورو و98% في شرق آسيا. نما الاقتصاد العالمي حوالي 4% سنويا في فترة 2000 \ 2007 مقارنة بـ 3% في العقد الذي سبق.
تحصل الأزمة المالية الدولية المستمرة منذ سنة 2008 بسبب السياسات الخاطئة التي اعتمدتها أمريكا وأوروبا كما نتيجة الممارسات السيئة المرتكزة على الفساد وسوء الأداء. كانت السياسات النقدية أحد الأسباب الأساسية لأزمة 1929، وبالتالي ظن البعض أنها ستكون كذلك هذه المرة. إلا أن وجود "بن برنانكي" على رأس المصرف المركزي الأمريكي، وهو الباحث في شؤون أزمة 1929، أسهم إلى حد كبير في عدم تكرار التجربة. لا يكفي ألا تشكل السياسات سببا للمشكلة، بل يجب أن تساعد في حلها أو التخفيف من وطأتها.
لا بد من مراجعة كل السياسات التي اعتمدت قبل الأزمة أي منذ سنة 2000 منعا لتكرار التجارب التي أوصلت الاقتصاد الدولي إلى ما هو عليه. المعلوم أن السياسة النقدية تهدف أصلا إلى تحقيق استقرار الأسعار على المدى المتوسط والطويل شرط ألا تسبب الركود المؤذي بالبطالة. تكمن المشكلة في أي مؤشر أسعار نعتمد؟ هل ندخل إليه فقط السلع أم الخدمات والأصول أيضا؟ إن ضبط النمو النقدي ضروري جدا منعا للتضخم شرط ألا يقضي على فرص النمو. هنا تكمن أهمية التنسيق بين السياستين المالية المسؤولة عنها وزارة المالية والنقدية التي تخضع للمصرف المركزي شرط المحافظة على استقلالية كل منهما. أكثرية الدول تعتمد الاستقلالية التي يخطئ البعض بتحميلها مسؤولية الأزمة الدولية. الاستقلالية ممتازة وضرورية، لكن الممارسة لم تكن بالمستوى المطلوب فحصلت أخطاء عديدة.
هنالك دور كبير للمصرف المركزي في إبقاء الاقتصاد العام مستقرا. هنالك مصارف مركزية تعتمد على قواعد أو معادلات دقيقة لسياساتها النقدية. لكن التقلبات الدولية تمنع في العديد من الأحيان تطبيقها. هنا تكمن صعوبة تحديد السياسة النقدية الفضلى، إذ تختلف من دولة إلى أخرى. لا شك أن كفاءة حكام المصارف المركزية مهمة لتعديل السياسة النقدية كلما تدعو الحاجة لمصلحة الاقتصاد وحمايته. يكمن دور المركزي في حسن الرقابة على المصارف والمؤسسات المالية بمختلف أنواعها. لم تحصل الأزمة المالية من دون دور كبير وسلبي للمصارف، أي إقراض غير مدروس خاصة للعقارات في وقت كانت المصارف المركزية تتفرج. دور المصرف المركزي هو التأكد من سلامة القطاع المصرفي الذي احتاج إلى الضرائب للإنقاذ. هنالك غضب دولي كبير ومحق تجاه المصارف بدأ يخف، لكنه ما زال قويا. في مؤتمر دافوس هذا العام، يظهر الغضب وهنالك اعترافات بالأخطاء من أهم المصرفيين. لكن هذا لا يكفي، إذ يجب التأكد من أن الممارسات المستقبلية ستكون أفضل وأنزه وأقل مخاطرة بأموال وودائع المواطن.
تقوم المصارف المركزية بإدارة عمليات الدين العام للدولة أي تصدر سندات الخزينة وتسوقها لصالحها. أسواق السندات هي في غاية الأهمية وتشكل قسما أساسيا من الأسواق المالية الكاملة. هنالك دول كالسعودية تستطيع تسديد كل ديونها العامة وكل السندات، لكنها لا تفعل كي تبقي السوق فاعلة. تعطي أسواق السندات معلومات كبيرة عن توقعات المواطنين والمستثمرين المستقبلية بشأن الفوائد ومخاطر الدولة.
لماذا يجب أن يبقى ضرب التضخم هدف السياسة النقدية؟
أولا: التضخم القوي يضرب فرص النمو، إذ يبعد الاستثمارات ويرفع مستوى المخاطر.
ثانيا: يضرب التضخم الادخارات المالية والودائع المصرفية وبالتالي معاشات التقاعد المهمة جدا للإنسان في نهاية حياته العملية.
ثالثا: يضرب التضخم النظام الضرائبي في عدالته.
كيف يمكن تجنب التضخم؟ المهم هو إبقاء مجموع الطلب موازيا أو أقل من مجموع العرض. يمكن للسياسات العامة أن تؤثر على عاملي الطلب والعرض لتجنب حصول التضخم الذي يدخل بسرعة ويخرج بصعوبة. فالسياسة المالية ترفع مجموع الطلب عندما تزيد الإنفاق العام على الحاجات العادية كما الاستثمارية. ترفع السياسة النقدية من حجم الطلب عندما تخفض الفوائد، فتزداد القروض وبالتالي الطلب على كل السلع والخدمات. يمكن تحفيز العرض عبر تخفيض الضرائب، فيزداد الإنتاج وبالتالي تنخفض الأسعار. يمكن للحكومة أن تضبط تحركات الطلب العام كما العرض العام عبر سياساتها الهادفة إلى تحقيق النمو بالإضافة إلى معالجة موضوعي التضخم والبطالة.
من العوامل المهمة للتي تضرب التضخم هي تحرير أسواق العمل، بحيث تعكس الأجور التوازن وبالتالي يحصل العمال كما رب العمل على حقوقهم كاملة. أسواق عمل ضبابية تسبب البطالة واعتماد أجور غير متوازنة يبقى ظالما. زيادة الأجور دون ارتفاع الإنتاجية تؤدي إلى التضخم، من هنا ضرورة اعتماد السياسات الداعمة للإنتاجية والتنافسية كما فهمها الفرنسيون جيدا ويسعون إلى تطبيقها عبر تقرير "غالوا".
أخيرا من العوامل المهمة لضرب التضخم إدخال الجميع إلى سوق الإنتاج عبر القروض الصغيرة التي تعتمد أكثر فأكثر حتى في الدول الصناعية. هنالك أسس اجتماعية وتضامنية ومالية ومؤسساتية ترتكز على الثقة والعلاقات الاجتماعية والثقافية وشبكات التواصل بين المواطنين وضعها أصلا محمد يونس في بنجلادش وحصل على جائزة نوبل للسلام بفضلها. اعتمدت هذه الأسس تحديدا في نيويورك عندما تحمست لها الشيخة هيلاري كلينتون في العقد الماضي.
الاستقامة ركيزة الاقتصاد الناجح
هنالك صراع فكري عالمي قديم حول جدوى الاستقامة العملية في الحركة الاقتصادية. هل الاستقامة مفيدة وتؤدي إلى النجاح... اقرأ المزيد
3323
| 24 سبتمبر 2014
الاقتصاد الإيراني.. من العقوبات إلى التنمية
تعتمد العقوبات دوليا لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو غيرها.. لم تكن النتائج باهرة حتى اليوم من ناحية... اقرأ المزيد
883
| 21 سبتمبر 2014
قوة الدولار من قوة أمريكا
المعروف عالميا أن قوة النقد تنبع من الوضع الاقتصادي العام، إلا أن هذا ليس صحيحا دائما، كما شهد... اقرأ المزيد
1307
| 17 سبتمبر 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8730
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2832
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2679
| 30 أكتوبر 2026