رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الصراع حول الديمقراطية في العالم العربي أعقد وأكثر حدة مما نتصور، هذه خلاصة ورقة في الموضوع قدمتها في بداية هذا الأسبوع إلى مؤتمر حزب البناء الوطني في تونس.
(١)
الفكرة المفتاح في فهم تحديات التحول الديمقراطية تكمن في تحليل «طبائع الاستبداد» الذي «هو بيت الداء» والأساس لأغلب التحديات التي تواجه التحول المنشود.
وهذا التقييم مقتبس مما أورده شيخنا عبد الرحمن الكواكبي (١٨٥٤ ــ ١٩٠٢) في كتابه الشهير «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد». لكنني سأتعامل مع الفكرة من منظور آخر، أسلم فيه بأن الاستبداد أصل كل فساد كما ذكر، وأركز على بعد لم يتناوله بصورة مباشرة، هو أثره على محاولة الانتقال إلى الديمقراطية. ذلك أن الاستبداد في زماننا اختلف في أساليبه عما شهده وعرفه الكواكبي، وإن ظل محوره الرئيسي يكمن في احتكار السلطة والثروة، فلم يعد حاكما فردا تحيط به نخبة من المنتفعين ويمارس سلطانه من خلال أدوات القمع التقليدية. وإنما صارت للاستبداد أدوات أخرى صارت تسهم في تكريس القمع والقهر، في مقدمتها حيل القانون ومنصات القضاء وأبواق الإعلام المرئي والمكتوب، بحيث صار الاغتيال المعنوي والسياسي منافسا للاغتيال المادي ومتقدما عليه، أعني أن الأساليب تطورت، بحيث طرحت ما يمكن أن نسميه بالاستبداد الناعم، الذي يجلد بلا سوط ويقتل بلا قطرة دم.
صرنا أيضا بإزاء ما يمكن أن يطلق عليه الاستبداد الديمقراطي، وهو المصطلح الذي استخدمه المستشار طارق البشري في كتاب أخير له. وفي ظله لا يلغي المستبد مؤسسات الدولة لكي ينفرد بالقرار ويمارس احتكار السلطة، ولكنه يقيم كل الهياكل والمؤسسات الديمقراطية، لكنه يفرغها من وظائفها، بحيث تصبح معبرة عن إرادته هو وليس إرادة المجتمع، وتحمي شخصه ونظامه بأكثر مما تحمي مصالح الناس وتستجيب لأشواقهم. في هذه الحالة يسمح بظهور الأحزاب وإجراء الانتخابات وإقامة البرلمانات وتشكيل الحكومات المنتخبة ويفتح الأبواب لتشكيل منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، لكن أصابع أجهزته تظل هي المحرك الأساسي لكل ذلك، وهي صيغة تبقي الحاكم بعيدا في الظل، لكن أعوانه وأجهزته توظف كل ذلك لحسابه.
بهذه الأساليب المبتكرة أصبح المستبد يمارس نفوذا أكبر، لا يدمر به الحاضر فحسب، ولكنه يدمر المستقبل أيضا. وهذا الشق الأخير هو الذي يهمنا في السياق الذي نحن بصدده. وإذا كان تدميره للحاضر معلوما، إلا أن أخطر انعكاساته على المستقبل تتمثل في أن الاستبداد يفقد المجتمع عافيته ويفسد أجواءه، ذلك أنه يصيب الفضاء السياسي بالتجريف، والقوى السياسية بالضعف والعقم، كما أنه يصيب مؤسسات المجتمع بالإعاقة والعجز. في ذات الوقت فإنه يؤسس لنخبة تابعة تبشر بقيم الانصياع وعبادة السلطان، في حين تحارب التنوع وتتهم الاختلاف حتى تجرمه، وتلك عوامل لها تأثيرها السلبي على المستقبل من حيث إنها تشكل عقبات حقيقية تعترض طريق التحول الديمقراطي.
(٢)
خبرة التاريخ تزودنا بالكثير من المعارف التي تساعدنا على تصور التحديات التي تواجه التحول الديمقراطي. وأستعيد هنا نصا يتعلق بالحالة المصرية، سبق أن أشرت إليه في مقام آخر، أورده المستشار طارق البشري في مستهل كتابه الأخير عن «جهاز الدولة وإدارة الحكم في مصر»، يسلط الضوء على ما يحدثه الاستبداد من تحول في عقيدة وبنية جهاز الإدارة. فهو يذكر أننا خلال ثلاثة أرباع القرن الأخير عشنا في مصر في حالة طوارئ ثابتة اعتاد عليها جهاز إدارة الدولة وتشكلت في إطارها تجاربه ومهاراته وأساليب إدارته للشؤون العامة وللتعامل مع المواطنين. بمعنى أنه في «ثقافته» الإدارية وبحكم تجاربه وخبراته لم يستطع الحكم ولا ممارسة مهام عمله في التعامل مع المواطنين إلا في ظل ما تنتجه «حالة الطوارئ» هذه من سلطات وقدرات غير مقيدة، أي في إطار سلطات طليقة من القيود، الأمر الذي يعني ــ حسب تعبيره ــ أن إمكانية الحكم وإدارته لم تعد تنفصل عن خبرة الاستبداد ومعارفه وعادات تعامله.
