رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المعروف عالميا أن قوة النقد تنبع من الوضع الاقتصادي العام، إلا أن هذا ليس صحيحا دائما، كما شهد عليه سعر صرف اليورو، رغم الوضع الاقتصادي الأوروبي السيئ منذ سنة 2008، ارتفع اليورو تجاه الدولار دون أي مبررات علمية أو واقعية تذكر. ارتفع بسبب الطلب عليه، علما أن أوضاع الاقتصاد الأمريكي كانت ومازالت أفضل نسيا. في كل حال، بدأ التصحيح يحصل، وهاهو الدولار يتحسن لمصلحة أوروبا الراغبة في انحدار عملتها لغاية التصدير الذي يعتبر الركيزة الأساسية للنمو الاقتصادي. لن تستطيع فرنسا مثلا النهوض من كبوتها الاقتصادية الحالية إلا إذا تحسنت صادراتها، وهذا ممكن أكثر اليوم مع تغير سعر صرف اليورو تجاه الدولار.
لا شك أن النفوذ السياسي ينعكس على النقد. حتى بدء الحرب العالمية الأولى، كانت بريطانيا الأقوى وكان نقدها الأهم. انتقلت القوة السياسية إلى الولايات المتحدة حيث أصبح دولارها النقد العالمي الأهم. فالقوة النقدية تنعكس ارتفاعا في مستوى المعيشة، لكن يمكن أن تنعكس أيضا ارتفاعا في الدين العام وهذا ما حصل في الولايات المتحدة حيث أصبحت الدولة المدينة الأكبر في العالم. عاش الأمريكيون كمجتمع فوق قدراتهم المالية لعقود، وبالتالي أصبحوا مدينين للعالم الخارجي خاصة لآسيا وتحديدا للصين. تملك الصين اليوم أكثر من 2.5 ألف مليار دولار من الاحتياطي النقدي الخارجي، 70% منها سندات خزينة أمريكية.لا يمكن لأمريكا أن تسدد ديونها المتراكمة مهما حاولت. لا يمكن للصين التي تملك ديونا خارجية تعادل نصف ناتجها المحلي الإجمالي أن تعتبر أن هذه الديون غير موجودة أو يجب إلغاؤها أو حذفها. أمريكا كما الصين عالقتان في هذه الحلقة ولابد من أن تتعاونا لمنع الأسوأ الذي ينعكس على السياسة والأمن والاقتصاد.
في الواقع، انتقلت أمريكا من دولة اقتصادية عظمى بعد الحرب العالمية الثانية إلى دولة عادية بسبب الديون والأخطاء وضعف النمو والانفلات السياسي والعسكري العالمي. يحاول الرئيس أوباما الحد من هذا الانفلات، إلا أن الأوضاع الأمنية تفرض عليه الاستمرار به بالحدود الدنيا الممكنة. هنالك مثال معروف يقول بأن من يستدين مليون دولار من المصرف، يصبح مملوكا منه. من يقترض مليار دولار من المصرف، يصبح المصرف ملكا له. ما الذي حول أمريكا مما كانت عليه إلى أوضاعها الحالية؟ في منتصف التسعينيات، كانت الأوضاع الاقتصادية جيدة أي ارتفاع في النمو والإنتاجية وانخفاض في نسبة البطالة إلى 4%. كان التضخم في الوقت نفسه منخفضا، مما دفع الاقتصاديون إلى إطلاق وصف "الاقتصاد الجديد" على الأوضاع.
تغير الأمور بدأ من سنة 2000 عندما انهارت أسواق الانترنت والمعلوماتية، وتبين أنه لم يكن هنالك اقتصاد جديد بل أوضاع مختلفة. لم ترتفع أعداد القوة العاملة بل تدنت إنتاجية العامل. لتنشيط الطلب على المدى القصير منعا لحصول ركود، خفض المصرف المركزي الفوائد تشجيعا للاقتراض. لكن هذه السياسة لا تكفي على المدى البعيد حيث إن تحسين شروط العرض هو الحل المطلوب. تحتاج أمريكا إلى قوة عاملة أكثر وأكبر مع إنتاجية أعلى وهذا لم يحصل، كيف يمكن وصف الأوضاع اليوم ولماذا يحصل التعثر الاقتصادي؟
أولا: تحتاج أمريكا إلى يد عاملة جديدة منتجة. هذا لن يأتي بسبب سياسات الهجرة الضيقة المعتمدة خاصة منذ بداية القرن، لا تمنح أمريكا تأشيرات العمل حتى للكفاءات التي تنقصها والتي تحتاج إليها للنهوض والتطور. أجل الرئيس أوباما مشروعه بشأن الهجرة إلى ما بعد الانتخابات التشريعية المقبلة حتى لا تؤثر سلبا على النتائج. تحتاج أمريكا إلى سياسة هجرة جديدة ذكية تجذب الأفضل والأكفاء إليها. الأوضاع الأمنية العالمية الحالية تشجع الدول والمجتمعات على الانكفاء والانغلاق وهذا في غاية الخطورة.
