رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الخوف على الديمقراطية في مصر الآن له ما يبرره، حتى أزعم أن التذكير بها والتحذير من تراجع مؤشراتها من أوجب واجبات الوقت.
(1)
يوم الأربعاء الماضي 4/6 اجتمع أعضاء هيئة التدريس بقسم العظام في كلية طب عين شمس (عددهم نحو 120 طبيبا) لانتخاب رئيس جديد للقسم بعد انتهاء مدة رئاسة الدكتور عبد المحسن عرفة له. وفيما هم ينتظرون اكتمال العدد تلقوا رسالة أبلغتهم بأن الاجتماع ألغي (حدث ذلك في طب الإسكندرية أيضا)، لأن انتخابات رؤساء الأقسام والعمداء قد أوقفت، انتظارا لقرار المجلس الأعلى للجامعات بخصوص العودة إلى نظام التعيين مرة أخرى. وكان اختيار القيادات الجامعية بالانتخاب أحد الإنجازات التي ناضل من أجلها أساتذة الجامعات ونجحوا في تحقيقها بعد ثورة 25 يناير، بحيث استطاعوا فرض تعديل قانون الجامعات لكي يقرر مبدأ الانتخاب، إلا أن وزير التعليم العالي في الحكومة الحالية، الذي انتخب في السابق عميدا لكلية الهندسة، صرح بأنه يفضل العودة إلى نظام التعيين، الأمر الذي اعتبره كثيرون تراجعا سلبيا عن فكرة استقلال الجامعات، فضلا عن تعارضه مع نصوص القانون الذي سبق تعديله.
لم يكن سرا أن هذه الخطوة تمت بتوصية أمنية، وأنها إحدى حلقات الاتجاه إلى تأميم الجامعات وبسط سلطة المؤسسة الأمنية عليها. ومعروف أنه في خطوة سابقة تم الرجوع عن قرار إلغاء الحرس الجامعي الذي كان ثمرة نضال طويل للتيار الوطني بين الأساتذة، الأمر الذي انتهى بإقامة الحرس داخل حرم الجامعة، وهو ما توازى مع إجراءات أخرى استهدفت قمع الطلاب الناشطين، من خلال فصلهم النهائي من التعليم العالي كله وليس حرمانهم من دخول الامتحان أو حتى فصلهم من كلياتهم وحدها، إضافة إلى تشريد آخرين بطردهم من المدن الجامعية. وهي الإجراءات التي طالت عدة مئات من الطلاب، خصوصا الذين اشتركوا منهم في المظاهرات، وقد قتلت الشرطة أحدهم أثناء وجوده داخل حرم كلية هندسة القاهرة.
(2)
في اليوم التالي لفض اجتماع أطباء العظام في جامعة عين شمس انتظارا لاستكمال خطوات تأميم الجامعات (الخميس 5/6) أصدر الرئيس المؤقت عدلي منصور قبل مغادرته منصب الرئاسة سبعة قوانين خلال ساعة واحدة، بمعدل قانون كل 8 دقائق، كما قال موقع مصر العربية.
أحد هذه القوانين استهدف تأميم المساجد ونص على أن الخطابة وإلقاء الدروس الدينية في المساجد والساحات العامة مقصور على خريجي الأزهر المصرح لهم بذلك من وزارة الأوقاف، وليس سرا أن تلك التصريحات لا تصدر إلا بموافقة جهاز الأمن الوطني.
