رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبدالرحمن الشمري

مساحة إعلانية

مقالات

666

عبدالرحمن الشمري

معول الهدم

12 يناير 2026 , 01:25ص

لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس المجاملة، ونخشى الحقيقة أو نُخفيها. لقد تحوّلت المجاملة من سلوكٍ تحسيني محدود إلى ثقافةٍ عامة مُضرّة، ومن لباقةٍ اجتماعية إلى مرضٍ مزمن ينخر في وعي المجتمع ويشوّه القيم.

نحن نعيش في زمنٍ يُكافأ فيه من يُجيد التملّق … أو سمِّه التسلّق إن شئت، ويُبعد من يملك الشجاعة ليقول هذا خطأ أو هذا لا ينبغي. زمنٌ أصبح فيه المجامل أقرب الناس إلى أصحاب المناصب، لا لأنه الأصدق، ولا لأنه الأكفأ، بل لأنه الأكثر استعدادًا لدفن الحقيقة ونفسه معها تحت ركام المديح الكاذب.

أيها المسؤول، إن أخطر عدوٍّ لك ليس الناقد، بل ذاك الذي يبتسم لك دائمًا، ذاك الذي يقول لك إنك مُصيب حتى وأنت تُخطئ، والذي يصف الفشل إنجازًا، والخراب تطوّرًا. هو لا يحميك، بل يقودك، ويقودنا معك إلى الهاوية، لأن سفينة المجتمع واحدة.

وأيها المواطن، حين تصمت بدعوى الأدب، وحين تُجامِل خوفًا أو طمعًا، فأنت لا تحمي نفسك، بل تُشارك في صناعة الفساد. فالمجاملة هنا ليست حيادًا، بل تواطؤاً، وليست خُلُقًا، بل تخاذلًا مموَّهًا. ألسنا أمة النصح والعدل؟ ألسنا أمة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)؟لقد قتلت المجاملة الكفاءة، ورفعت الجهل إلى مواقع القرار. أصبح الجاهل محبوبًا لأنه لا يُحرج أحدًا، ولا يُربك منظومة الفشل بأسئلة محرجة، لأنه وصل إلى موقعه بالطريقة ذاتها بلا كفاءة. أما العالِم، والصادق، والمخلص المتفاني، فقد أُبعدوا لأنهم يُزعجون الضمير، ويكسرون وهم النجاح الكاذب، ويُعرّون الفشل.

أيها المجتمع، لا تُبنى الأوطان بالتصفيق، ولا تنهض المؤسسات بالمديح، ولا يُصان المستقبل بالصمت. الحقيقة قد تكون مُرّة، لكنها تُنقذ وتُصلح وتُعمِّر. أما المجاملة، فهي سُمٌّ بطيء يُخدِّر الألم مؤقتًا، ثم يقتل الجسد بلا عودة.

قل الحقيقة، وليس شرطًا أن تفقد بها القُرب، كُن حكيمًا، محتسبًا، صافي النيّة.

قل الحقيقة، حتى لو وُصفت بالمزعج، فصوت الأذان مزعجٌ للشياطين.

قل الحقيقة، لأن المجاملة لم تُنقذ وطنًا، ولم تُصلح مؤسسة، ولم تبنِ إنسانًا.

إن المجتمع الذي يخاف من الصدق، مجتمعٌ محكوم عليه بالتيه. والمجتمع الذي يُكافئ المجامل، ويُعاقب الناصح، إنما يختار الهدم بمعوله، ويباشره بيده.

هذه ليست دعوةً للفوضى، بل دعوةٌ للوعي. وليست تحريضًا، بل إنذارٌ حكيم.. 

إما أن نختار الصدق طريقًا،  أو نواصل المجاملة … ونحجز مقعدًا في مدرج الفشل، نراقب من بعيد انهيار منظومة الأخلاق.

مساحة إعلانية