رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتورة حصة حامد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

132

الدكتورة حصة حامد المرواني

خبرة جيل… وبصيرة جيل

12 أكتوبر 2026 , 12:00ص

قد يقضي الطالب سنوات يتعلّم كيف يجيب عن أسئلة الاختبارات، ثم يدخل الحياة المهنية ليواجه أسئلة من نوع آخر: كيف يتخذ قرارًا حين تكون المعلومات ناقصة؟ كيف يختلف مع مسؤول ويحفظ احترامه؟ وماذا يفعل حين تتعارض مصلحته مع مبدأ يؤمن به؟ هذه مواقف تحتاج إلى معرفة، وإلى تقدير تنمّيه قراءة التجارب وفهم عواقب الاختيارات.

من هنا أتأمل قيمة الحوار الذي أدرته مع سعادة المستشار سعد بن محمد الرميحي في جامعة قطر، ضمن سلسلة الأثر الطلابي (تجربتي من الواقع إلى الأثر)، فاللقاء بشخصية وطنية صاحبة مسيرة يفتح أمام الطلبة فرصة لقراءة الإنسان وراء الإنجاز، وفهم ما تطلّبته المسؤولية من قرارات ومواقف ومراجعات.

بيننا مراجع حيّة تحمل معرفة صنعتها سنوات العمل، وفي الحوار معها يستطيع الطالب أن يسأل عن تفاصيل لا تظهر في السيرة الذاتية: لماذا اختير هذا الطريق؟ ما البدائل التي كانت متاحة؟ كيف جرى التعامل مع الخطأ؟ وما الذي تعلّمه صاحب التجربة عن نفسه وعن الناس؟ بهذه الأسئلة تصبح المسيرة مصدرًا لبناء الوعي.

وقد أتاحت جامعة قطر، من خلال هذه السلسلة، مساحة تصل المعرفة الأكاديمية بالخبرة الإنسانية والمهنية، وتستحق هذه الخطوة التقدير؛ لأنها تقرّب الطلبة من تجارب وطنية يمكنهم مناقشتها، واستخلاص ما يعينهم على فهم مسؤولياتهم المقبلة.

ويظهر أثر هذا التعلّم حين يبدأ الطالب حياته المهنية، فقد يجد نفسه أمام خلاف داخل فريق، أو مهمة تفوق خبرته، أو نتيجة لم تكن بالمستوى المطلوب، واستيعابه لتجارب الآخرين يمنحه زوايا أوسع للنظر، متى يطلب المشورة؟ كيف يقرّ بخطئه ويصحّحه؟ وعلى أي أساس يوازن بين السرعة والدقة؟ إنه يتدرّب على التفكير في الموقف قبل أن يواجهه، ويكتسب لغة تساعده على مناقشته حين يقع.

كما أن معرفة الطريق الذي سبق الإنجاز تمنحه توقعات أكثر واقعية، فالشاب الذي يقارن بدايته بنهاية مسيرة طويلة قد يشعر بأنه تأخر قبل أن يبدأ، أما حين يفهم ما استغرقه بناء الخبرة من جهد وتعلّم، فإنه يصبح أقدر على الصبر على تقدّمه، وتقبّل الملاحظات، والعمل على تحسين أدائه، ويتعلّم أن الثقة تُبنى بالوفاء بالمسؤوليات، وأن السمعة المهنية تتكوّن في تفاصيل التعامل اليومي.

ويمتد الأثر إلى حياته الإنسانية، فالإصغاء إلى تجربة شخص آخر يدعوه إلى النظر في ظروف الناس قبل الحكم عليهم، وفهم اختلاف دوافعهم، والانتباه إلى أثر كلمته وقراره فيهم، وهذه قدرة يحتاجها مع زملائه وأسرته ومجتمعه؛ ليختلف بإنصاف، ويتحمّل مسؤوليته في العلاقة، ويوازن بين طموحه وحقوق الآخرين.

وتزداد قيمة الحوار حين يتناول المواقف التي تختبر المبادئ، كيف يحفظ الإنسان أمانته تحت الضغط؟ كيف يستخدم صلاحياته بعدل؟ وكيف يتعامل مع من لا يملك نفوذه؟ مناقشة هذه الأسئلة تصل القيم بالسلوك، وتساعد الطالب على إدراك أن المسؤولية المهنية تحمل تبعات إنسانية، وأن قرارًا يراه بسيطًا قد يترك أثرًا عميقًا في حياة غيره.

وقراءة (المراجع الحيّة) تحتاج إلى وعي نقدي، لكل تجربة سياقها وحدودها، وعلى الطالب أن يفهم أسبابها، ويناقش نتائجها، ويقدّر ما يصلح منها لواقعه، فالغاية أن توسّع خبرة الآخر قدرته على الاختيار، وأن تساعده على بناء حكمه المستقل.

لهذا يستحق أثر هذه اللقاءات أن يستمر بالتوثيق والمناقشة، وبإتاحة الفرصة للطلبة لربط ما سمعوه بمواقف يتوقعون مواجهتها، عندها يمكن أن ينتقل الحوار من ذكرى لقاء إلى معرفة يستدعيها الطالب حين يحتاج إليها.

وأعمق أثر نمنحه للشباب هو أن نساعدهم على النجاح بوعي، أن يحسنوا أداء أعمالهم، ويفهموا الناس، ويتحمّلوا نتائج قراراتهم، هناك تصبح خبرة جيل بصيرةً لجيل يواصل البناء.

مساحة إعلانية