رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إدانة الجريمة مفروغ منها، كما أننا لا نتردد في مشاطرة الفرنسيين شعورهم بالحزن لمقتل فريق مجلتهم الساخرة، إلا أننا لسنا مطالبين بالاعتذار عما وقع، لا لهم ولا لغيرهم.
(1)
حين تم قتل الاثني عشر صحفيا ورساما فرنسيا في السابع من يناير الحالي. فإن الخبر احتل العنوان الرئيسي لأغلب الصحف العربية، وإذ تصادف أن قتل في نفس اليوم أكثر من 40 يمنيا وجرح أكثر من سبعين أمام كلية الشرطة في صنعاء، فإن الخبر وضع في ذيل الصحف العربية اللندنية، وأخذ مكانه في الصفحات الداخلية للصحف المصرية، وشاءت المقادير أن يعلن في اليوم ذاته تقرير المرصد السوري لحقوق الإنسان عن حصيلة حملة القتل الدائرة في سوريا عن شهر ديسمبر، الذي أشار إلى أن قتلى الشهر وصل عددهم 4358 بمعدل 150 شخصا يوميا، إلا أن خلاصة التقرير تاهت وسط زحام الأخبار العربية والعالمية الأخرى. فذكرته بعض الصحف المصرية وتجاهلته صحف أخرى. وما لاحظناه في أداء الصحف المنشورة لم يختلف كثيرا عما شاهدناه على شاشة التلفزيون، إذ ظل خبر مقتل الفرنسيين الاثني عشر هو الأول، أما أخبار قتل العشرات في اليمن وسوريا فإنها احتلت رتبة متأخرة، وتراجعت إلى المركز الثالث أو الرابع، كأنما صار قتل العرب حتى في وعينا خبرا عاديا، في حين غدا استهداف الأوروبيين هو الجريمة والصدمة.
لم تتجل صدمة وسائل الإعلام العربية فقط في التركيز على حادث قتل الفرنسيين وعدم الاكتراث بمسلسل القتل اليومي للأعداد الكبيرة نسبيا من العرب، ولكنها تجلت أيضا في حملة التضامن مع مجلة شارلي إيبدو، حتى أن اللافتة التي رفعها البعض في باريس وكتبت عليها عبارة أنا شارلي، كانت ذاتها عنوانا لإحدى الصحف اليومية المصرية، وبلغ التماهي مع المشاعر المعادية للإسلام والمسلمين التي تصاعدت في فرنسا حدا دفع أحد رسامي الكاريكاتير المصريين لأن يقدم رسما في اليوم الأول مصحوبا بتعليق يقول: مذبحة إسلامية للصحفيين والرسامين في باريس، وفي اليوم التالي قدم رسما آخر مع تعليق يقول: إسلاميون يغتالون حرية الرأي في فرنسا.
