رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أفادتنا وكالة الأنباء القطرية بأن مجلس الوزراء اجتمع يوم الأربعاء الماضي برئاسة معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية للنظر في السياسة والاستراتيجية العامة للمحتوى المحلي الوطني اللتين أعدتهما وزارة المالية بالتنسيق مع المجلس الوطني للتخطيط تنفيذا لأحكام قرار مجلس الوزراء رقم 11 لسنة 2025 والذي يتعلق خاصة بتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار محليا بتوفير فرص استثمارية عديدة وجديدة وفي نفس السياق أطلقت محكمة الاستثمار والتجارة مدونة الأحكام القضائية في المجال التجاري تحت شعار: "عدالة أكثر شفافية" وتهدف المدونة خاصة الى تعزيز سيادة القانون وتسهيل الوصول الى المعرفة القضائية وبدعم الثقة في المنظومة العدلية. ولا يخفى اليوم أن اسم دولة قطر أصبح متداولا لا في أوساط السياسات الدولية فحسب بل وأيضا في أوساط المستثمرين العالميين حيث يصنفونها كوجهة أولى لجلب الاستثمارات الضخمة من مختلف قارات الدنيا، والأسباب لهذا التميز معروفة تتلخص في خيارات قيادتها الرشيدة منذ عقود والتي راهنت وما زالت على بناء اقتصاد قوي يرتكز على مؤسسات شفافة محترمة للقانون وعادلة في توزيع أرباح مساهميها ويكفي للتأكد من هذه الأمانة أن تلقوا نظرة على ما تنشره الصحف اليومية القطرية من كشوف أرباح الشركات والمصارف بغاية إطلاع الرأي العام على الأرقام الحقيقية الدالة في النهاية على حسن التصرف في الأموال المودعة فيها. والجميع يعلم أن العالم يشهد اضطرابات جيوسياسية وتقلبات اقتصادية متسارعة انعكست خاصة على منطقة الشرق الأوسط ورغم ذلك تواصل دولة قطر ترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز الوجهات الجاذبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة، مستفيدة من قوة اقتصادها، واستقرار سياساتها المالية، ومرونة بنيتها التحتية، فضلًا عن رؤيتها التنموية بعيدة المدى. وأظهرت أحدث بيانات المجلس الوطني للتخطيط ومصرف قطر المركزي، أن رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد إلى قطر ارتفع بنهاية عام 2025 إلى نحو 165.4 مليار ريال قطري، مسجلًا نموًا بنسبة 2% مقارنة بعام 2024، فيما ارتفعت الاستثمارات القطرية الخارجية إلى 210 مليارات ريال بزيادة بلغت 8.1%. كما كشفت بيانات الربع الثالث من عام 2025 عن نمو رصيد الاستثمار الأجنبي الداخل بنسبة 7% ليصل إلى 157 مليار ريال، في مؤشر واضح على استمرار ثقة المستثمرين العالميين في الاقتصاد القطري، رغم التحديات التي تشهدها الأسواق الدولية.
ويؤكد مراقبون أن قدرة قطر على جذب الاستثمارات الأجنبية لا ترتبط فقط بوفرة السيولة أو قوة قطاع الطاقة، بل بمنظومة متكاملة من العوامل، تشمل البيئة التشريعية الحديثة، وتسهيل تملك المستثمرين الأجانب، وتطوير المناطق الحرة، إضافة إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية واللوجستية. وخلال السنوات الأخيرة، نجحت قطر في التحول إلى مركز إقليمي للاستثمارات في قطاعات التكنولوجيا والخدمات المالية والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة مستفيدة من مشاريع استراتيجية عملاقة عززت مكانتها كمحور اقتصادي عالمي.
ورافقت الحكومة القطرية عن طريق وزارة التربية والتعليم هذه النهضة الرقمية ببرامج تهيئة عديد الطلاب والطالبات وتكوينهم في مجالات تلك الثورة التكنولوجية حتى ينخرطوا فيها ويثروها بزادهم المعرفي المكتسب. وتشير بيانات المجلس الوطني للتخطيط إلى أن أكثر من 95% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة تركزت في خمسة قطاعات رئيسية، تصدرها التعدين واستغلال المحاجر بنسبة 44%، تليه الأنشطة المالية والتأمين بنسبة 32%، ثم الصناعات التحويلية بنسبة 15%، ما يعكس نجاح الدولة في الحفاظ على قوة القطاعات الاستراتيجية بالتوازي مع دفع جهود التنويع الاقتصادي.
