رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يعقد قادة دول مجلس التعاون الخليجي اليوم اجتماع قمتهم السنوية وسط تحديات ومخاطر جسام تواجه المجلس، وتعصف بالمنطقة .
لم يعد الحديث عن هذه المخاطر والتحديات " ترفا " سياسيا، بل انتقل اليوم إلى " كابوس " يهدد كيان هذا المجلس، الذي أضحى في وجه " العاصفة "، وأصبح محاطا بـ " حزام " ناري يكاد يلتف حوله .
فليس هناك " بقعة " حوله إلا وتجد فيها اضطرابا وعدم استقرار، إلا هذه البقعة الخليجية، التي يراد لها أن تنزلق إلى حالة الاضطراب وعدم الاستقرار، ونسأل الله أن يحفظها من المكائد التي تنصب لها، والمؤامرات التي تحاك ضدها .
في ظل هذه المعطيات، فإن قمة الرياض مطالبة أكثر من أي وقت مضى، بالتعامل وفق رؤية جديدة مع هذه الأحداث الآخذة بالتطور، والتي تهدد بالانتقال إلى الداخل الخليجي، وبالتالي تهديد الجبهة الداخلية، لهذا الكيان الخليجي، وهي القضية الأخطر باعتقادي .
صحيح أن القمم الخليجية صاحبها طوال مسيرتها منذ تأسيس هذا الكيان الخليجي في 1981 تحديات كبيرة، بل قد نشأ وسط " نيران " مشتعلة حوله آنذاك، وهي الحرب العراقية ـ الإيرانية، ولم تستقر المنطقة طوال هذه السنوات، فهي تخرج من أزمة لتدخل أخرى أكبر منها، في دوامة مستمرة، مخطط لها لأهداف تخدم أطرافا خارج المنطقة، وأخرى تستفيد منها بالمنطقة، رغم كل هذه التداعيات والتحديات، إلا أن المرحلة الحالية من المؤكد هي الأخطر.
نحن اليوم لسنا أمام حروب يتقاتل فيها أطراف بعيدة عنا، أو نظل في مأمن عنها، بل اليوم " صنعت " لنا جماعات ومنظمات تستهدف مجتمعاتنا في الداخل، وتعمل على " تجنيد " أبنائنا، والزج بهم في المهالك، وأتون حروب مدمرة .
اليوم الجبهة الداخلية الخليجية هي المطلوب حمايتها بالدرجة الأولى، فهي صمام أمان أمام كل التحديات والمخاطر التي تعصف بالمنطقة، وهذا الجهد لن يتأتى بـ " نظريات " هنا وهناك، أو جهد فردي، أو دور لمؤسسات " متناثرة "، إنما هي إستراتيجيات واضحة المعالم، تستهدف تحريك قوى المجتمعات الخليجية جميعها على كل الأصعدة، وفق منظومة متكاملة، أفرادا وجماعات ومؤسسات وأجهزة رسمية .
دعونا من " الخلافات " أو " الاختلافات " الجانبية والثانوية التي قد نختلف بشأنها، اليوم المخاطر تواجهنا جميعا، لا استثناء لأحد، وأي تهديد لأي دولة هو تهديد لجميع دول مجلس التعاون .
هذا المصير الواحد يحتم علينا اليوم أكثر من أي وقت مضى العمل يدا بيد، في سبيل حماية هذا الكيان الخليجي، الخطر داهم و" قاب قوسين أو أدنى" من الوصول إلينا، فلابد أن نكون على قلب رجل واحد للتصدي لهذه المخاطر التي تحدق بنا .
نعم هناك تحديات وأزمات متفاقمة تعصف بالمنطقة، ربما أبرزها الملفان اليمني والسوري، إضافة إلى القضية المركزية للأمة وهي القضية الفلسطينية، حيث يعمل الاحتلال على تهويد القدس من خلال تفريغها من سكانها، وزرع المستوطنات في كل مكان من أرض فلسطين المحتلة .
اليمن التي سارعت دول الخليج وعدد من الدول العربية لإعادة الشرعية إليها، بعدما حاولت عصابة وقوات المخلوع علي عبدالله صالح الاستيلاء على مؤسسات الدولة بالقوة العسكرية، يمثل ملفا غاية في الأهمية، ومطروح بقوة أمام القادة في اجتماع قمتهم اليوم .
