رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أعتقد أنه آن الأوان لنا في الخليج العربي أن نفكر جدياً حول أزمتنا القادمة لا محالة.. وأنا لا أتحدث هنا عن أزمة نضوب النفط أو الغاز أو غيرهما من مصادر الدخل القومي أو أزمة ندرة مصادر المياه في أرض الجزيرة العربية وإنما أتحدث عن أزمة مستقبلية أهم بكثير تتمثل في البقاء من عدمه في هذه المنطقة لأننا بصدد خيارين لا ثالث لهما: إما التصدي لمخطط ذوبان المنطقة واكتسائها باللون الصفوي الطائفي الإبادي بزعامة إيران وإما التصدي للمشروع الغربي الانتهازي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية والذي وجد ضالته فوق هذه المنطقة "يأكل من خيرها" ويقتات من استمرار النزاع فيها واستمرار مصادر الخطر الخارجي المهدد لها.
وفي كلتا الحالتين نحن بصدد التغيير من حالة السكون والخمول إلى حالة الحراك الدائم والتطورات الهائلة، فإما أن تعيش هذه المنطقة أمنا وأماناً إلى ما شاء الله وإما أن تعيش في خوف وهلع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فنحن إما أن " نصارع من أجل البقاء " وإما أن " نبقى في صراع " وشتّان ما بين الحالتين فالأولى يعقبها أمن وطمأنينة من العدوان الخارجي أو على الأقل استعداد له والثانية يعقبها فوضى واقتتال من كل حدب وصوب.
إن من يشاهد ويستمع لأخبار المشهد العراقي مؤخراً ويحلل مقولات وتصرفات نوري المالكي - رئيس الوزراء العراقي - وزمرته ليجد أن العراق بأكمله – ويا للأسف – قد أصبح في قبضة المشروع الصفوي الممتد من إيران ليبسط تلك السجادة الإيرانية التي "اشتغل" عليها الإيرانيون بمهارة يدوية فائقة حتى أصاغوها "سجادة حمراء" مفروشة لاستقبال تلك الجيوش القادمة باتجاه أرض المعركة التي لا ندرك مكانها إلى الآن ولكننا ندرك نتائجها على أرض الواقع بعد أن فعلت أفاعيلها تجاه أهل السنة في إيران والآن في العراق وسوريا ولبنان.
إن دول الخليج العربية كلها بلا استثناء مستهدفة من قبل تلك الفئة الطاغية التي أظهرت طائفيتها وحقدها الدفين طوال سنين خلت، ولكننا الآن فقط بدأنا نستشعر لهيب ذلك البركان الذي خرجت علينا حممه في سوريا لتأكل الأخضر واليابس وتقتل كل من يعترض طريقها، وليس بمنأى عن ذلك كله دولنا التي نستظل بأمنها وأمانها من رحمة الله تبارك وتعالى علينا، ولكن الأخذ بالأسباب يدفعنا ويجبرنا على إعداد ما استطعنا من قوة لمواجهة ذلك الزحف البربري التتري تجاهنا، وقد يقول قائل بأنكم تبالغون كثيراً.. فلسنا على أبواب حرب ولسنا نرى جنوداً تستعد لاقتحام حدودنا فمن أين أتيتم بتلك المخاوف؟. فنرد على مثل هؤلاء الغافلين الجهلة قائلين إنهم يجب أن يقرأوا التاريخ وأن يعرفوا ماهي أيدلوجية تلك القوى وما الذي يحرّكها.. فما الذي يجعل جنود الحرس الجمهوري الإيراني ينخرطون تحت لواء السفاح المجرم بشار الأسد؟، وقبل ذلك ما الذي يجعل هذا الطاغية يلجأ إلى إيران لطلب العون والمدد منها؟، وما الذي يجعل جنود جيش المهدي ومقتدى الصدر يستبسلون في الدفاع عن صديقهم الحميم في سوريا؟، وما الذي يدعو نوري المالكي لتسخير إمكانات العراق الهائلة لتكون رهن إشارة المشروع الخميني؟، وما الذي يدعوه كذلك للتبجح بوقاحة والاعتراض على قطر والسعودية في مساعدتهما أو تأييدهما للجيش السوري الحر؟، وما الذي يدفعه بوقاحة للدفاع علناً عن هذا النظام الدموي الحاقد؟، وما الذي يدفع حسن نصر الله لفعل الشيء نفسه من أرض لبنان؟، وما الذي يدفع جنود حزب الشيطان أقصد حزب الله "تعالى الله عما يصفون" إلى الانخراط في جيش المجرم "بشار الجزار"؟. باختصار إنه الولاء لذلك المشروع الصفوي القادم على ظهور ترسانة نووية وأخرى عسكرية.. ربما روسية الصنع أو صينية الصنع.. المهم أنها اشتراكية شيوعية بوذية لا دينية.. لا يهم.. المهم أنها تتوافق وذات الهدف الخطير الذي يعمل من أجله كل هؤلاء وهو "معاداة الإسلام والقضاء على المسلمين".. وعندما نقول "الإسلام والمسلمين" فإننا نقصد "الإسلام الحق" الذي جاء به خير المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وعندما نقصد المسلمين فإننا نقصد الموحّدين لربهم والمؤمنين به على هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.. وما هو خلاف ذلك فإنه يعتبر معادياً لله ولرسوله ولهذا الدين العظيم لأنه أظهر الإسلام شكلاً ومظهراً وأبطن الحقد والكراهية له فوافق هدفه أهداف أعداء الأمة في الخارج حتى وإن كان منتمياً لهذه الأمة العربية أو الإسلامية.