(2)
في حين كان السمت الأبرز لأداء الإعلام العربي في أغلب منابره معبرا عن الشعور بالدونية من ناحية وبالتسطيح والخفة من ناحية ثانية، فقد لوحظ أن الأصداء أصبحت خلال الأيام التالية أكثر توازنا ونضجا في أوساط المثقفين والإعلاميين الغربيين، إذ ظلت إدانة الجريمة وحق كل صاحب رأي مخالف في الاحترام فضلا عن الحياة أمرا متفقا عليه، ولكن مواقف المجلة التي اتسمت بالغلو وازدواج المعايير لم تحظ بنفس القدر من الإنفاق، كما ظهرت أصوات نزيهة رفضت الغمز في الإسلام كما رفضت إلصاق التهمة بالمسلمين وتعميمها عليهم. وكانت الرسالة التي بلورتها تلك الآراء تقول بصريح العبارة: نحن ضد القتل ومع حرية الرأي لكننا أيضا ضد الموقف الذي تبنته مجلة «شارلي أيبدو» إزاء الإسلام والمسلمين، لا ينفي ذلك أن مؤشر العداء للاثنين قد تعاظم بشكل سريع في أعقاب وقوع الحادث، في فرنسا التي كانت أجواؤها مهيأة لذلك لأسباب عدة، أحدثها ظهور كتاب «الاستسلام» الذي خوف الفرنسيين من التداعيات المترتبة على فوز مفترض لأحد المسلمين الفرنسيين بالرئاسة في انتخابات عام 2022. وهو ما استثمرته بسرعة الجماعات اليمينية والفاشية التي تثبت حضورا متزايدا في أنحاء القارة. وهي الأحزاب التي علا صوتها بوجه أخص في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، وباتت ترفع شعار «بيجيدا» الذي يرمز إلى عبارة «وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب»، وبطبيعة الحال، لم يخل الأمر من محاولات الصيد في الماء العكر، وهو ما لجأ إليه بسذاجة تدعو إلى الرثاء بعض الإعلاميين المصريين حين عبر بعضهم عن الشماتة في الحكومة الفرنسية لأنها لم تسر على نهج الحكومة المصرية في مواجهة الإرهاب، ومنهم من استخدم عبارة «يستاهلوا»، إلا أن أخبث تلك المحاولات قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي شارك في المسيرة الباريسية لمناهضة الإرهاب، رغم أن يديه لا تزال ملطخة بدماء طرية لألفي فلسطيني قتلهم جيشه في قطاع غزة في صيف العام الماضي (2014)، إذ اخترق الصفوف وتصدر المسيرة وكأنه قائدها ومحفزها، في مشهد مبتذل بدا مسكونا بالزيف والنفاق.
بوادر الإفاقة ظهرت في تعليقات مواقع التواصل الاجتماعي التي تحفظت على شعار «أنا شارلي» الذي رفع في باريس وجرى تعميمه على مختلف وسائل الإعلام بعد ساعات من وقوع الحادث. إذ في حين انتشر الشعار بسرعة البرق في أجواء الصدمة، فإن بعض الأصوات المحدودة خرجت معلنة التضامن مع الضحايا وليس مع المجلة وكان في مقدمة هؤلاء ناشط وكاتب لبناني يرأس الرابطة العربية الأوروبية في بلجيكا هو دياب أبو جهجة، الذي كتب «أنا أحمد» وليس شارلي. وكان يشير بذلك إلى أحمد مرابط الشرطي الفرنسي من أصل جزائري، الذي قتل في الحادث وهو يدافع عن مجلة دأبت على إهانة ثقافته ودينه. وقد جسد بذلك مقولة فولتير الشهيرة «قد اختلف معك في الرأي، لكنني مستعد لأن أموت دفاعا عن رأيك» وهو ما يجعل رمزيته أهم وأكثر موضوعية ونزاهة من رمزية التضامن مع المجلة ذاتها. كأنما أطلق صاحبنا الشرارة فظهرت بعد ذلك مدونة فرنسية اسمها كريستين جيلبرت معلنة عن تدشين حملة شعارها «لست شارلي ولكنني أحمد». وقالت في تبرير ذلك أن أحمد هو الشرطي المسلم الذي قتل أثناء دفاعه عن حق المجلة في التعبير بحرية. انتقدت كريستين تجاهل ورمزية التضحية التي قام بها ذلك الجندي المسلم الشجاع، كما انتقدت استخدام الحادث لمعاداة الإسلام أو التنديد بالمسلمين والدعوة إلى طردهم، قائلة: دعونا نحكم على بعضنا البعض وفقا لأعمالنا الفردية وليس من خلال لون بشرتنا أو معتقداتنا.
هذه النقلة في الخطاب، التي عبرت عنها بعض الكتابات العربية الاستثنائية للأسف، أثارت الانتباه في وسائل الإعلام الغربية. فتحدثت عنها صحيفة «ذا اتلانتيك» الأمريكية قائلة إن مقتل أحمد مرابط يوفر شرحا للهجوم، لأنه قتل دفاعا عن القوانين التي تسمح للآخرين بالسخرية من دينه. وهو ذات الموقف الذي عبرت عنه صحيفتا ديل ميل والجارديان البريطانية.