ثانيا: تحتاج أمريكا إلى الإنفاق السخي على البنية التحتية والتعليم والتدريب لتعزيز الإبداع والابتكار والتجدد كما لرفع الإنتاجية. من الصعب أن يحصل في ظل العجز المالي الكبير.
ثالثا: تصل نسبة الضرائب على أرباح الشركات إلى 35% وهي مرتفعة جدا أي الأعلى في الدول الصناعية، بالإضافة إلى أن الدولة لا تحصل الكثير بسبب استفادة الشركات قانونا من التخفيضات والتوزيعات المتاحة.
رابعا: من مساوئ النظام الضرائبي الأمريكي أنه يفرض الضرائب على الشركات الأمريكية أينما كانت مصادر هذه الأرباح. معظم الدول الصناعية يعتمد العامل الجغرافي في أنظمته الضرائبية، أي يخضع للضريبة فقط الربح المحقق داخل الدولة. في أمريكا العامل الجغرافي غير موجود، وأرباح الشركات تخضع للضريبة عندما تحول إلى الولايات المتحدة. هذا يعني أن الشركات لا تحول إلى الداخل إلا القليل من الأرباح المحققة في الخارج. هنالك إحصاءات تشير إلى أن مجموع أصول الشركات الأمريكية في الخارج يتعدى ألفي مليار دولار أمريكي كان يمكن لأميركا أن تستفيد منها في الاستثمارات والاستهلاك الداخليين.
خامسا: النظام الضرائبي الجديد المعروف ب FATCA الذي أقر في سنة 2010 وبدأ تنفيذه منذ 1\7\2014. هدفه تحصيل الإيرادات الضرائبية التي تحتاج إليه الموازنات الأمريكية العاجزة. يمكن وصف القانون بالقاسي والصعب وغير العادل وغير المنطقي الذي يؤذي الأمريكيين أنفسهم. يفرض القانون على كل المصارف والصناديق والمؤسسات المالية عبر العالم إبلاغ جهاز الضرائب الأمريكي IRS عن أي حسابات أو أصول لمواطنين أمريكيين أو حتى للمقيمين كما للذين تربطهم علاقات اقتصادية قوية بأمريكا. هنالك عقوبات مالية وجزائية قاسية للذين لا يمتثلون للقانون، أهمها المقاطعة القاتلة في الظروف المالية الدولية الحالية. ينتج عن هذا القانون عاملان مضران جدا للأمريكيين، أولهما أن العديد من أصحاب الجوازات الأمريكية يتنازلون عنها، حيث تضاعف هذا العدد أربع مرات مؤخرا. النتيجة السلبية الأخرى هي أن العديد من الشركات العالمية يتجنب توظيف أمريكيين تهربا من المعاملات والإجراءات القاسية التي يفرضها القانون عليهم وعلى المؤسسات التي توظفهم. كما تتجنب المؤسسات والشركات التعامل مع أمريكيين كي لا تقع في فخ القوانين الضرائبية الجائرة. من المساوئ الإضافية أن القانون يلغي الخصوصية المالية التي بشر بها الأمريكيون منذ عقود وهي إحدى ركائز النظام الاقتصادي الحر. الغريب أن أمريكا ترفض إعطاء الدول الأجنبية معلومات بشأن مواطنيها في أمريكا وهي تطلبها منها بشأن الأمريكيين فيها.
ما المطلوب؟ طبعا التحول إلى المعيار الجغرافي، أي تفرض الضرائب على الأرباح والدخل المحققين داخل أمريكا فقط. المطلوب تطبيق سياسة المعاملة بالمثل، أي لا يمكن لأمريكا أن تطلب من دول أخرى حتى الغربية منها ما ترفض هي إعطاءها لها. أهمية هذا الواقع هو أنه يشير إلى ضعف الاقتصاد الأمريكي وبالتالي اضطرار الدولة الأمريكية إلى وضع وتنفيذ قوانين غير منطقية. لا يتمتع الدولار اليوم بالقوة الطبيعية كنقد لدولة عظمى بسبب القرارات والسياسات المتبعة التي تضر أحيانا بأمريكا نفسها. تبقى أمريكا قوية، لكنها تخسر اليوم الكثير من نفوذها بسبب الديون والقوانين وعدم التعامل بعدل ومنطق مع الغير بمن فيهم حلفائها.
الاستقامة ركيزة الاقتصاد الناجح
هنالك صراع فكري عالمي قديم حول جدوى الاستقامة العملية في الحركة الاقتصادية. هل الاستقامة مفيدة وتؤدي إلى النجاح... اقرأ المزيد
3314
| 24 سبتمبر 2014
الاقتصاد الإيراني.. من العقوبات إلى التنمية
تعتمد العقوبات دوليا لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو غيرها.. لم تكن النتائج باهرة حتى اليوم من ناحية... اقرأ المزيد
877
| 21 سبتمبر 2014
لماذا تبقى أسعار النفط مستقرة؟
ما يدعو للعجب هو بقاء أسعار برميل النفط لفترة غير قصيرة في حدود 100 دولار للبرنت رغم التقلبات... اقرأ المزيد
850
| 03 سبتمبر 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2241
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1485
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1137
| 11 أكتوبر 2026