القانون الذي صدم كثيرين من بين ما أصدره المستشار عدلي منصور قبل رحيله، كان خاصا بمجلس النواب. وقد وصفه الدكتور أحمد عبد ربه مدرس العلوم السياسية بأنه «قانون تأميم الحياة السياسية»، وسوف أكتفي في تقييمه بشهادته التي نشرتها صحيفة التحرير هذا الأسبوع (في 9/6). إذ ذكر ما نصه: "إن صدور القانون يؤكد أن الصقور ما زالوا يهيمنون على عملية صنع القرار في المطبخ السياسي، وأن الأمل في الإصلاح وفي الإيمان بفكرة البداية الجديدة هو مجرد سراب يداعب الحالمين. ذلك أن قراءة سريعة لأول خمس مواد من القانون، تدرك بعدها فورا أن مصر مقبلة على نية حقيقية ومبيتة لتأميم قواعد اللعب السياسي، وإعادة السياسة إلى حضن الدولة مرة أخرى" ــ مما قاله أيضا: إن القانون صدر للحوار المجتمعي قبل نحو عشرة أيام من إصداره النهائي. وبين الفترتين لم يكن هناك حتى حوار سياسي. ففي حين اعترضت عدة أحزاب سياسية على المشروع، فإنه لم يؤخذ برأيها، ولم تتم دعوة معظمها للتفاوض أو حتى للنقاش، بل صدر القانون بشكل أسوأ من نسخته الأولى.
من الملاحظات المهمة التي أبداها الدكتور عبد ربه أن القانون انحاز إلى النظام الفردي بشكل فج (شكل نحو 80٪ من المقاعد)، ولم يترك لنظام القائمة سوى 20٪ فقط من المقاعد. وهو منحى خطير، أن تعود إلى نظم مبارك الانتخابية التي تعضد من شبكات المصالح التقليدية وتهمش الأحزاب السياسية، التي تهجر السياسة تدريجيا أو تتحول إلى مجرد دمى متحركة لصالح النظام... (كما) أنها ستسهم في خلق برلمان مفتت معتمد على كتل هشة تنتج حكومة ضعيفة في مواجهة السلطة التنفيذية، كما تنتج برلمانا ضعيفا في مواجهة السلطة ذاتها.
ختم الدكتور عبد ربه شهادته بقوله: لا يمكن لمصر أن تستمر بهذه الأوضاع المقلوبة كثيرا، ولا يمكن للصقور الهيمنة على مطابخ السياسة طول الوقت، وإلا سنضيع الفرص الواحدة تلو الأخرى، إلى أن تحين لحظة حساب عسير (انتهى).
(3)
حين بيَّن مركز «بيو» للدراسات في استطلاع الرأي الذي أجراه في مصر أن 54٪ من المصريين يؤيدون إقامة حكومة مستقرة وأن 44٪ رأوا العكس، فإنه سلط الضوء على وجه آخر للمشكلة. ذلك أن أحدا لا يستطيع أن ينكر أن الإجراءات المتخذة، وما سبق ذكره جزء منها، يلقى قبولا من الأغلبية التي لا أستبعد أن تكون في الحدود التي ذكرها استبيان المركز الأمريكي. إذ لا ينكر أحد أن كثيرين حل بهم التعب بعد الذي جرى خلال السنوات الثلاث التي أعقبت الثورة. منهم من أضير اقتصاديا ومنهم من استبد به القلق جراء استمرار المظاهرات ووقوع حوادث العنف إلى جانب الخوف الذي أثارته العمليات الإرهابية، والتعميمات شبه اليومية التي تتحدث عن مؤامرات تدير في الخارج وخلايا نائمة أو غاشمة تتحرك في الداخل. وهذا الشعور بالخطر أبرز الحاجة الملحة للأمن، الذي أصبح كثيرون ينشدونه بأي شكل ومن أي باب. ولا غرابة في ظل وضع بهذه المواصفات التي تفضل الأغلبية وجود حكومة مستقرة وقوية، ولا تكترث كثيرا بضرورة الحكومة الديمقراطية. وهو ما سجله محللو مركز «بيو» للدراسات حين تحدثوا عن تراجع التأييد الشعبي للديمقراطية في مصر، بعدما لاحظوا انخفاض نسبة المؤمنين بالديمقراطية كأفضل شكل للحكومة إلى 59٪ في شهر مايو 2014 في حين أن النسبة كانت 66٪ في العام الماضي و71٪ في عام 2011.. في التعليق على ذلك التراجع ذكر خبراء المركز أن الأغلبية من المصريين تقول إنه من المهم الحياة في بلد يتمتع بأساسيات الديمقراطية، إلا أن التأييد الشعبي للمكونات الأساسية للنظام الديمقراطي، مثل حرية التعبير وحرية الصحافة والانتخابات النزيهة، تراجع بدرجة ملحوظة خلال العام الحالي (2014).