هذه الشهادة تنبه إلى أن موقف أجهزة الإدارة التي تشكلت ونمت في ظل الاستبداد ــ وأجهزة الأمن جزء منها لا ريب ــ تمثل عقبة لا يستهان بها أمام طموحات التغيير المنشود. ببساطة لأنك لا تستطيع أن تقيم نظاما جديدا بأدوات وأجهزة النظام القديم، وهنا تبرز أهمية التفرقة بين الانقلاب وبين الثورة الشعبية، ذلك أن الانقلاب يقوم به أحد مراكز القوة في المجتمع، مستخدما بعض الأذرع المسلحة ليفرض إرادته على النظام القائم، وفي الموسوعة الحرة فإن الانقلاب هو «إزاحة مفاجئة للحكومة بفعل مجموعة تنتمي إلى مؤسسة الدولة ــ عادة ما تكون الجيش ــ وتنصيب سلطة بديلة لها، عسكرية أو مدنية».
أما الثورة فهي انتفاضة المجتمع ضد السلطة بمختلف مؤسساتها وأجهزة الأمن والإدارة على رأسها، وذلك يهدف إلى تغيير نظام الحكم وتحقيق مطالب معينة لصالح المجتمع الذي قامت الثورة على أكتافه، والفئة التي قامت بالانقلاب بوسعها أن تفرض التغيير الذي تنشده باستخدام أدوات قوة السلطة التي تملكها. وهو ما لا يتوفر دائما للثورة الشعبية التي اشترط لينين وماركس لنجاحها حل الجيش والشرطة (استخدما في ذلك كلمة سحقهما)، لأنهما يشكلان الخطر الأكبر الذي يوظفه النظام القديم لإجهاض الثورة.
ما حدث أن العالم العربي تجاوز مرحلة الانقلاب ــ في الوقت الراهن على الأقل ــ وتتابعت فيه منذ عام ٢٠١١ الثورات الشعبية، الأمر الذي يدعونا إلى استحضار خبرة التاريخ التي راكمتها الثورات المختلفة، ذلك أننا سنجد أن حصيلة تلك الخبرة حافلة بدروس تساعدنا في فهم وتفسير ما جرى ويجري.
(٣)
عديدة هي الدروس التي تزودنا بها خبرة التاريخ، وهو ما اهتم بمعالجته كتاب عديدون، في المقدمة منهم الباحث السوري الأستاذ حسين عبد العزيز والكاتب الفلسطيني الأستاذ منير شفيق.
من أهم تلك الدروس ما يلي:
< إن التغيير في ظل الثورات الشعبية يتطلب لتحقيق أهدافه وقتا طويلا، قد يصل إلى عدة عقود، ولا ينسى في هذا الصدد أن استقرار الديمقراطية والتمكين لها في أوروبا اقتضى مرور قرن كامل في أعقاب الثورة الفرنسية (عام ١٨٩٨).
< إن أغلب الثورات الشعبية لم تنتقل من العهد الذي انتفضت ضده إلى الوضع الذي سعت إلى إقامته إلا بعد المرور بسلسلة من الاضطرابات التي وصلت إلى حد الحروب الأهلية، وهو ما ينطبق على الثورات الإنجليزية والفرنسية والروسية وغيرها من الثورات الأوروبية.
< إنه ما من ثورة شعبية إلا وتعرضت للانتكاسة على أيدي الثورة المضادة، لأن الأنظمة السابقة تملك من الخبرة وعناصر القوة والقدرة ما يمكنها من تحدي الأوضاع الجديدة. ولا ينسى في هذا الصدد أن آل البوربون عادوا إلى عرش فرنسا بعد عقدين ونصف عقد على اندلاع الثورة الفرنسية، واستطاع شاه إيران العودة إلى الحكم بعد ثورة مصدق. كما استطاعت الثورة المضادة في تشيلي برئاسة الجنرال بينوشيه الانقلاب على حكم سلفادور اللندي الذي وصل إلى الحكم عن طريق صناديق الاقتراع.
< إن الدولة العميقة عادة ما تكون رأس الحربة في تحدي الثورات الشعبية، ذلك أنها تمثل تحالف أركان النظام السابق والمنتفعين به مع عناصر مؤسسات القوة المتمثلة في الجيش والشرطة. وهذا التحالف حين يخوض معركة ضد الثورة الشعبية فإنه يتصدى لها بشراسة وعنف، لأن الأمر بالنسبة إليه معركة مصيرية، فإما أن يعود النظام القديم أو تطوى صفحته نهائيا ويخرج من التاريخ بلا عودة.