ويرى الخبراء أن التجربة القطرية في مواجهة الأزمات عززت ثقة المستثمرين الدوليين بصورة كبيرة خاصة بعد النجاح في تجاوز تداعيات الأزمة الإقليمية سابقًا ثم التعامل بكفاءة مع تداعيات جائحة كورونا وصولًا إلى التعامل المرن مع التقلبات الجيوسياسية وأسواق الطاقة العالمية. وخلال تلك المراحل تمكنت قطر من الحفاظ على استقرار عملتها وقوة احتياطياتها المالية واستمرار تنفيذ مشاريعها الاستراتيجية دون تباطؤ وهو ما منح الاقتصاد القطري سمعة دولية باعتباره اقتصادًا قادرًا على امتصاص الصدمات والتكيف السريع مع المتغيرات.
كما يؤدي جهاز قطر للاستثمار دورًا محوريًا في تعزيز صورة قطر الاستثمارية عالميًا، عبر إدارة أصول ضخمة واستثمارات متنوعة في الأسواق الدولية، إلى جانب إطلاق برامج لدعم صناديق رأس المال الجريء والشركات الناشئة، بما يسهم في بناء منظومة استثمارية متطورة داخل الدولة. وفي قطاع البنية التحتية الرقمية تواصل قطر تعزيز تنافسيتها عبر مشاريع اتصالات وكابلات بحرية ومراكز بيانات متقدمة بما يدعم تحولها إلى مركز إقليمي للبيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي ويزيد من جاذبيتها للاستثمارات المستقبلية.
ما يميز قطر عن العديد من الاقتصادات الناشئة هو امتلاكها مزيجًا نادرًا من الاستقرار السياسي والفوائض الناتجة عن صادرات الغاز الطبيعي المسال إضافة إلى رؤية تنموية واضحة ضمن رؤية قطر الوطنية 2030، التي تركز على بناء اقتصاد قائم على المعرفة والتنويع والاستدامة. وبينما تواجه اقتصادات عديدة ضغوطًا مرتبطة بالتضخم أو تراجع الاستثمارات أو اضطراب سلاسل الإمداد، تواصل قطر تسجيل مستويات مرتفعة من الثقة الاستثمارية، مدعومة باستمرار الإنفاق الحكومي على المشاريع الكبرى وتوسع القطاع الخاص وتطوير البيئة التنظيمية والتشريعية.
يؤكد الأداء الاقتصادي القطري أن الدولة نجحت في تحويل الأزمات إلى فرص عبر تسريع خطط الاكتفاء الذاتي، وتنويع الشراكات التجارية، وتوسيع استثماراتها العالمية، بما عزز مكانتها كاقتصاد مرن وقادر على النمو حتى في أصعب الظروف. ومع استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية وتوسع المشاريع الاستراتيجية في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والخدمات تبدو قطر ماضية بثبات نحو ترسيخ موقعها كأحد أهم المراكز الاقتصادية والاستثمارية في المنطقة والعالم.
ولابد أن نرصد أنشطة الأسواق المالية القطرية أي (البورصة) بسبب ارتباطها بمجال الاستثمارات الذي هو محور مقالنا هذا حيث ألقت الأحداث الخطيرة التي خيمت على المنطقة منذ اندلاع الحرب في المنطقة بظلالها على أداء بورصة قطر ومما يذكر ضمن النجاحات ارتفاع أسهم مؤسسات كبرى مثل (أوريدو) و(بلدنا) و(مصرف قطر الوطني) وشركات أخرى متميزة بالصمود في زمن العواصف وكما تعلمون لديها امتدادات عالمية، حيث إن لها فروعا في عديد البلدان الأخرى حولتها إلى منارات استثمارية دولية شرفت اسم قطر ورفعته عاليا. لو أردنا التعمق فيما سميناه "أسباب جلب قطر للاستثمارات العالمية" علينا الرجوع لعقيدة القيادة القطرية الحكيمة التي آمنت بالشرعية الدولية قاعدة توازن دولي واجتنابا للفوضى وتحكم الأمزجة في مصير الاقتصاد العالمي.
من برجي نيويورك إلى مضيق هرمز.. 25 عاماً من صناعة الخوف وسوء الفهم
في الحادي عشر من سبتمبر 2001 لم يسقط في نيويورك برجا مركز التجارة العالمي فحسب، بل سقطت أيضاً... اقرأ المزيد
261
| 11 سبتمبر 2026
عودة وساطة الخير والسلام القطرية
عندما كنت بصدد تحرير مقالي واخترت عنوانه فوجئت كما فوجئتم جميعا بعودة الاشتباكات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران... اقرأ المزيد
174
| 04 سبتمبر 2026
الغرب المنتقل من حكم القانون إلى الشعبوية (1)
الشعبوية بطبعها مناقضة للأمن والسلام وجلابة للعنف بين الدول وهو ما يجرنا للإشارة الى جهود دولة قطر بتوجيه... اقرأ المزيد
297
| 27 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4614
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1278
| 28 سبتمبر 2026