إذا صح ذلك التحليل فهو يعني أننا صرنا بإزاء معادلة جديرة بالملاحظة، إذ في حين تقدم الحكومة على العديد من الإجراءات غير الديمقراطية، من منع المظاهرات إلى تأميم السياسة وتأميم الجامعات والمساجد...إلخ، فإن الأغلبية باتت مستعدة لتمرير كل ذلك، أملا في تحقيق الاستقرار الذي ينشدونه. يؤيد ذلك الاستنتاج أننا صرنا نسمع في مصر هذه الأيام مديحا للرئيس الأسبق حسني مبارك بدعوى استقرار عهده، رغم كل ما جرى في سنواته الثلاثين من فساد وقمع وانهيار في الخدمات وغرام مع الإسرائيليين وتقزيم للدور المصري.
(4)
لا غرابة والأمر كذلك أن يتأجل الحديث في السياسة في مصر، وأن يحتل الكلام عن الاقتصاد رأس «أجندة» النظام الجديد، إذ تدل مختلف الشواهد على أن الحديث عن الحريات العامة مؤجل إلى وقت غير معلوم، في حين أن التركيز كله على أزمة الاقتصاد وحلولها المقترحة التي تتجه فيها الأبصار إلى الخارج قبل الداخل. وهو الوضع الذي يريح السلطة الجديدة ويدغدغ مشاعر المأزومين، ناهيك عن أنه يظل مصدر راحة كبرى للدول الخليجية التي ألقت بثقلها المالي إلى جانب النظام الجديد، وهي الدول المعنية بالإعمار والنهوض الاقتصادي، وليس الإصلاح الاقتصادي مدرجا ضمن جدول أعمالها.
ثمة هاجس يلح عليَّ في متابعة المشهد المصري كتمته طويلا، لكنني لم أستطع أن أخفية في السياق الذي نحن بصدده، ذلك أنني من قراءاتي المتواضعة في تاريخ النظم السياسية أدركت أن الفاشية ظهرت في إيطاليا في ظروف مماثلة لتلك التي نمر بها. ذلك أنها انتشرت هناك بعد الحرب العالمية الأولى (عام 1919) حين خرجت إيطاليا مأزومة سياسيا واقتصاديا، وكانت تبحث عن منقذ يجسد الزعيم القوي الذي يلملم شتاتها ويعيد إلى الدولة عافيتها وإلى السلطة قبضتها وهيبتها التي تعيد بها تنظيم المجتمع وتؤمنه ضد خطر الشيوعية،. وهذه الأجواء هي التي جاءت بموسوليني إلى الحكم في عام 1922، إذ اعتبرته الجماهير ممثلا لكل ذلك، الزعيم المحبوب والقائد المخلص الذي يعول على قوة الجيش وبطش السلطة.
ثمة تفاصيل كثيرة تدخل تحت تلك العناوين التي أهم ما فيها أنها تدق أجراسا تحذرنا من تكرار تجربة موسوليني ومآلاتها. وقد ازداد رنين تلك الأجراس عندي ما قرأته في عناوين الصحف أمس (الاثنين 9/6) التي وصفت وقائع تسليم السلطة للرئيس الجديد، إذ أخافني في تلك العناوين تمجيدها لقبضة وحزم الرئيس المخلِّص وعودة الدولة القوية والسلطة المركزية القادرة. (مواجهة الإرهاب في زماننا تعادل التصدي للشيوعية في نظام موسوليني)
أدري أن بعض الظن إثم، كما ذكر القرآن الكريم، لكن التبعيض في النص يعني أن ثمة ظنونا أخرى معتبرة وليست مؤثمة. وأرجو أن تكذب الأيام هواجسي، وسأكون سعيدا إذا ثبت أنها تنتمي إلى الظنون الأولى دون الثانية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11730
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8688
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3723
| 22 أكتوبر 2026