(٤)
إذا حاولنا أن نستخلص مما سبق أبرز التحديات التي تواجه التحول الديمقراطي في العالم العربي بوجه أخص فسوف نجد أنها تتمثل فيما يلي:
١ــ إن الجماهير التي عانت من الاستبداد، تظل معنية باحتياجاتها المعيشية بأكثر من اعتنائها بترسيخ قوائم الديمقراطية وقواعدها. وبسبب ذلك الشوق فإنها ترفع سقف توقعاتها عاليا وتنتظر من التغيير أن يلبي لها احتياجاتها.
ولأن التغيير يستغرق وقتا ويتعرض لهزات وانتكاسات، فإن ذلك يثير استياء الجماهير المترقبة والمتسرعة ويستدعي عوامل الإحباط والغضب لديها، الذي تعبر عنه الإضرابات والاعتصامات وغير ذلك من الوسائل التي تبطئ من النمو الاقتصادي المراد إنعاشه.
٢ــ إن الجدب السياسي الذي يسعى نظام الاستبداد إلى إشاعته من خلال حرق بدائله حين يؤدي إلى موت السياسة وإصابة الطبقة السياسية بالإعاقة، فإنه يحدث مفارقة تعاني منها عملية التحول المنشود، إذ نصبح بإزاء وضع تظل فيه الديمقراطية مطلبا ملحا ولكن الفضاء السياسي يعاني غياب الثقافة الديمقراطية وندرة الديمقراطيين.
٣ــ هشاشة المجتمع المدني تعد مشكلة عصية على الحل، ذلك أن التدمير الذي يحدثه نظام الاستبداد إما أنه يلغي وجود مؤسسات المجتمع أو أنه يضعفها ويفرغها من مضمونها. في حين أن نجاح التحول يظل أشد ما يكون حاجة إلى وجود وفعالية تلك المؤسسات باعتبارها ركيزة قوة المجتمع التي تشكل إحدى ضمانات نجاح التحول الديمقراطي.
٤ــ بسبب احتكار الاستبداد للسلطة فإن النشطاء السياسيين الذين يتقدمون صفوف الدعوة إلى التغيير يعانون من مشكلتين عويصتين. الأولى أنهم يفتقدون إلى خبرة إدارة المجتمع بسبب حرمانهم التاريخي من المشاركة في القرار السياسي وجهاز الإدارة. والثانية أنهم يفتقدون روح الفريق والعمل المشترك، وبسبب ذلك تسود بينهم عوامل عدم الثقة وأحيانا سوء الظن، الأمر الذي يعجزهم عن العمل مع بعضهم البعض، وهو ما ينتهي إلى الاعتماد على عناصر النظام القديم في إدارة النظام الجديد.
٥ــ يتصل بما سبق أنه في الوقت الذي يفرض التغيير الاحتشاد والتجمع لدى عناصر النظام القديم، فإن العناصر الداعية إلى التغيير كثيرا ما تستسلم لحساباتها وربما طموحاتها، الأمر الذي يوقعها في فخ الخلاف الذي ترجم في الحالة العربية إلى استقطاب حاد بين القوى العلمانية والليبرالية واليسارية في ناحية والقوى الإسلامية من ناحية ثانية، الأمر الذي يضعف الاثنين في نهاية المطاف ومن ثم يهدر الوفاق المطلوب لإنجاح التحول.
٦ــ تبدو ساحة المواجهة مع أركان النظام القديم أوسع بكثير من قدرة قوى التغيير الطامحة إلى إقامة النظام الديمقراطي، ذلك أن إسقاط رأس النظام ورموزه ربما كان أمرا ميسورا، لكن جسم النظام وأذرعه في مختلف مجالات العمل العام يتطلب تعبيرها وقتا طويلا وقدرات وإمكانات غالبا ما لا تتوفر لعناصر النظام الجديد. إذ إلى جانب الدولة العميقة التي سبقت الإشارة إليها فإن المشكلة تكمن بحدة في مجالي القضاء والإعلام، ومواجهة التحدي في هذين المجالين تتطلب حذرا شديدا لا يمس استقلال القضاء ولا ينال من حرية الإعلام.
٧ــ أخيرا فإننا لا نستطيع أن نتجاهل دور دول المحيط الرافض للديمقراطية ومسعاه الدءوب طول الوقت لإجهاض التجربة. ولا أقصد بالمحيط بعض قوى الداخل فحسب، ولكنني أقصد تحديدا المحيط العربي الرافض للتغيير الديمقراطي (لنا في ذلك خبرة مشهودة) ــ إلى جانب إدراك الأطراف الإقليمية والدولية أن من شأن التحول الديمقراطي أن يضر بمصالحها ومخططاتها (الولايات المتحدة وإسرائيل مثلا). ولست أشك في أن الصراع حول الديمقراطية في العالم العربي يمكن أن يحسم في الأجل المنظور، لأن القوى الراغبة في إجهاض التجربة ليست أقوى عددا وعدة فحسب، ولكن أيضا لأن الأمر بالنسبة لها يعد معركة حياة أو موت.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2639
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1042
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
687
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12144
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9969
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3471
| 22 أكتوبر 2026