رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عائشة جاسم الكواري

مساحة إعلانية

مقالات

273

د. عائشة جاسم الكواري

"تطوع" .. أثر يمتد

11 مايو 2026 , 01:00ص

في المجتمعات الحية، لا يُقاس التطور فقط بما يُبنى من مؤسسات أو بما يتحقق من مؤشرات اقتصادية، بل بما تمتلكه تلك المجتمعات من قدرة على العطاء والتكافل وتحويل القيم الإنسانية إلى عمل منظم ومستدام. ومن هنا، لم يعد العمل التطوعي نشاطاً هامشياً أو مبادرة موسمية مرتبطة بالمناسبات، بل أصبح أحد المؤشرات الحقيقية على وعي المجتمع، ونضجه المؤسسي، وقدرته على صناعة أثر يمتد إلى المستقبل.

ومن هنا جاء تدشين المنصة الوطنية للعمل التطوعي (تطوع) ليعكس هذا التحول النوعي في النظرة إلى العمل التطوعي انتقالاً من الجهود الفردية المتفرقة إلى إطار وطني أكثر تنظيماً واحترافية واستدامة. وهو تحول طال انتظاره من العاملين والمهتمين بهذا القطاع، خصوصاً ممن عايشوا مراحل طويلة من العمل التطوعي وشهدوا محاولات وتجارب سابقة أسهمت في بناء هذا الوعي، وقدَّمت خبرات تراكمية مهمة، وصولاً إلى هذه المرحلة المتقدمة من التنظيم والتأطير المؤسسي.

ولعل ما يميز هذه الخطوة أنها لا تقتصر على إنشاء منصة رقمية لتسجيل المتطوعين أو الإعلان عن المبادرات، بل تؤسس لفلسفة جديدة في إدارة التطوع تقوم على التدريب، والتأهيل، والحوكمة، وقياس الأثر، وربط الطاقات البشرية باحتياجات المؤسسات والمجتمع. فالتطوع الحقيقي يُقاس بحجم القيمة المضافة التي يحققها المتطوع داخل المؤسسة والمجتمع.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن العمل التطوعي حين يُدار بشكل احترافي يتحول إلى مدرسة لبناء الإنسان، وإلى مساحة لاكتشاف القدرات وصقل المهارات وتعزيز روح المسؤولية والانتماء. كما أنه يسهم في إعداد قيادات شابة تمتلك القدرة على العمل الجماعي، وإدارة المبادرات، والتعامل مع التحديات بروح المبادرة والحلول. لهذا تنظر كثير من الدول المتقدمة إلى التطوع باعتباره استثماراً استراتيجياً في رأس المال البشري لا مجرد نشاط خيري محدود الأثر.

وفي السياق القطري، يكتسب العمل التطوعي بعداً وطنياً يتجاوز المفهوم التقليدي للعطاء، إذ يرتبط بصورة مباشرة ببناء مجتمع متماسك ومتعاون، قادر على التفاعل مع المتغيرات والتحديات المختلفة. وقد أكدت كلمات المسؤولين والخبراء خلال تدشين المنصة أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الحماس الفردي إلى العمل المؤسسي القائم على المعرفة والتخطيط.

ومن أبرز ما طُرح في هذا السياق أهمية تدريب المتطوعين وتأهيلهم بشكل مستمر، لأن الحماس وحده لا يكفي لصناعة أثر مستدام. فالمتطوع اليوم بحاجة إلى مهارات في التواصل، وإدارة الوقت، والعمل ضمن فريق، وفهم طبيعة الأدوار والمسؤوليات. كما أن المؤسسات نفسها مطالبة ببناء بيئات تطوعية صحية وواضحة، تضمن حسن توزيع المهام، واحتواء المتطوعين، والاستفادة من قدراتهم بصورة فعالة.

ومن القضايا المهمة التي تستحق التوقف عندها، أن العمل التطوعي بات يمثل مساراً مهنياً حقيقياً للشباب في كثير من الدول، خصوصاً عندما يُقدم ضمن منظومة واضحة تتيح اكتساب الخبرات وبناء العلاقات المهنية. فالتجارب التطوعية الناجحة أصبحت يُنظر إليها بوصفها خبرات عملية تعزز السيرة الذاتية، وتفتح أبواباً أوسع نحو فرص العمل والقيادة المجتمعية وريادة الأعمال الاجتماعية.

كما أن التطوع يؤدي دوراً محورياً في تعزيز الروابط بين فئات المجتمع المختلفة، وترسيخ قيم التكافل والتعاون والانتماء الوطني. فحين يعمل أفراد المجتمع بمختلف أعمارهم وخلفياتهم تحت هدف إنساني أو مجتمعي مشترك، تتشكل مساحات أعمق من التفاهم والتلاحم الاجتماعي، ويتحول العمل التطوعي إلى لغة إنسانية جامعة تعزز الهوية الوطنية والقيم المشتركة.

إن ما نشهده اليوم في دولة قطر يعكس وعياً متقدماً بأهمية الاستثمار في الإنسان، وبأن التنمية الحقيقية لا تتحقق فقط بالمشروعات والبنى التحتية، بل ببناء مجتمع واعٍ ومشارك ومبادر. ومن هنا، فإن المنصة الوطنية للعمل التطوعي (تطوع) تمثل خطوة استراتيجية مهمة نحو صناعة أثر مجتمعي مستدام، يتماشى مع رؤية قطر الوطنية 2030، ويعزز دور المجتمع المدني في دعم مسارات التنمية.

ويبقى التحدي الحقيقي في استمرارية هذا الأثر فنجاح أي منصة أو مبادرة يقاس بقدرتها على خلق ثقافة تطوعية مستدامة، وتحويل التطوع إلى ممارسة مجتمعية راسخة ومؤثرة. وهذا يتطلب تكامل الأدوار بين الجهات الحكومية، ومؤسسات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والمؤسسات التعليمية والإعلامية، حتى يصبح التطوع جزءاً أصيلاً من الوعي المجتمعي ومنظومة التنمية الوطنية.

صوت:- التطوع أثر يمتد، يمتد في الإنسان قبل المكان، وفي الوعي قبل الأرقام، وفي بناء الأوطان قبل أي شيء آخر.

مساحة إعلانية