إن المبادرة العسكرية التي تولت إدارتها الشقيقة المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في عاصفة الحزم، كانت خطوة أنقذت دول المجلس من تهديد خطير كان يستهدفه من قبل عصابة الحوثي والمتحالفين معها، الذين أرادوا أن يعيثوا فسادا ليس في اليمن فحسب، بل إن مطامعهم ومن خلفهم كانت أكبر، كان الهدف " ابتلاع " دول الخليج خطوة خطوة، فلم يكن هناك خلاص إلا بهذه العاصفة الحازمة المباركة لوقف الفوضى التي أراد الحوثيون والمخلوع إدخال اليمن بها، ومن ثم نقلها إلى دول الجوار .
الشقيقة السعودية التي تقود تحالف عاصفة الحزم بمشاركة شقيقاتها بدول الخليج، هي نفسها تقود حملة إعادة الأمل، جنبا إلى جنب، وهو ما يبرهن على النوايا الصادقة تجاه الأشقاء في اليمن وشعبه العزيز، فخطوة التحالف تستهدف إنقاذ اليمن من السقوط عبر استيلاء عصابة وتنظيم عسكري على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وبالتالي فإن دول الخليج لن تسمح بضياع اليمن، أو تحوله إلى " خنجر " في خاصرة الأمة، وليس فقط في خاصرة الخليج .
الملف السوري في عامه الخامس يمثل ملفا ساخنا أمام القادة في قمة الرياض، خاصة في ظل التدخل الروسي والإيراني الرسمي في سوريا، والذي بات يمثل " احتلالا " لهذا البلد العربي، الذي يصارع شعبه في ثورة عارمة منذ مارس 2011، فاستخدم النظام ضد الشعب الثائر كل أنواع الأسلحة بما فيها المحرمة دوليا، فقتل أكثر من 500 ألف، وشرّد ما لا يقل عن 10 ملايين ما بين لاجئ ونازح .
قضية الشعب السوري حاضرة وبقوة في هذه القمة الخليجية، التي من المؤكد أنها سوف تنتصر للشعب السوري .
إلا أن الملفات الداخلية الخليجية، خاصة تلك التي لها علاقة بالمواطن ستكون حاضرة بشكل أكبر، وهي محل اهتمام القادة بشكل متزايد من قمة لأخرى، وما التكريم الذي حظيت به 54 شخصية خليجية متميزة في مختلف القطاعات من قبل حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى إلا خير دليل على الأهمية التي يولونها لمواطني المجلس، فخلال رئاسة قطر للقمة الخليجية في دورتها الحالية عقدت أكثر من 450 اجتماعا ما بين وزاري ووكلاء وزارات ولجان مختلفة، ركزت في مجملها على قضايا زيادة التعاون، وتحقيق مكاسب جديدة للمنظومة الخليجية .
قضايا الاقتصاد وانخفاض أسعار البترول واستكمال مسيرة التعاون الاقتصادي والاتحاد الجمركي والسكك الحديدية والمواطنة الخليجية .. وغيرها من الملفات ستكون محل تفعيل واتخاذ قرارات مناسبة حيالها .
إننا متفائلون بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لرئاسة القمة الخليجية ـ والذي هو أيضا رئيس للقمة العربية ـ أمريكا الجنوبية ـ وعلى ثقة تامة من أن المنظومة الخليجية سوف تحقق بقيادته المزيد من النجاحات والإنجازات، وسوف تنتقل إلى مرحلة جديدة من التكامل وتعزيز مسيرة العمل المشترك، وسوف نشهد إضافة لبنات جديدة إلى صرحنا الخليجي، الذي يمثل بيتا لكل خليجي قائدا ومواطنا .
أفول أوروبا ورسائل التدافع
التدافع سُنّةٌ من سنن الاجتماع الإنساني، وقانونٌ يحكم حركة التاريخ كما تحكم قوانين الطبيعة حركة الكون. فلا استقرار... اقرأ المزيد
81
| 08 فبراير 2026
سقوط الأقنعة الأخلاقية
شكّلت قضية رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكبر الفضائح الأخلاقية والقانونية في العصر الحديث، بعدما كشفت... اقرأ المزيد
141
| 08 فبراير 2026
شكراً للعيون الساهرة
دعوني أولاً أعبر عن تقديرنا الكامل لكل الجهود المبذولة من وزارة الداخلية في تتبع كل ما من شأنه... اقرأ المزيد
99
| 08 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2130
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
948
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
723
| 04 فبراير 2026