رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

411

سعدية مفرح

الحياة.. أسرع!

11 مايو 2026 , 01:00ص

كان يمكن لفيلمٍ قديم أن يجلس معنا ساعتين كاملتين من دون أن نشعر بأن الوقت يُبتلع من أعمارنا، وكانت الرواية الثقيلة تُحمل في الحقيبة كما تُحمل رسالة شخصية مؤجلة، نعود إليها كل ليلة بشغفٍ هادئ، ونغضب إذا قاطعنا أحد ونحن في منتصف فصلٍ مشوّق. اليوم تغيّر شيء عميق في علاقتنا بالفن، شيء لا يبدو تقنيًا فقط، وإنما عصبيًا ونفسيًا وحسيًا أيضًا. صار الإصبع الذي يمرّ سريعًا فوق الشاشة يقرر مصير الأغنية والمشهد والفكرة والكاتب، خلال ثوانٍ قليلة لا تكفي أحيانًا لالتقاط نبرة صوت، أو فهم جملة، أو الدخول إلى روح العمل أصلًا.

أعادت المقاطع القصيرة تشكيل الذائقة نفسها. صار الإيقاع الأسرع يبدو أكثر ذكاءً، وصار الاختصار علامة تفوّق، حتى بدا التأمل مجرد بطء مقيت. هناك أجيال كاملة تتعامل مع المشاهدة كما لو أنها سباق بصري، فيما يتراجع الصبر بوصفه مهارة ثقافية كانت ضرورية لفهم الفن والحياة معًا.

المشكلة لا تكمن في المقاطع القصيرة بحد ذاتها، فالفنون الموجزة قديمة وعظيمة أيضًا، من الهايكو الياباني إلى الومضة الشعرية إلى اللقطة السينمائية المكثفة. لكن الفارق أن الاختصار قديمًا كان نتيجة نضج فني، أما الآن فهو غالبًا نتيجة استعجال جماعي، واستجابة لاقتصاد رقمي يريد العين متأهبة باستمرار، ويريد الانتباه موزعًا على أكبر عدد ممكن من المؤثرات السريعة.

كأننا فقدنا القدرة على الإقامة داخل الشعور، وصارت علاقتنا بالأعمال الفنية تشبه علاقتنا بنوافذ السيارات؛ نمرّ قرب الأشياء من دون أن ننزل إليها.

ولهذا صار كثيرون يشعرون بالقلق أثناء مشاهدة فيلم طويل، أو يلتقطون الهاتف بعد عشر دقائق من بدء الحلقة الأولى لأي مسلسل، أو يقرأون صفحات قليلة ثم يبحثون عن ملخص للرواية. الذهن نفسه أُعيد تدريبه على القفز، وعلى انتظار المفاجأة السريعة، وعلى المكافأة الفورية. حتى الصمت داخل الأعمال الفنية صار يُربك البعض، مع أن أجمل ما في الفن أحيانًا يكمن في تلك المساحات التي لا يحدث فيها شيء مباشر، بينما يحدث كل شيء في الداخل.

أفكر أحيانًا في الروايات الروسية الطويلة، وفي الأفلام التي كانت تترك الكاميرا ثابتة لدقائق على وجهٍ صامت، وفي الأغنيات التي تبدأ بمقدمة موسيقية طويلة قبل أن يصل الصوت. كم تبدو هذه الأعمال بعيدة عن أعصابنا الحالية، وكم تبدو محتاجة إلى نوع من اللياقة النفسية التي أخذت تضعف بالتدريج. نحن لا نفتقد الوقت كما نظن، وإنما نفتقد القدرة على التفرغ الداخلي. هناك فرق بين أن يكون الوقت قصيرًا، وأن تكون الروح نفسها عاجزة عن المكوث.

والأغرب أن هذه السرعة لم تجعلنا أكثر اكتفاءً. بالعكس، نحن نشاهد أكثر ونحتفظ بأقل. تمرّ عشرات المقاطع في الذاكرة كل يوم ثم تتبخر، فيما يبقى مشهد واحد من فيلم قديم عالقًا لسنوات، وتبقى جملة من رواية عظيمة قادرة على مرافقتنا كأنها جزء من سيرتنا الشخصية. الفن يحتاج زمنًا كي يترك أثره، كما تحتاج العلاقات البشرية زمنًا كي تتجذر. أما الاستهلاك السريع فينتج انفعالًا سريعًا أيضًا، يشبه شرارة صغيرة تضيء لحظة ثم تختفي.

لا أظن أن الحل يكمن في إعلان الحرب على التكنولوجيا، فهذه معركة خاسرة وساذجة أيضًا، وإنما في استعادة شيء من حقنا في البطء. أن نجلس مع فيلم من دون أن نفحص الهاتف كل دقيقة، وأن نقرأ رواية من دون أن نتعامل معها كواجب ثقيل، وأن نمنح الأعمال الفنية فرصة كي تكشف طبقاتها بالتدريج. بعض الجمال يحتاج صبرًا، وبعض المعاني لا تُفتح إلا بالمكوث الطويل.

وربما صار الدفاع عن الانتباه فعلًا ثقافيًا حقيقيًا. أن تحافظ على قدرتك على الإصغاء، وعلى التأمل، وعلى متابعة فكرة حتى نهايتها، فذلك لم يعد أمرًا عاديًا كما كان. هناك من يربح كلما تشتت انتباهنا أكثر، فيما يخسر الفن روحه بالتقسيط، ونخسر معه قدرتنا على التذوق العميق، وعلى العيش بإيقاع أقل توترًا وأكثر إنسانية.

اقرأ المزيد

alsharq القتل بالضحك.. جريمة التنمر الصامتة

جراح اللسان أعمق من جراح السيوف، ليس كل جرح ينزف دماً، ولا كل ألم يصرخ صاحبه. التنمر آفة... اقرأ المزيد

144

| 15 مايو 2026

alsharq النور فى المشاركات الإستراتيجية

المشاركات الهادفة هي طريق النور لإنهاء النزاعات من خلال الوساطة الدبلوماسية المستمرة المثمرة والمستدامة لتقريب وجهات النظر لفض... اقرأ المزيد

99

| 15 مايو 2026

alsharq الإيمان.. صمام الأمان في زمن الأزمات

في عالم يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم، يجد الإنسان نفسه محاصرًا بين ضغوط العمل، تقلبات الأسواق، وأحداث لا... اقرأ المزيد

99

| 15 مايو 2026

مساحة إعلانية