إن من المضحك المبكي أن تظل دول خليجية وعربية صامتة ومتفرجة على ذلك المشهد المتحرك بسرعة هائلة فلا نجدها تتحرك لتتعاون مع "دول المواجهة" لهذا النظام المجرم كقطر والسعودية وتركيا، بل إن من المحزن كذلك أن نجد اهتمامات الدول تختلف وتتضاد في هذه المرحلة الحاسمة من الصراع، فهل أن يُعقل أن تنتظم صفوف المرتزقة من شتى بقاع الأرض ضد إخواننا في سوريا وأن تتخلخل صفوفنا وأن يرتد عنها المرتدون وأن ينقلب على عقبيه المنهزمون وأن يولّي الدبر الخائفون، بل إن من المؤسف أن تجادل دول أخرى بأنها لا ترى في ذلك خطرا على الإطلاق، بل إن مبلغ الخطر عندها هو بلوغ الإسلاميين إلى سدّة الحكم.. تلك النكتة السمجة التي مللنا سماعها والتخويف منها من أعداء الأمة في الخارج حتى أخذ يرددها الطغاة الهالكون من أمثال معمر القذافي أو المخلوعون من أمثال حسني مبارك وزين العابدين وعلي عبدالله صالح واستمر على منهجهم في ذلك التخويف فئة من الناس في مجتمعاتنا، أيعقل أن يتصارع الإخوة مثلاً عند دخول قاتل أو مجرم خطير إلى منزلهم؟ إن أول شيء يفعله العقلاء هو دفع الضرر المؤكد والأخطر قبل الشروع في دفع الضرر غير المؤكد أو الأقل خطراً، هذا إذا افترضنا أن الإسلاميين يشكلون خطراً من الأساس ولكننا نقولها من باب الفرضية المحالة، إذن فمن يسطو عليك في عقر دارك ليقتلك أو يقتل أمك أو أباك أو أحد إخوانك فإنك ستقاتله دون أدنى تفكير منك في ذلك.. حتى وإن كنت عاقّاً لوالديك أو في خلاف دائم مع إخوانك مثلاً فلا يعقل أن تقف متفرجاً.
إن أولئك المخوّفين المهددين من خطر الإسلاميين يذكرونني جيداً بأولئك الذين دائماً ما تجدهم يُرهبون الناس من الاقتراب من الطائفية وتجدهم يخرسون ألسنة المتحدثين وينعتونهم بالطائفية في كل صغيرة وكبيرة حتى أصبح البعض يخاف أن يذكر كلمة تشير إلى التفرقة حتى لا ينتعونه بالطائفية، هؤلاء المخوّفين والمهددين اكتشفنا مع مرور الوقت أنهم أكثر الناس حقداً وكرهاً ورغبة في الطائفية ومثال سوريا شاهد على ذلك، فهو سلاح يتسلّحون به كي يفقد الطرف الآخر كل مقومات القوة لديه، تماماً مثلما فعل الأمريكان مع الدول العربية والإسلامية بعد أحداث سبتمبر حيث خوّفوا الدول الإسلامية من الإرهاب ومن تمويل الإرهاب حتى أغلقت تلك الدول الضعيفة باب الزكاة والجهاد حتى دخلوا جحر الضب واختنقوا بداخله.. إرضاءً للطرف الآخر الذي يمارس الإرهاب كأمريكا ويموّل الإرهابي الأكبر "إسرائيل"، إنها عملية مفهومة.. فمن ينعتك أو يخوّفك من الإرهاب هو أكبر إرهابي ومجرم ومن ينعتك أو يخوّفك من الطائفية هو أكبر طائفي وحاقد ومن ينعتك أو يخوّفك من الإسلاميين فهو كاره وحاقد على الإسلام والمسلمين لغرض خبيث في نفسه.. فهل نفهم ذلك جيداً فلا نترك إخواننا في سوريا "لقمة سهلة" لأولئك المرتزقة.. لأننا إن لم نفعل سنكون بعد ذلك "وليمة كبرى" لأعداء الإسلام.. مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم ".. كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها ".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2106
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
885
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
696
| 04 فبراير 2026