رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا تزال العروبة تشكل موضوع نقاش محتدم ومتجدد داخل المدارس الفكرية والسياسية العربية، بسبب القراءات المتناقضة حول مضمونها، بين دعاة التجديد والتجاوز للمفاهيم والأطر الأيديولوجية التي سجنت العروبة في قوالب جامدة، وبين دعاة التشكيك في معناها ووجودها.
ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى، تبنت العروبة أفكار عصر النهضة الأوروبية. فأوروبا كانت ماثلة في ذهن المثقفين والسياسيين المتحمسين لإحياء العروبة من سباتها العميق
فعلى الصعيد الفكري والثقافي كان هناك تياران: تيار الإصلاح الديني، وتيار ليبرالي. أما على الصعيد الاجتماعي السياسي، كانت ثمة حركتان متعاكستان حركة مجتمع متأخر بدأ يتلمس تأخره نتاج الصدمة مع الغرب، ويريد إعادة بناء ذاته وصياغة هويته، وتحديث بنيته بأدوات بعضها محلي ذو أبعاد تاريخية، وبعضها مضادة، مصدرها الضغط الخارجي، الذي كان يدفع إلى إعادة إنتاج المجتمع المدني وفق معطيات العصر الحديث وشروطه، ولاسيَّما تحكم المراكز الاستعمارية، وإلى إعادة تشكيل بنى المجتمع وفق المصالح الرأسمالية الغربية، ومنطق التطور الرأسمالي اللامتكافئ لمصلحة ظهور رأسمالية تبعية و«هامشية » في العالم العربي، حيث أصبح هذا الأخير منطقة هامشية وآمنة للسوق الرأسمالية العالمية
وفي ظل سيطرة الحركة القومية العربية الناصرية والبعثية ذات المضمون الأيديولوجي المناهض للاستعمار الغربي والإمبريالية، والكيان الصهيوني، في الخارج، وللطبقات الإقطاعية والرأسمالية في الداخل.
وكان المحتوى السياسي والاجتماعي للعروبة يتمثل في تحقيق استقلال البلدان العربية عن الاستعمار البريطاني والفرنسي وعن الهيمنة الغربية، وتحقيق التقدم في الميدان الاقتصادي والاجتماعي من خلال اضطلاع الدولة بالقيادة الاقتصادية إلى جانب القيادة السياسية (بمعنى التحديث والعصرنة) والقضاء على سيطرة رأس المال الكبير على الحكم وهيكل إنتاجه بأجنحته المحلية (البرجوازية الكبيرة وكبار الملاكين العقاريين) وأجنحته الأجنبية (الاحتكارات الرأسمالية الغربية).
ولقد فهمت الحركات القومية العربية الأيديولوجية التي رفعت راية العروبة أن فك علاقة التبعية البنيوية بين العالم العربي والامبريالية الغربية وكسرها وقطعها وبالتالي تحقيق التحرر الوطني والاستقلال السياسي الحقيقي يتطلب بناء الدولة القومية باعتبارها "المبدأ الأوحد للتنظيم" من أجل قيادة القوى القومية إلى الصراع مع المصالح الغربية في العالم العربي، وإلى تحقيق فكرة الوحدة العربية على أرض الواقع من خلال تجربة (وفشل) الوحدة المصرية -السورية (1958-1961). وكانت فكرة العروبة، التي اعتنقها عبد الناصر والبعث تعني تحرير العالم العربي من السيطرة الاستعمارية المباشرة وغير المباشرة، وإحداث التغيرات الواسعة في الأوضاع السياسية العربية تعبر عن آفاق تجاوزية لواقع التجزئة القطرية والانقسامات القبلية والعشائرية، وعن الدعوة إلى بناء إستراتيجية تنموية قومية راديكالية تفتح أمام العرب الطريق إلى التحرر بواسطة الوحدة العربية، وإلى بناء اقتصاد وطني متحرر خارج إطار الاقتصاد العالمي الرأسمالي في آن معاً.
ركز العسكر الذي شكل العمود الفقري للحركات القومية الأيديولوجية على مقولة "التنمية الاجتماعية"، باعتبارها هاجساً مركزياً في فلسفته السياسية، حيث كان هذا الهاجس أحد العوامل الذي جعله يصطدم بالامبريالية، ويركز على مقولة "الوحدة الوطنية" وبناء التحالف الوطني، الذي يضم الفلاحين والعمال والمثقفين ورجال الأعمال، ويبرز الجيش كأحد أعمدة التغيير والتحديث في المجتمع من خلال إجراءات وقوانين الإصلاح الزراعي، وسياسة التمليك والاستثمار، وتحديد ملكية الأرض، وتأميم الصناعات وبناء المشاريع الضخمة التي تتسم بالشمول والاستيعاب العام كسد أسوان. وإدخال عدة شعارات جديدة إلى قاموس السياسة العربية كمقولة "الاشتراكية" وحقوق الجماهير" ومكسب الحكم والشعب، "والتحرير والصمود"، والنماذج القومية.