(3)
في أجواء الإفاقة تعددت التعليقات والتحليلات، سواء منها من أدان فكرة تعميم الاتهام على المسلمين، أو ما سلط الأضواء على مواقف مجلة «شارلي» بغلوها وتحيزاتها ضد الإسلام والمسلمين بوجه أخص، الأمر الذي أثار قضية المسؤولية في ممارسة حرية التعبير.
تعميم الاتهام على المسلمين شاركت فيه أصوات عدة، كان بينها روبرت ميردوخ أحد أباطرة عالم الصحافة خصوصا في بريطانيا، إذ كتب يقول إنه ربما كان أغلب المسلمين سلميين، ولكنهم ما لم ينجحوا في القضاء على سرطان الجهاديين، فإننا لا نستطيع أن نبرئهم أو نعفيهم من المسؤولية، إلا أن كثيرين سارعوا إلى رد مقولته كان من أبرزهم الروائية البريطانية الشهيرة جى. ك روينج (صاحبة قصص هاري بوتر). إذ كتبت قائلة: لقد ولدت مسيحية، وإذا أراد ميردوخ أن يحملني بالمسؤولية عن فظائع محاكم التفتيش، فإن الخروج من الملة يصبح خيارا أفضل من الاستمرار في العيش بتلك الوصمة، بل إن أحد قيادات الرابطة الكاثوليكية بيل دونوهو أبدى تفهما لملابسات الجريمة قال فيه إن القتل مرفوض يقينا لكن من حق المسلمين أن يغضبوا من موقف المجلة، ولا مفر من الاعتراف بأن أداء محرريها ورساميها الضحايا كان له إسهامه في تحريض الجناة على الإقدام على فعلتهم.
مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس» البريطانية المحترمة نشرت في 9 يناير الحالي مقالة كتبها آدم شاتز كان عنوانها «الوضوح الأخلاقي»، انتقد فيها المواقف الغربية المتسرعة التي ترتبت على الحدث، كما تطرق إلى الظروف الاجتماعية التي يعيش فيها المسلمون المهاجرون إلى فرنسا. فذهب إلى أن الذين روجوا لشعار «أنا شارلي أيبدو» تبنوا موقفا دفاعيا أرادوا به أن يغسلوا ضمائر الغربيين من آثار الجرائم العديدة التي ارتكبها الغرب بحق المسلمين. وأضاف أن الأخوين كواشي اللذين قاما بالهجوم على المجلة هما نتاج طبيعي للمعاملة التي يلقاها المسلمون المهاجرون في المجتمعات الغربية التي فشلت في استيعابهم. بل حرصت على أن تذكرهم دائما بأنهم مجرد مهاجرين وافدين. ولذلك فإن شعورهم بالاغتراب يلاحقهم طول الوقت. وبسبب من ذلك فإن التحاقهم بالإسلام الراديكالي يوفر لهم الشعور بالقوة وبالقدرة على التأثير في محيطهم. ولم يفت أن ينبه إلى أن الدعوة للنظر إلى الظروف التي أفرزتهم لا ينبغي أن يعفيهم من المسؤولية عما فعلوه، ولكنه من مستلزمات الوضوح الأخلاقي المطلوب لفهم خلفيات ودوافع سلوكهم.
صحيفة دير شبيجل الألمانية نشرت تقريرا ذكرتنا به السيدة رولنج أورد خلاصة تقرير مثير أعده مركز مواجهة الإرهاب التابع للأكاديمية العسكرية في نيويورك، ذكر أن معاناة المسلمين من الإرهاب أكثر بكثير من معاناة غير المسلمين، ودللت على ذلك بأنه خلال الفترة بين عامي 2004 و2008 كان ضحايا المسلمين الذين قضوا بسبب الإرهاب ثماني مرات ضعف الضحايا من غير المسلمين. وخلال تلك الفترة شن تنظيم القاعدة 313 هجوما مما أدى إلى مقتل 3010 أشخاص، ومن هؤلاء القتلى كان عدد غير المسلمين 371 شخصا. وأضاف التقرير أنه بين عامي 2006 و2008 كان القتلى من غير الغربيين 38 ضعف القتلى الغربيين، بما يعني أنه أمام كل مواطن غربي قتل 38 مواطنا آخر من بين المسلمين.
