رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

837

م. حسن الراشد

الحجرة المظلمة وعجائب الدنيا السبع

10 نوفمبر 2025 , 06:04ص

لم تعد الكاميرا مجرد أداةٍ لنقل الأحداث، بل أصبحت صانعةً للواقع الذي نراه والذي قد لا نراه.

لا تنخدع؛ فالصورة التي أمامك ليست العالم كما هو، ولا كما ينبغي أن يكون، بل كما يريد أصحاب النفوذ المالي أو السياسي أن تراه وتؤمن به.

إن التضارب الهائل في الروايات والسرديات الإعلامية ليس محضَ صدفة، بل فوضى مقصودة تُنهك الوعي وتُجرّد الإنسان من قدرته على التفكير والتمييز.

وحين تفقد الثقة بكل مصدر، وتصل إلى قناعةٍ بأن «الكلّ مُضلَّلٌ وأسيرُ روايته الخاصة»، تكون قد وقعت في الفخّ الأكبر: فخّ اللامبالاة تجاه قضايا إنسانية لا تحتمل النرجسية، ولا النفاق، ولا الحياد المزيّف.

المؤسسات الإعلامية الكبرى من قنواتٍ وصحفٍ ومنصّاتٍ رقمية لا تنقل الحقيقة كما هي، بل كما تُلائم أجنداتها ومصالح مموليها.

فإعلامٌ يضخّم خطرًا خارجيًا لتبرير تحالفٍ ما، وآخر يُمجّد زعيمًا لتغطية فشلٍ داخلي، وثالث يُخوِّف من «الفتنة» لتبرير القمع، ورابع يُخوِّن ويُكفِّر ويشتم ويسبّ ليكسب شعبيةً رخيصةً عبر دغدغة عواطف فئةٍ محدودة الوعي والثقافة.

وليس هذا اختلافَ آراء، بل صراعٌ على تعريف الواقع ذاته.

الغاية الأعمق من كل ذلك ليست التنوير، بل الترويض: ترويضٌ فكريّ ونفسيّ وثقافيّ، وسلخٌ للإنسان عن وعيه الفطريّ والحقيقيّ.

يُعاد تشكيل عقلك لتخاف بدلًا من أن تعبّر وتحلّل، ولتكره بدلًا من أن تتسامح وتتقبّل الطرف الآخر، ولتصفّق بدلًا من أن تفكّر وتتأمّل وتقتنع.

لذلك، لا تُصدّق كل ما يُقال، ولا تُنكر كل ما لا يُقال؛ بل اسأل نفسك دائمًا:

من يقف وراء هذا الخبر؟ ولماذا يُنشر الآن؟ ولماذا بهذه الصياغة وهذا الأسلوب؟

ولا تكتفِ بالمضمون، بل تأمّل الصورة أيضًا: انظر إلى خلفية الاستوديو الذي يُدار فيه الحوار لِمَ اختير هذا الشكل والمنظر والرمز واللون؟ ولماذا هذه الشخصيات تحديدًا تدير المشهد؟ ولماذا هذه المشادات والاعتداءات والصراخ والألفاظ البذيئة التي تُقدَّم باسم “الحرية الإعلامية”؟

إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بالمدافع ولا بالطائرات المسيّرة، ولا بالأساطيل الجرّارة،

بل في الحجرات المظلمة: غرف المونتاج، وشاشات البثّ، ومراكز التحكم الخفية والإخراج، حيث تُصنع الصور وتُعاد صياغة الوعي.

وفي عالمٍ تُدار فيه العقول بـ«الزيف الأنيق»،

تبقى الحقيقة أعجوبةَ الدنيا الثامنة،لا يكتشفها إلا عقلٌ يقِظٌ لا يُشترى ولا يُدار، وقلبٌ حرّ لا يُرهب ولا يقتنع بالصوت والصراخ والقهقهة ولاحتى بالهمس واللمز.

وأخيرًا… كما قال الأديب والمفكر المصري نجيب محفوظ:

«العقل الواعي هو القادر على احترام الفكرة حتى ولو لم يؤمن بها».

مساحة إعلانية