رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه مقولة "فرعون" عندما آمن الناس بربهم وصدّقوا بما جاء به موسى عليه السلام.. وخضعوا وأذعنوا لعقولهم وقلوبهم ولبصائرهم وأبصارهم ولسمعهم وآذانهم عندما رأوا الآيات فصدّقوا وآمنوا وتابوا وتبرّأوا من عظيم كفرهم وشركهم وكل شرورهم وآثامهم القديمة.. فما كان منه إلا أن قال: (آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين * قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون * إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين). وكفروا بفرعون الطاغية الذي زعم أنه إله لهم من دون الله عز وجل عندما طغى وتكبر وتجبر ولم يتعظ وينزجر.. فاستحق نهاية مأساوية في الدنيا.. واستحق غضب الله ولعنته في الآخرة.. خالداً مخلداً في النار وبئس المصير.
لقد طغى وتكبر فرعون مصر الجديد (الرئيس حسني مبارك) فلم يستوعب أنه قد جاء الحق وزهق الباطل وحانت لحظة تنازله عن حكم مصر طوال الثلاثين سنة العجاف التي جرّعت مصر الفقر والخضوع لتعهدات وتنازلات مع أعداء الأمة العربية والإسلامية فضلاً عن تلك القرابين التي قدمها لحماية أمن إسرائيل هو وأعوانه ممن تآمروا على إخواننا في غزة وفي فلسطين عموماً، حيث لم يفهم هذا الفرعون مطالب الشعب المصري الذي قام ضده ثائراً غاضباً يطالب بحريته وأمنه وأمانه.. بل وبلقمة عيشه التي سرقها هو وأعوانه من فم الشعب المطحون في حين أنه ينعم بأرصدة جاوزت الأربعين أو السبعين مليار دولار ناهيك عن رجالاته في الحزب الحاكم أو غيرهم من التجار ورجال الأعمال الذين نهبوا حق الشعب وسرقوا من المال العام حتى جاز لهم أن " يسبحوا " في بحر من الجنيهات وأن " يغطسوا " في بحور من الدولارات.
عندما شاهد الرئيس المصري أن الشعب قد انقلب عليه وكفر به وبحكمه كما انقلب شعب مصر من قبل في وجه فرعون وكفر به رغم مقولته (ما عهدت لكم من إله غيري) ما كان منه إلا أن ازداد طغياناً وتجبراً وعتواً في الأرض، فأمر هامان " وزيره " بمقولته (وقال فرعون ياهامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب) لقد أمر الرئيس المصري نائبه " عمر سليمان " بأن يخمد نار الفتنة وأن يعينه في صد هذه الثورة الشعبية التي لم يأمر لهم بالقيام بها ولم يأذن لهم فيها، فكان من نائبه أن أعانه وأطاعه فطغى وتكبر هو الآخر، ويبدو أنه أشار إلى الرئيس بأن يقطّع أرجلهم وأيديهم من خلاف.. بل ويصلبنهم في جذوع النخل.. زيادة في التنكيل بمن تجرأ أن يرفع صوته في حضرة " الفرعون ".
ولا نستغرب كثيراً تلك الأفعال القذرة التي قامت بها الحكومة المصرية لإخماد ثورة الشعب المصري الحر، خاصة عندما نجد المعونة والسند من الجانب الإسرائيلي الذي يقف قلقاً متوتراً متربصاً، فليس غريباً أن تهبط طائرات إسرائيلية في مطار القاهرة تحمل أسلحة وقنابل لإخماد هذه الثورة، وليس غريباً تلك المحاولات القذرة لبث الفرقة في صفوف المتظاهرين بزرع العملاء والخونة بين ظهرانيهم، فهذه هي " حركات اليهود " ومن شاكلهم وعاشرهم، خاصة أن نائب الرئيس عمر سليمان له تاريخ مجيد ومشرف في خدمة وحماية إسرائيل والدفاع عنها ضد كل من يمس " شعرة " فيها، يشاركه في ذلك العمل الدنيء بعض الخونة من السلطة الفلسطينية ومن شاكلهم من العرب الذين باعوا قضية فلسطين بثمن بخس، وفازوا بحفنة ملايين من الدولارات، باعوا آخرتهم من أجل دنيا زائلة، في حين أنهم يمثّلون أمام وسائل الإعلام بأنهم يتفاوضون من أجل القضية الفلسطينية ومن أجل تحقيق مكاسب للعرب وللمسلمين، بينما هم في واقع الأمر يحققون مكاسب مادية لهم ولمن يمثلونهم أمام الكيان الصهيوني، باعوا كرامتهم وعروبتهم ودينهم.. فلا عهد لهم بعد ذلك.