في مقالة كتبتها روائية مغربية مقيمة في الولايات المتحدة هي ليلى لا لامي، أفاضت في شرح البيئة التي خرج منها الشبان اللذان ارتكبا الجريمة، وبينت أن تدهور أوضاع المهاجرين ينتج سلوكيات منحرفة، وقالت إن البطالة بين المهاجرين ضعفها بين المواطنين الفرنسيين العاديين، وأن حظوظهم في التعليم أقل من حظوظ أقرانهم الفرنسيين، ولفتت الانتباه إلى أن مجلة شارلي إيبدو كانت تنتقد الجميع حقا لكن نقدها للمسلمين كان أشد وأكثر غلوا. ثم إن رئاسة التحرير فصلت أحد محرريها البارزين (موريس سينيه) واتهمته بمعاداة السامية لمجرد أنه غمز في ابن الرئيس السابق نيكولاي ساركوزي وتنبأ له بمستقبل مالي مشرق بعد زواجه من يهودية. إضافة إلى أن أي نقد تمارسه المجلة أو غيرها من المجلات الأخرى لم يكن ليجرؤ على المساس بالهولوكوست، الذي يعتبر اليهود أن وثائقه وأرقامه «مقدسات» لا يجوز المساس بها.
(4)
أوقفوا مطالبة المسلمين بإدانة الإرهاب، فذلك نوع من الابتزاز بالتعصب وبكراهية المسلمين (الإسلاموفوبيا). هذا النداء لم يطلقه أحد في عواصم العرب أو المسلمين، ولكنه عنوان مقالة كتبها صحفي أمريكي اسمه ماكس فيشر ونشرها أحد المواقع البارزة في الولايات المتحدة، وتناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي طوال اليومين الماضيين. وإذ أعبر عن تضامني مع تلك الدعوة مضيفا أننا لسنا مدينين بالاعتذار لأي أحد عما جرى في باريس، وفي الوقت الذي نرفضه ونستنكره، فإننا لسنا مضطرين لأن ندين أي اعتداء أو جريمة يرتكبها أي مسلم، لأن كل واحد ينبغي أن يحاسب على ما اقترفت يداه، وليس مطلوبا من المسلمين أجمعين أن يدفعوا ثمن كل وزر يرتكبه مسلم.
في هذا الصدد فلا مفر من الاعتراف بأن العالم العربي الإسلامي بقادته وأغلب نخبه ومنابره الإعلامية واجه الحدث بمسلك اتسم من دونية مستهجنة حيث عبر هؤلاء عن أساهم لمقتل الاثني عشر فرنسيا، ولم يظهروا ذلك الشعور بالأسى لمقتل آلاف العرب والمسلمين سواء على أيدي الجماعات الإرهابية أو بالصواريخ الإسرائيلية والأمريكية أو ببراميل البارود والمتفجرات التي يلقيها نظام الأسد يوميا على مواطنيه. وكما أننا لا نحمل شعوب الغرب بالمسؤولية عن الجرائم التاريخية التي يرتكبها قادتهم بحق شعوبنا، فمن حقنا أن نتأبى عن أي اعتذار أو ندم، تاركين لحكوماتهم أن تحاسب كل من ارتكب جرما على فعلته، ليس فقط لأن ذلك شأنهم الذي لا دخل لنا به، ولكن أيضا لأن فينا ما يكفينا، إن السؤال الذي يستحق مناقشة جادة هو: لماذا اختفت الموضوعية وسادت الخفة مع الانفعال وتصفية الحسابات؟.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2639
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1042
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
684
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9783
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3465
| 22 أكتوبر 2026