والحال هذه لم تبق العروبة، كما كانت في الحقبة الاستعمارية، أساسا أو مبدأ لرابطة سياسية، تكرس حلم الدولة العربية في الاستقلال وتكوين دول سيدة ومستقلة، يمكن أن تتوحد في المستقبل لتعوض عن انهيار حلم المملكة العربية، وإنما تحولت إلى حركة شعبوية تجمع بين العداء للاستعمار الأوروبي والكفاح ضد النخب والطبقات الاجتماعية الارستقراطية التي ستظهر وكأنها الحليفة الرئيسية للغرب الاستعماري. ولذلك انتقلت العروبة من تبني المفاهيم الليبرالية للحداثة الغربية: المواطنة، والنزعة الدستورية في حقبة ما بين الحربين، إلى تبني المقولات الأيديولوجية لحركات التحرر القومية، التي تقوم على خوض الصراع ضد الاستعمار الغربي، ومن أجل الاستقلال وتكريس سيادة الدول، لتتخذ شكل الثورة والانقلاب الاجتماعي والسياسي الذي يشكل مدخلا لاستكمال العمل من أجل الاستقلال غير الناجز والسيادة الناقصة.
ومع صعود حركات الإسلام السياسي بعد هزيمة الحركة القومية العربية، تعمقت أزمة العروبة، بسبب العلاقة المتوترة بين العروبة والإسلام. فلا شك أن قضية العلاقة بين العروبة والإسلام،استقطبت ولا تزال اهتمام العديد من الحركات الإسلامية الإصلاحية والمفكرين القوميين العرب منذ عصر النهضة وإلى يومنا هذا. وبقدر ما نجد فريقاً من المثقفين يدافع عن الأطروحة التي تفترض علاقة التلازم بل التطابق الأصلي والتعايش التاريخي بين العروبة والإسلام، وإن أي خلاف بينهما لا وجود له، باعتبار أن واقعية العروبة تنبعث من حضارة الإسلام، وعلى دور الإسلام والعربية لغة وثقافة في تكريس مقومات العروبة وفي بعث الوعي العروبي، وعلى أن الإسلام يزود العروبة بركيزة حضارية قوية. بقدر ما نجد في المقابل فريقاً من المثقفين يدافع عن الأطروحة التي تفترض الخلاف والتناقض بين العروبة والإسلام، لاسيَّما الذين يجعلون من العروبة عقيدة قومية من جهة، ولدى الذين يرفضون التخلي عن الشرعية الدينية في السياسة لمصلحة القومية العلمانية البعيدة عن الدين.
إذا أرادت العروبة أن تكون الخيار الأيديولوجي، والمشروع الثقافي للأمة العربية في القرن الحادي والعشرين، والهوية الثقافية المميزة للعرب عن غيرهم من الأمم والشعوب، والهوية السياسية المؤسسة لسياسة ودولة فاعلة في النظام الدولي العالمي، فعلى العروبة أن تتبنى مفاهيم التعددية الفكرية والسياسية، والمواطنة، وإعادة تثمين الوطنية المحلية الدستورية والليبرالية، والتأكيد على مرجعية احترام حقوق الإنسان، والحريات الشخصية والاعتقادية، والديمقراطية. فالمشروع الديمقراطي النهضوي، هو الخيار العروبي الوحيد، الذي من خلاله يمكن للعرب أن يبنوا مستقبلهم السياسي والاقتصادي والثقافي، وأن يؤسسوا عبره وحدتهم الوطنية والقومية الحقيقية، بعيداً عن الانقسامات المذهبية والطائفية: سواء تمثلت في صعود الانقسامات المذهبية داخل الدين الواحد أو تنامي العصبيات الجماعية على أساس ديني بين أصحاب العقائد المختلفة. فالطائفية تعبر عن إخفاق السياسة القومية في بناء إطار تضامنات فعلية وطنية ما فوق طائفية.