ليس غريباً أن نشهد جرائم قتل ونهب وسرقة تسبب بها رجالات فرعون ووزيره هامان من أجل أن يشوّه سمعة الأحرار الشرفاء من الشعب المصري الثائر، فهذا هو ديدن الذين يكذبون على الله، فليس غريباً منهم أو جديداً عليهم أن يكذبوا على الناس وأن يستمروا في أكاذيبهم حتى إذا لم يجدوا تهمة أو عيباً في تاريخ خصومهم.. ارتكبوا الجرائم وألصقوها فيهم، كما قد شاهدنا وسمعنا من أعمال تخريبية وجرائم إنسانية يتسببون فيها بغية إلصاقها بالثورة والثوّار الأحرار.. وأعجب كثيراً من أولئك الذين يصدّقون أكاذيب النظام المصري حول المتظاهرين وتشويهه لسمعة هؤلاء الشباب الذين تنفسوا أخيراً هواء الحرية والكرامة..
ليس خفياً عنّا جميعاً أن الأوضاع في مصر الحبيبة تؤول إلى التصعيد والمزيد من الخسائر في الأرواح والأموال، ولكنها الثورة.. لابد أن تخط طريقها دون أن يوقفها أحد، فإما النصر أو الشهادة كما أطلقها مئات الآلاف من الشباب المصري، فلا كرامة لشعب يعيش تحت خط الفقر بينما يتربع الفرعون على عرش مصر ويحظى بأموال البلاد والعباد، ولا كرامة لشعب يعيش بجوار إخوانه في فلسطين ولكنه لا يعرف كي يساندهم ويقف في صفهم تجاه عدو الأمة العربية والإسلامية، ولا كرامة لشعب يرضخ لمن شوّه بنظامه وأجهزة إعلامه صورة الإسلام والمسلمين عبر عقود من الزمن يحارب التدين والدعوة إلى الله بينما يحمي الفساد الأخلاقي ويدعو إليه بل ويحمي أهله من السياح الأجانب والصهاينة الذين لوّثوا تراب مصر وارتكبوا الموبقات فوق أرضها.
إننا ندعو الله أن ينصر إخواننا في مصر على حكم هذا الفرعون المستبد ومن يقف وراءه من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ومن أعوانه من العرب، الذين يشتركون في مصلحتهم ومنفعتهم من بقاء هذا الفرعون على عرش مصر لكي يوفّر المزيد من الأمن والأمان لإسرائيل، ولا نعجب من الموقف الأمريكي الذي يخاف من استلام الحكم في مصر لمن هم يأتون بعد حسني مبارك ويخرقون كل معاهدات السلام مع إسرائيل، فلا يصدق أحد ما تدّعيه أمريكا بوقوفها وراء مطالب الشعب المصري، إنما هو حق أريد به باطل، إنما تقصد أنها وراء كل مطالب تحقق أمن إسرائيل في المقام الأول.. وإلا فما سبب تحرك الأساطيل البحرية ووقوفها على أهبة الاستعداد أمام سواحل البحر الأحمر؟. ولكنهم يمكرون ويمكر الله.. والله خير الماكرين.. فاللهم انصرهم على فرعون وهامان وعلى إسرائيل وأمريكا.. آمين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
2922
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
2892
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1347
| 13 مايو 2026