وكما يقول المفكر برهان غليون، حتى تنجح العروبة في استعادة مكانتها، ينبغي أن تغير أيضا من جلدها الذي أصبح ضيقا جدا عليها، وهو جلد الخمسينيات والستينيات الذي ارتبط في مفهومه وأسلوب تجليه وقيمه وغاياته بالقضية القومية، لتلبس جلد الفكرة الوطنية الإنسانية، أي أن تكون في نمط تفكيرها ووسائل عملها وغاياتها حاملا لقضية الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة الأخلاقية والقانونية. عندئذ ستكون عروبة للمستقبل، وسيرتبط بها لا محالة الانبعاث الفكري والاجتماعي والسياسي العربي القادم، فتكون أيديولوجية المستقبل لا أيديولوجية الماضي، سواء كان الماضي القريب القومي أو الماضي البعيد التاريخي أو الديني.
أثر الفراشة
عندما ترتطم الذات بلوحٍ زجاجي لا تراه إلا تلك الروح، يصبح الكلام عبئاً ثقيلاً، ويغدو الصمت ملاذاً مؤقتاً... اقرأ المزيد
102
| 23 يونيو 2026
المبنى يَعلو... والمعنى يَخفُت: قراءةٌ في مرآةٍ بريطانية
وجهتني دكتورة قطرية خبيرة بالتعليم إلى مقال في مجلة London Review of Books البريطانية الرصينة، للناقد والأكاديمي ستيفان... اقرأ المزيد
177
| 23 يونيو 2026
الكتابة الورقية أم الرقمية.. أيهما يفوز؟
أحيانا كثيرة يتبادر الى ذهني تساؤلات أحاول أن أجد لها إجابة، في ظل غزو الشاشات الرقمية هل الكتابة... اقرأ المزيد
54
| 23 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
31401
| 20 يونيو 2026
عندما يتعرض أي منتخب لخسارة قاسية، يكون من السهل توجيه أصابع الاتهام إلى اللاعبين وتحميلهم كامل المسؤولية، لكن ما حدث للعنابي أمام كندا يستوجب قراءة أكثر إنصافاً وواقعية. فاللاعبون أنفسهم الذين خرجوا بنتيجة إيجابية أمام سويسرا في الجولة الأولى لا يمكن أن يفقدوا قدراتهم بين ليلة وضحاها. ما تغير لم يكن مستوى اللاعبين بقدر ما كان غياب الرؤية الفنية الواضحة وسوء إدارة المباراة، وهي أمور يتحمل مسؤوليتها المدرب قبل أي طرف آخر. المشكلة الحقيقية لم تكن في الأسماء الموجودة داخل المستطيل الأخضر، بل في الطريقة التي أُديرت بها المباراة منذ بدايتها وحتى صافرة النهاية. وهنا تبرز مسؤولية المدرب الذي يتحمل النصيب الأكبر من هذه الخسارة الثقيلة، فالفريق ظهر من دون شخصية واضحة، ومن دون جاهزية ذهنية تسمح له بمواجهة الضغط أو العودة إلى أجواء اللقاء بعد استقبال الأهداف. كما بدا واضحاً أن العنابي لم يدخل المباراة بالحالة البدنية التي تمكنه من مجاراة نسق المنافس أو الحد من تفوقه. ولم تتوقف الأخطاء عند حدود الإعداد الذهني والبدني، بل امتدت إلى الجانب الفني. فالمدرب لم ينجح في استثمار قدرات لاعبيه بالشكل الصحيح، الأمر الذي أفقد الفريق الكثير من فاعليته، فظهر بعض اللاعبين بعيدين عن مستواهم المعتاد لأنهم لم يوظفوا فنياً في الأدوار التي تناسب إمكاناتهم. وكما نعلم فإن مباراة بهذا الحجم يصبح استغلال لاعب بحجم عفيف ضرورة وليس خياراً، وعندما يعجز المدرب عن توظيف أهم الأوراق الهجومية للفريق بالشكل الأمثل، فإن ذلك يعكس خللاً مباشراً في الرؤية الفنية قبل أي شيء آخر. الأكثر إحباطاً كان الإصرار على نهج دفاعي عقيم منح المنتخب الكندي أفضلية كاملة في الاستحواذ والسيطرة على مجريات اللعب، وبينما كان المنافس يهاجم بأريحية ويصنع الفرص تباعاً، اكتفى العنابي بالتراجع وانتظار ما سيحدث، وعندما بدأت النتيجة تتجه نحو سيناريو كارثي، لم نشاهد أي تدخل فني حقيقي يغير شكل المباراة أو يعيد التوازن إلى الفريق. صحيح أن طرد همام الأمين وعاصم مادبو شكّل ضربة مؤثرة وأربك حسابات الفريق، إلا أن اختزال النتيجة الكارثية للمباراة في حالتي طرد فقط لا يعكس الصورة الكاملة لما حدث، فالمنتخبات التي تمتلك هوية واضحة وشخصية قوية تستطيع التكيف مع النقص العددي وتقليل الأضرار، لكن العنابي بدا فاقداً للسيطرة والتنظيم حتى قبل حالات الطرد، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول الجاهزية الفنية والتكتيكية. المدرب لم يقرأ المباراة بالشكل المطلوب، ولم ينجح في إيجاد حلول أو إجراء تعديلات مؤثرة تحد من تفوق المنافس. التبديلات جاءت متأخرة ومن دون أثر واضح، والخطة بقيت كما هي رغم أن المباراة كانت تسير في اتجاه واحد. والأسوأ من ذلك أن المدرب لم يحرر اللاعبين القادرين على صناعة الفارق، بل وضعهم داخل أدوار حدّت من خطورتهم وأفقدت الفريق أحد أهم أسلحته الهجومية. كلمة أخيرة: تحيةٌ وتقديرٌ واحترامٌ لجماهير منتخبنا التي بقيت في المدرجات بروحٍ وطنيةٍ عاليةٍ رغم الخسارة الثقيلة.
4149
| 21 يونيو 2026
خمسة أهداف في شباك تونس، نتيجة قاسية تجاوزت حدود الخسارة وأشعلت حالة من الذهول والقلق، لكن الأكثر إيلاماً من النتيجة نفسها هو السؤال الذي يفرض نفسه بقوة بعد صافرة النهاية: هل هذا هو المنتخب ذاته الذي أنهى التصفيات دون خسارة واحدة؟ وهل هذه هي المجموعة التي عبرت الطريق إلى المونديال من دون أن تهتز شباكها ولو بهدف واحد؟ إذا كان الجواب نعم، فكيف انهار كل شيء بهذه الصورة منذ المباراة الأولى؟ أين اختفت الصلابة التي صنعت نجاح المنتخب طوال مشوار التصفيات؟ وأين ذهب الانضباط الذي منح الجماهير الثقة في قدرة هذا الفريق على الذهاب بعيداً؟ الجواب كان واضحاً على أرضية الملعب: كل ما بُني في التصفيات بدا وكأنه تبخر في ليلة واحدة، وكأن المنتخب الذي أرهق منافسيه طوال مشوار التأهل ترك مكانه لفريق عاجز عن مجاراة إيقاع مباراة مونديالية. وأين شخصية اللاعبين؟ أين الروح التي انتظرها الجمهور التونسي في أكبر محفل كروي على وجه الأرض؟ هل كانت رهبة المونديال أكبر من طموحات المنتخب؟ أم أن بعض اللاعبين اكتفوا بمجرد الوصول إلى البطولة ونسوا أن المنافسة الحقيقية تبدأ بعد التأهل؟ وماذا عن الجهاز الفني؟ ألم يكن يعلم أن كأس العالم لا ترحم؟ ألم يقرأ قوة المنتخب السويدي جيداً؟ وأين كانت الحلول عندما بدأت المباراة تخرج عن السيطرة؟ وأين كانت ردة الفعل بعد الهدف الثاني والثالث والرابع؟ أسئلة مشروعة تنتظر إجابات أكثر من انتظارها للتبريرات. هل كانت التصفيات تخفي عيوباً لم تظهر إلا أمام منافس من العيار الثقيل؟ أم أن المنتخب وقع ضحية الثقة الزائدة؟ وكيف يتحول فريق لم يتلقَّ هدفاً طوال التصفيات إلى منتخب يستقبل خمسة أهداف في تسعين دقيقة فقط؟ الجمهور التونسي لا يطالب بالمستحيل، ولا يطلب رفع الكأس، لكنه يطالب بالقتال والشخصية. أما ما حدث أمام السويد فلم يكن مجرد خسارة في النتيجة، بل سقوطاً مؤلماً في الحضور والهيبة والصورة التي رسمها المنتخب عن نفسه قبل المونديال. ويبقى السؤال الأكبر الذي يجب أن يؤرق اللاعبين والجهاز الفني طوال الأيام المقبلة: هل كانت خماسية السويد مجرد كبوة عابرة يمكن تصحيحها؟ أم أنها كشفت حقيقة منتخب ظن الجميع أنه أقوى مما هو عليه في الواقع؟ الإجابة لن تكون في التصريحات والمؤتمرات الصحفية، بل على أرضية الملعب قبل أن يتحول حلم المونديال إلى كابوس مبكر لا يُنسى.
2871
| 17 يونيو 2026